العقيد الركن م. ظافر مراد (دفاع العرب)
خطفت جزيرة “خرج” الإيرانية الاضواء في خضم الحديث عن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن محاولة للتوصل إلى إتفاق ينهي الحرب. وفي هذا المقال سنقارب طبيعة وأهمية هذه الجزيرة كهدف عسكري في هذه الحرب، وما هي الخيارات المتاحة أمام القيادة المركزية بشأن هذا الهدف.
لم يعد استهداف المراكز الحيوية والمنشآت الهامة والخطرة في الحروب الحديثة قائمًا على مبدأ التدمير الشامل، بل انتقل إلى منطق أكثر تعقيدًا يعتمد على التعطيل الوظيفي وتقويض الكفاءة التشغيلية لهذه المراكز والمنشآت، وينطبق هذا الشيء على جزيرة خرج الإيرانية التي تُعد نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فهذه الجزيرة تمثل عقدة تصدير رئيسية للنفط الإيراني، ما يجعلها هدفًا ذو قيمة عالية (HVT-High Value Target) ، لكن ليس بالضرورة هدفًا ذو مردود عملياتي مرتفع (HPT- High Payoff Target)، ونعني هنا أن هذه الجزيرة بما تضم من منشآت وبما لها من دور هام في قطاع الطاقة الإيراني هي هدف مهم بحد ذاتها، ولكن تدميرها أو إحتلالها قد لا يقدم مردود هام أو أثر عملياتي أو إستراتيجي يستحق المخاطرة. فبدلًا من استهداف البنية التحتية الثقيلة داخل الجزيرة أو إحتلالها بقوات خاصة، ما يؤدي إلى تدمير منشآتها وإلى تصعيد واسع وتكاليف مرتفعة، فعلى الأرجح تتجه النية نحو التأثير على البيئة التشغيلية المحيطة بها، سواء عبر إرباك تدفقات الإمداد، أو التأثير على منظومات الإدارة والتنسيق، أو خلق ضغوط غير مباشرة على شبكات النقل والتصدير.
في هذا السياق، يصبح التعطيل أداة استراتيجية قائمة بذاتها، لا تقل فاعلية عن التدمير، بل قد تتفوق عليه من حيث القدرة على التحكم بمستوى التصعيد وتحقيق أثر مستدام، إذ إن إبطاء العمليات، وزيادة الكلفة التشغيلية، وتقويض الإفادة من المنشأة، كلها عوامل تؤدي إلى نتائج تراكمية قد تعادل أو تفوق أثر الضربات المباشرة، ويتم تحويل الأصل الاستراتيجي إلى عبء تشغيلي يفقد تدريجيًا قدرته ومردوده. من هنا، يمكن القول إن المعركة على جزيرة خرج لا تهدف إلى الإحتلال أو التدمير، فكلاهما مكلفان، ولكن على الارجح تهدف إلى التأثير المؤقت على عمل منشآت هذه الجزيرة وتعطيل دورها في المنظومة الطاقوية والإقتصادية الإيرانية، وإذا كانت جزيرة خرج تمثل عقدة الطاقة الإيرانية، فإن مضيق هرمز يشكّل مضخّمها الاستراتيجي، حيث يتحول أي اضطراب محدود في نقطة محلية إلى تأثير عالمي واسع. هنا تتكامل معادلة التعطيل، إذ لا يقتصر الأثر على تقليص القدرة التصديرية لإيران، بل يمتد ليصيب توازن الأسواق الدولية ويعيد تشكيل سلوك الفاعلين الدوليين، لا سيما بالنسبة لحلفاء وأصدقاء إيران.
من خلال دراسة المخاطر في عملية إحتلال جزيرة خرج، يظهر لدينا مستوى مرتفع جداً من المخاطر، كما أن عملية الوصول للجزيرة سواء عن طريق الإبرار من البحر أو الإهباط من الجو، ستكون محفوفة بالمخاطر ومعرضة لنيران كثيفة ومركزة من شبكة واسعة من المنظومات المتوسطة والثقيلة، إضافةً إلى وجود حامية على أرض الجزيرة وشبكة من الالغام البرية على أطرافها والبحرية في محيطها. وبالنسبة لعملية قصفها لتدمير منشآتها، فهذا سيناريو مستبعد بسبب التلوث البيئي الكبير الذي سيحصل في محيط الجزيرة، إضافةً إلى كلفة إعادة البناء والتشغيل والوقت الطويل الذي ستستغرقه هذه العملية، ما يؤثر سلباً على منظومة الطاقة العالمية التي يريد ترامب إعادتها إلى وضعها الطبيعي بأسرع وقت بعد الحرب، مع ذلك يبقى هذا الإحتمال وارداً في ظروف معينة.
إذا كان سيناريو إحتلال أو تدمير جزيرة خرج مستبعد في المنطق العملياتي والإستراتيجي، فما هو العمل الاكثر إحتمالاً للولايات المتحدة تجاه هذه الجزيرة؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يجب الإجابة عليه.
في الوضع الراهن، يبدو العمل الأكثر إحتمالاً للولايات المتحدة في سياق إستهداف منظومات الطاقة والإمداد في إيران، هو السعي إلى شل القدرة التصديرية لها دون تدمير جزيرة خرج مباشرة. يتم ذلك عبر استهداف سلسلة الإمداد، خطوط الأنابيب البرية والبحرية، حركة الناقلات، والعمليات اللوجستية، ما يؤدي إلى تعطيل الوظائف الحيوية تدريجيًا. بهذا الأسلوب، تتحقق أقصى فعالية استراتيجية بأقل تصعيد ممكن، وتصبح الجزيرة عاجزة عن تحقيق دورها.
أما على صعيد الادوار المرتقبة للقوات الاميركية المنقولة بحرا وجواً إلى المنطقة، فهي على الارجح ستستهدف في الداخل الإيراني العقد والروابط الأساسية لمنظومة عمل الحرس الثوري، والمواد والمناطق والمراكز الإستراتيجية التي يتوجب السيطرة عليها، مثل اليورانيوم المخصب بدرجة عالية، مراكز القيادة والسيطرة، نقاط الدفاع الساحلي والصواريخ، محطات الرصد والمراقبة البحرية، حيث أن تعطيل هذه العقد وقطع الروابط بينها، سيقلل من قدرة الحرس على الرد والتنسيق، وسيربك ويزعزع تماسك القيادة الإيرانية، ويضعها في موقف العاجز كلياً، ما يسهل فرض الإرادة عليها في أي مفاوضات لاحقة.