د. محمد عز العرب (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)
على الرغم من صدور كم هائل من التحليلات الاستراتيجية والتقارير الإخبارية وتقديرات المواقف وأوراق السياسات، سواء عن دور نشر صحفية أو مراكز دراسات خاصة أو وحدات بحوث أكاديمية في دول عديدة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تناولت زوايا مختلفة من تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الجغرافيا السياسية والاقتصاديات الوطنية والتحالفات الدفاعية والترتيبات الأمنية في الإقليم، إلا أنها -في حدود ما بحث بشأنه كاتب السطور باللغتين العربية والإنجليزية- لم تتطرق إلى مؤشرات ومحددات تمايز الموقف العُماني عن غيره من المواقف التي اتبعتها دول الخليج الأخرى.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن عُمان كانت الطرف الوسيط بين الجانبين الأمريكي والإيراني على مدى ثلاث جولات تفاوضية خلال عام 2026، إحداهما في مسقط واثنتين في جنيف، وشهدت الجولة الأخيرة في جنيف تقدماً ملحوظاً في قضايا الحد من التخصيب النووي، ورفع العقوبات، والتحقق، مع خطط لاستكمال المشاورات الفنية في فيينا مطلع مارس الجاري. ومع ذلك أدت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المباشرة على أهداف إيرانية إلى تصعيد فوري، حيث ردت طهران بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة على إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة بل وأهداف خليجية، ومنها عُمان. ولذا، يكون الموقف العُماني نتاجاً لخبرة مباشرة تفاعلية سابقة بين واشنطن وطهران.
مؤشرات دالة
هناك جملة من المؤشرات الدالة على تمايز الموقف العُماني عن غيره من المواقف الخليجية تجاه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، على النحو التالي:
1- رفض عُمان شن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: نشر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي تغريدة على حسابه الرسمي على منصة "إكس" بتاريخ 28 فبراير الماضي جاء فيها: "أشعر بالأسى. لقد تم تقويض المفاوضات الجادة والفعّالة مرة أخرى. لا تخدم هذه الخطوة مصالح الولايات المتحدة ولا قضية السلام العالمي. وأدعو الله أن يرحم الأبرياء الذين سيعانون. وأحث الولايات المتحدة على عدم الانجرار أكثر إلى هذه الحرب. إنها ليست حربكم". واعتبر البوسعيدي، في كلمته أمام اجتماع وزاري طارئ للجامعة العربية، عُقد عن بعد، بتاريخ 9 مارس الجاري، حرب إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران "غير أخلاقية وغير قانونية"، وجددت مسقط موقفها الرافض للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 25 مارس الجاري، إذ اعتبرتها "حرباً غير مشروعة".
2- تجنب إشارة البيانات الرسمية العُمانية إلى الجهة المسئولة عن الاستهداف: على الرغم من تعرض مناطق مختلفة في السلطنة، مثل صحار وصلالة، لهجمات إيرانية بطائرات مسيرة، أحدثت خسائر مادية وبشرية محدودة، إلا أنه كان يتم تجنب ذكر "الجهة المستهدفة" (وهي إيران بالطبع)، في إطار ما يطلق عليه ويدعو إليه الجانب العُماني الطرف الإيراني فضلاً عن مطالبة دول الخليج بضرورة التحلي بضبط النفس وتفادي كل ما من شأنه تقويض علاقات حسن الجوار. إذ دعا البيان الصادر عن وزارة الخارجية العمانية بتاريخ 28 فبراير الماضي إلى "ضرورة وقف الاعتداءات والهجمات الصاروخيّة ضد مواقع في دول المنطقة بما فيها الأراضي السعودية والإماراتية والقطرية والكويتية والبحرينية والإيرانية والعراقية والأردنية"، و"أعربت مسقط عن إدانتها واستنكارها لكل ما يخالف قواعد القانون الدولي ويقوض أمن واستقرار المنطقة وسلامة شعوبها". كما تدعو إلى "الاحتكام للحوار والدبلوماسية وهو السبيل الوحيد الذي يكفل حل الخلافات وحفظ الحقوق المشروعة لجميع الأطراف". وفي مواضع أخرى، اعتبر البوسعيدي رد إيران على جيرانها "مؤسف للغاية وغير مقبول".
3- بقاء الاتصالات الدبلوماسية قائمة بين الجانبين العُماني الإيراني: أكدت التصريحات المختلفة للمسئولين العُمانيين في مرحلة ما بعد الحرب على أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية والعمل عبر القنوات السياسية بما يسهم في خفض التوترات، حيث تلقى وزير الخارجية بدر البوسعيدي أول اتصال من مسئول إيراني وهو وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 1 مارس الجاري، أكد خلاله البوسعيدي أن باب الدبلوماسية ما زال مفتوحاً، واستمرار الجهود السياسية لإيجاد حلول عبر الحوار، رغم التطورات الراهنة، فضلاً عن استمرار مسقط في الدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار، والتفاوض لحل الصراع في المنطقة دبلوماسياً، بما يُحقق المطالب المشروعة لجميع الأطراف، وفقاً لوكالة أنباء عُمان.
