محمد سيد أحمد (موقع مصر 360)
تجاوزت مخاوف الحرب “الأمريكيةـ الإسرائيلية” على إيران بُعد الطاقة بمراحل، بعدما باتت تطول ملفًا أكثر أهمية، يتعلق بإمدادات الغذاء العالمية، وتزايد التحذيرات من إمكانية حدوث نقص بالإنتاج الزراعي عالميًا حال استمرار وتيرتها لأيام قليلة فقط.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، أصدرت تحذيرًا شديد اللهجة، قالت فيه إن أزمة الغاز وإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الغاز الطبيعي المسال عالميًا يُهدد 30% من الأسمدة المتداولة دوليًا.
بحسب المنظمة، فإن الأزمة ليست مجرد صدمة طاقة، بل صدمة منهجية تؤثر على النظم الغذائية الزراعية عالميًا، خاصة أن منطقة الخليج تستحوذ على ما يقارب نصف تجارة الكبريت العالمية، وهو عنصر أساسي، يُستخدم بإنتاج حمض الكبريتيك اللازم، لمعالجة صخور الفوسفات وتحويلها إلى أسمدة.
يُهدد انقطاع إمدادات الكبريت بتعطّل إنتاج أسمدة الفوسفات عالميًا، بما في ذلك الدول المنتجة الرئيسية كالبرازيل بصرف النظر عن بعدها من منطقة النزاع، وحتى حال تخفيف حدة التوتر، قد يستغرق استئناف حركة الشحن بشكل طبيعي شهورًا، بحسب التقديرات الغربية.
صدى الحرب يؤثر على الغذاء
كبير الاقتصاديين بالفاو ماكسيمو توريرو يقول إن الاضطرابات بدأت بالفعل تُترجم إلى ارتفاع التكاليف الزارعة بجميع أنحاء العالم، إذ زادت أسعار الأسمدة بشكل حاد، بعدما قفز سعر اليوريا الحبيبية بالشرق الأوسط بنسبة 19% بالأسبوع الأول من مارس.
نظرًا لأن الغاز الطبيعي هو المادة الخام الأساسية للأسمدة النيتروجينية، فمن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة المرتفعة على وتيرة تصاعد تكاليف الأسمدة، ما دفع “الفاو” لإصدار توقعات بارتفاعها بنسبة تتراوح بين 15 و20% في النصف الأول من عام 2026، إذا استمرت الأزمة.
يقول توريرو، إن المزارعين يواجهون صدمة تكاليف مزدوجة، بارتفاع أسعار الأسمدة ومعها زيادة تكاليف الوقود، ما يؤثر على سلسلة القيمة الزراعية بأكملها، بما في ذلك الري والنقل، واستجابةً لذلك، من المرجح أن يُقلل العديد من المنتجين من استخدام الأسمدة، أو يتحولوا إلى زراعة محاصيل أقل كثافة في المدخلات.
بما أن استخدام الأسمدة يرتبط ارتباطًا غير خطي “غير مباشر” بالمحصول، فإن حتى التخفيضات الطفيفة قد تؤدي إلى انخفاضات كبيرة وغير متناسبة بغلة المحاصيل، لا سيما في المناطق التي يكون فيها الاستخدام الأساسي للأسمدة منخفضًا بالفعل.
وفقًا لـ”الفاو”، فإن الاضطراب لو استمر ثلاثة أشهر أو أكثر، فإن المخاطر تتصاعد بشكل كبير، مما يؤثر على قرارات الزراعة العالمية لعام 2026 وما بعده، وانخفاض بغلة المحاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة مثل القمح والأرز والذرة، واستبدال المحاصيل بمحاصيل مثبتة للنيتروجين مثل فول الصويا، وزيادة المنافسة من إنتاج الوقود الحيوي مع ارتفاع أسعار النفط الذي يحفز الطلب على المواد الأولية الزراعية.
وقت حرج للمحاصيل الأساسية.. واردات القمح لمصر
تختلف آثار الأزمة باختلاف دورات المحاصيل والاعتماد على الواردات، وتشمل البلدان الأكثر عرضة للخطر حاليًاـ بحسب تقارير الفاوـ سريلانكا، وبنجلاديش التي تمران بموسم حصاد أرز، والهند، التي تواجه انخفاضًا في إنتاج الأسمدة المحلي قبل موسم الخريف، ومُصر المعرضة بشدة للخطر؛ بسبب اعتمادها على واردات القمح، والسودان الذي يعاني بالفعل من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
تتعرض الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والوقود والأسمدة بشكل خاص لصدمات الأسعار العالمية، ففي أجزاء من إفريقيا جنوب الصحراء، يواجه المزارعون الذين يدخلون موسم الزراعة خطر عدم قدرتهم على معالجة محاصيلهم، مما يؤدي إلى انخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأشهر المقبلة، وحتى الزيادات الطفيفة في التكاليف قد تدفع الأسر الهشة إلى أزمة.