4- تأكيد عُمان على التحرك العربي المشترك لوقف الحرب: استعرض الوزير بدر البوسعيدي خلال اجتماع مع عدد من سفراء الدول العربية المعتمدين لدى سلطنة عُمان، في 8 مارس الجاري، تطورات الأوضاع الإقليمية على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، داعياً إلى "ضرورة التحرك العربي المشترك، وممارسة الضغوط السياسية والدبلوماسية لوقف هذه الحرب، واحتواء تداعياتها، حفاظاً على المصالح العليا للمنطقة وسلامة شعوبها". وهو ما سبق أن تكرر في لقاء مع عدد من سفراء الدول الأوروبية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وتركيا وسفراء دول الخليج والعراق والأردن ومصر المعتمدين لدى سلطنة عُمان، بتاريخ 7 مارس الجاري.
5- اعتبار الحرب على إيران أكبر خطأ في حسابات إدارة ترامب: وصف البوسعيدي، في مقال رأي نُشر في "ذي إيكونوميست" بتاريخ 18 مارس الجاري، الحرب بأنها "أكبر خطأ في حسابات إدارة ترامب"، مُبيّناً تأثيرها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي. وكتب البوسعيدي أن السلام والازدهار النسبيين اللذين تمتعت بهما الدول الخليجية باتا الآن مُهددين، لأن الولايات المتحدة "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية". وأضاف: "السؤال المطروح على أصدقاء أمريكا بسيط: ما الذي يُمكننا فعله لإخراج هذه القوة العظمى من هذا التورط غير المرغوب فيه؟ أولاً وقبل كل شيء، يقع على عاتق أصدقاء أمريكا مسئولية قول الحقيقة، ويبدأ ذلك بحقيقة أن طرفي هذه الحرب لا يجنيان منها أي مكاسب، وأن المصالح الوطنية لكل من إيران وأمريكا تكمن في إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن".
6- رفض تقديم أي من مستويات الدعم للحرب للولايات المتحدة: أكد البوسعيدى، فى تصريحات صحفية بتاريخ 12 مارس الجاري، أن السلطنة رفضت تقديم أي مستوى من مستويات الدعم الذي يمكن أن يسهم في هذه الحرب أو في أي حرب أخرى، موضحاً أن أي تسهيلات تقدمها عُمان لا بد أن تكون لدواعٍ دفاعية، وأن تستند إلى شرعية دولية صريحة من مجلس الأمن. وأضاف أن الموقف العُماني يستند كذلك إلى اعتبارات قانونية ومبدئية، لأن الحرب، إلى جانب كونها تستهدف دولة جارة، لا تحظى بالمشروعية القانونية، مشيراً إلى أن هذا الرفض ينسجم مع المادة (13) من النظام الأساسي للدولة.
محددات تفسيرية
إن هناك مجموعة من العوامل المفسرة للسياسة العُمانية المضادة لقرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، على النحو التالي:
1- اتباع سياسة حيادية في الأزمات العربية والمشكلات الإقليمية: لم تعتد سلطنة عمان اتخاذ مواقف حدية تجاه أحد الأطراف على حساب الأطراف الأخرى، فهي قادرة على الحوار مع جميع الأطراف في مختلف الأزمات، ولم تندفع السياسة العُمانية في اتجاه ما، خلال حروب الخليج المتعاقبة، بل عملت على اغتنام علاقاتها مع كل أطراف النزاع: العراق، ودول الخليج، وإيران، والولايات المتحدة الأمريكية، للاحتفاظ بمخرج يمكن أن تمر به تفاعلات المنطقة، إن هي اتجهت نحو الحلول السلمية، أو بالأحرى الوصول إلى صيغة تصفير المشكلات Zero –Problems، وفقاً للطريقة العُمانية، وعدم تفضيل الحلول الرامية إلى تفاقم الأزمات عبر قطع العلاقات أو سحب السفراء أو توجيه المعارضة الداخلية أو تسليح جماعات العنف وتمويل قوى الإرهاب، بل يتم احتواء الخلافات مهما بلغت حدتها، وتصبح السلطنة نقطة التقاء وبوابة مفتوحة لكافة أطراف الصراع، فيما يعرف بـ"لا شريك في المشكلة" لأن الجار لا يبتعد أبداً.
2- الاستقلالية النسبية عن مسارات السياسة الخارجية للدول الخليجية: تشير العديد من التحليلات إلى أن السياسة الخارجية لسلطنة عُمان تعبر عن دولة تغرد بمفردها، وتتبني سياسة "المجانبة"، أو دعم مساعي الوساطة في النزاعات بناءً على طلب أطرافها، فضلاً عن تحقيق الاستقلالية النسبية عن القوى الإقليمية والدولية، منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد وصولاً إلى حكم السلطان هيثم بن طارق. فعلى الرغم من قطع معظم الدول العربية علاقاتها مع مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، في أعقاب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في عام 1978 ومعاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس، إلا أن سلطنة عُمان رفضت قطع العلاقات مع مصر، وهو ما التزمت به السودان والصومال فقط من الدول العربية إلى جانب السلطنة.
وعلى مدى ثماني سنوات (1980-1988)، لم تشارك السلطنة مواقف دول الخليج الداعمة للعراق في مواجهة إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، ولكنها لم تقف كلية مع إيران، حيث لعبت دوراً مهماً لحفظ التوازن في منطقة الخليج وتوفير قنوات للحوار بين دول الخليج وإيران. كذلك، أسهمت السلطنة في تسوية الخلافات بين بعض دول الخليج واليمن باعتبار الأخيرة كانت من دول الضد في أعقاب الغزو العراقي للكويت، إذ احتفظت سلطنة عُمان بعلاقات مع "دول الضد"، وهي التسمية التي أطلقتها وسائل الإعلام الخليجية على الدول العربية التي ساندت العراق، وتعاطفت معه أثناء حرب الخليج الثانية، وهي الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية والسودان واليمن وموريتانيا وليبيا والجزائر وتونس.
واستمرت السلطنة على هذا التوجه حتى اندلاع الحراك الثوري العربي حيث حافظت على علاقتها مع مصر، ولم تقطع علاقتها بالنظام السوري في عهد بشار الأسد، ورفضت طرد سوريا من جامعة الدول العربية، ولم تدعم عسكرة الثورة السورية ولم توجه الدعوة لقوى المعارضة السياسية والمسلحة لاستبيان وجهة نظرها، ولم تشارك في عملية عاصفة الحزم ضمن قوات التحالف العربي لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين في مارس 2015، ورفضت السلطنة سحب سفيرها من الدوحة وقطع علاقتها السياسية في 5 يونيو 2017. وهنا، يتضح أن سلطنة عُمان تتبنى رؤية مغايرة لمواقف دول الخليج، بشأن العديد من الأزمات الخليجية والعربية والإقليمية مفادها أن تطابق الأولويات فيما يخص التعامل مع الأزمات الإقليمية يؤدي في بعض الأحيان إلى إضعاف الجبهات المشتركة بدل تعزيزها.
3- التصور بإمكانية التوصل لاتفاق قبل وقوع الحرب: هناك تصور حاكم لمسقط بأنه تم تجاوز خطوات انفراج في التفاوض بين الجانبين الأمريكي والإيراني، في جولة جنيف الثالثة، لمصلحة قرار أمريكي إسرائيلي مسبق بتوجيه ضربات عسكرية لطهران، وهو ما عبرت عنه تصريحات متفائلة أدلى بها الوزير العُماني بدر البوسعيدي في مقابلة مع برنامج "Face the Nation" على شبكة CBS، حيث أكد أن "السلام بات في متناول اليد" بعد جولة مفاوضات غير مباشرة في جنيف بين الولايات المتحدة وإيران. ووصف البوسعيدي التقدم بأنه "غير مسبوق"، مشيراً إلى اتفاق مبدئي على عدم تخزين مواد مخصبة وعدم تجميعها، مع آليات تحقق شاملة.
4- الإدراك العُماني لمحورية التحريض الإسرائيلي على الحرب: تدرك القيادة السياسية في السلطنة الأثر المحوري لإسرائيل في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشن تلك الحرب باعتبار أن إيران تمثل مهدداً أمنياً. ولذا، قال وزير الخارجية العُماني في مقاله بـ"الإيكونوميست" إن "إسرائيل على ما يبدو قد "أقنعت" الولايات المتحدة بأن الحرب ستكون سهلة الانتصار، ولكن لتحقيق أهداف إسرائيل، سيتعين على الولايات المتحدة نشر قوات برية والالتزام بنوع الحرب الأبدية التي تعهد ترامب بإنهائها".
5- التخوف من أثر الاضطراب الإقليمي الممتد: تنطلق السياسة الخارجية العُمانية من الحفاظ على الأمن والاستقرار والسلام الإقليمي بما يعزز مصالحها الوطنية، وتتخذ مسقط سياسة رافضة للتصعيد، ومساندة للوساطة المقبولة من الأطراف المتنازعة، ومناوئة للحروب بين الدول والصراعات الداخلية المسلحة، على مدى عقد ونصف، لأنها أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي. وترى مسقط أن الصراعات الإقليمية الجارية مهددة لاستقرار مضيق هرمز، والدول الواقعة عليه، ومنها السلطنة.
6- التضرر من الارتدادات الاقتصادية للحرب على الداخل العُماني: هناك تخوف عُماني من تعاظم الأضرار التي تلحق بالسلطنة من جراء وقوع واستمرار تلك الحرب لاسيما في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، وتعطل سلاسل الإمداد، فضلاً عن دخول جماعة أنصار الله الحوثي منذ 28 مارس الجاري على خط المواجهات في سياق وحدة الساحات، وهو ما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد العُماني، إذ يعتمد الأخير على شرايين الممرات المائية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب. وقد حذرت تصريحات مختلفة لبدر البوسعيدي من أن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن ذلك من خلال ارتفاع أسعار النفط وتزايد الاضطراب في سلاسل التوريد.
7- قلة الخسائر العُمانية مقارنة بالخسائر الخليجية الأخرى: تعد الهجمات الإيرانية على سلطنة عُمان هي الأقل من إجمالي الهجمات التي وجهت لأهداف في دول الخليج الأخرى، سواء كانت منشآت اقتصادية أو مبانٍ تجارية أو مؤسسات إنتاج وتشغيل طاقة أو موانئ بحرية أو مناطق سكنية أو فنادق سياحية أو مطارات مدنية أو مرافق مدنية. بل تتخوف من اتساع بنك الأهداف ليشمل محطات تحلية المياه. إذ أظهر إحصاء للهجمات التي شنتها إيران بالصواريخ والمسيّرات منذ بدء الحرب، أن نحو 83 في المائة منها استهدف دول الخليج، مقابل 17 في المائة فقط على إسرائيل.
واستناداً إلى البيانات الرسمية التي أعلنتها الدول المستهدفة عن الاعتداءات الإيرانية منذ انطلاق الحرب، أطلقت إيران حتى مساء يوم 25 مارس، 4391 صاروخاً ومسيّرة على دول الخليج، أما إسرائيل التي تشنّ الحرب، فأطلقت عليها إيران، 930 صاروخاً ومسيّرة. ووفقاً لتلك البيانات، طال النصيب الأكبر من الاعتداءات الإيرانية دولة الإمارات بواقع 2156 صاروخاً ومسيّرة، منذ بداية الحرب تليها الكويت بـ791 هجمة، تليها السعودية بـ723، ثم البحرين بـ429، فقطر بـ270، وأخيراً عُمان التي استهدفتها 22 طائرة مسيّرة. واللافت للنظر الفجوة في الاستهدافات الإيرانية لدول الخليج، وهو ما ينعكس على حجم الأضرار.
8- العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين سلطنة عُمان وإيران: لا يمكن فصل موقف عُمان في الحرب الراهنة عن انتهاجها سياسة متوازنة مع إيران، ويأتي الموقف العُماني من إيران مغايراً للموقف المناوئ الذي تتخذه السعودية والبحرين والإمارات إزاء السياسة الإيرانية، في حين تقع سياسة دول الخليج الأخرى (الكويت وقطر) ضمن مسار التعايش مع تلك السياسات. أما سلطنة عُمان فتجمعها علاقات استراتيجية مع إيران. فلا ترى السلطنة في إيران مصدر تهديد لها، ولا تعتبرها ذات أطماع إمبراطورية فارسية أو جمهورية إسلامية تمددية، وإنما تراها دولة جوار ستبقى قائمة مهما تغيرت بنية السلطة، وأن الطريقة المثلى للتعامل معها هي التواصل والانفتاح وليس الصدام والصراع. وهو ما يعبر عن النهج البراجماتي العُماني الذي يرى أن التعاون وإبقاء الحوار مفتوحاً مع قوى إقليمية كإيران أجدى لدول ولأمن الخليج من استعدائها أو مقاطعتها.
صوت مختلف
خلاصة القول، إن سلطنة عُمان تمثل صوتاً مختلفاً في الإقليم، يتناقض مع الرؤية الأمريكية ويناهض المساعي الإسرائيلية، حيث تسعى إلى وقف الحرب وتهيئة السبل للعودة إلى الدبلوماسية، لأن استمرار المواجهات العسكرية لا يخدم المصالح الحيوية لعُمان ولا لمحيطها الإقليمي ولا لجوارها الخليجي، بل تعتبر الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران حلقة جديدة في سلسلة خطيرة من الانتهاكات التي شهدتها السنوات الأخيرة، وتهدد بإلحاق ضرر بالإطار القانوني الذي وفر الحماية والاستقرار لدول المنطقة لعقود سابقة.