تُفاقم هذه الضغوط أزمة الغذاء العالمية الأوسع نطاقًا، حيث تتضافر الصراعات والظواهر المناخية المتطرفة والصدمات الاقتصادية لدفع الجوع إلى مستويات قياسية، وإذا استمر التصعيد، وبقيت أسعار الوقود مرتفعة، فقد تكون عواقب الجوع العالمي وخيمة.
تشير تحليلات برنامج الأغذية العالمي، إلى أن 45 مليون شخص إضافي قد يُدفعون إلى براثن الجوع الحاد؛ بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود واضطرابات سلاسل الإمداد، ما سيرفع العدد الإجمالي العالمي إلى رقم قياسي يبلغ 363 مليون شخص.
في الوقت نفسه، تُلقي التكاليف التشغيلية المتزايدة والتمويل المنخفض للغاية بعبء إضافي على الاستجابات الإنسانية، وقد ارتفعت تكاليف الشحن لبرنامج الأغذية العالمي بشكل حاد.
جان مارتن باور، مدير قسم الأمن الغذائي وتحليل التغذية في برنامج الأغذية العالمي، يقول إن الرسوم الإضافية الطارئة نتيجةً لهذا الوضع تتراوح بين 2000 و4000 دولار أمريكي لكل حاوية.
يعني ذلك انخفاض كمية الغذاء التي يمكن شراؤها وتوصيلها بالموارد المتاحة، وبدون ضمانات وصول مضمونة، وبنية تحتية محمية، وتمويل عاجل، فإن المكاسب الأخيرة التي تحققت بمكافحة الجوع ببعض أكثر المناطق هشاشة بالعالم قد تتلاشى سريعًا.
ميلاكو ييرجا، نائب رئيس منظمة ميرسي كوربس لإفريقيا، يقول إن أسعار الوقود حينما ترتفع، تزداد تكلفة نقل الغذاء والمياه والإمدادات الإنسانية إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا.
المنتجون يوقفون التصدير
قيدت روسيا صادراتها من الأسمدة مؤقًتا لحماية مزارعيها، في خطوة تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أسواق الأسمدة العالمية، بينما قال أندريه جورييف، رئيس رابطة بقطاع الأسمدة الروسي، إن روسيا لا تملك أي طاقة إنتاجية فائضة
روسيا تهيمن على ما يصل إلى 40% من التجارة العالمية في نترات الأمونيوم، وتواصل روسيا شحن الأسمدة إلى شريكتيها بمجموعة بريكس، الهند والبرازيل، إضافة إلى اقتصادات ناشئة أخرى، تشمل عدداً من الدول الإفريقية، رغم قرار التعليق.
أظهرت الإحصاءات الرسمية، أن روسيا زادت إنتاجها من الأسمدة 4% إلى 5.5 ملايين طن في فبراير، قبل أن تضرب طائرات مسيرة أوكرانية منشأة شركة “أكرون” في دوروجوبوز بغرب روسيا، التي تنتج حوالي 5% من الأسمدة الروسية.
قبل القرار الروسي، شددت الصين قيودها على صادرات الأسمدة، وطالبت المُصدّرين بوقف الشحنات النيتروجينية والبوتاسية، واستمرار القيود على تصدير اليوريا، مع استثناء وحيد لكبريتات الأمونيوم، التي شكّلت نحو نصف شحنات الأسمدة الصينية العام الماضي، ولم تتأثر حتى الآن.
فرضت الصين قيودًا على صادرات اليوريا لعدة سنوات عبر نظام حصص سنوية، وحثت مجموعات صناعة الأسمدة الشركات على وقف شحنات الفوسفات حتى أغسطس لضمان الإمدادات، ومع ذلك، خففت البلاد القيود العام الماضي، وبدأ المصدرون تصدير بعض المنتجات المركبة، إلا أن التجارة معلقة الآن لتعطي الأولوية لإمدادات المزارعين المحليين.
كما قررت السلطات الإفراج عن المخزونات التجارية لبعض الأسمدة في وقت مبكر من هذا العام لضمان الزراعة الربيعية، حسب الجمعية الصينية لوسائل الإنتاج الزراعي.
فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، يقول إن الوضع الحالي مشابه لما حدث في فبراير 2022 (الحرب الروسية الأوكرانية)، مضيفًا أن أسعار الأسمدة النيتروجينية بالسوق العالمية، تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته ببداية النزاع الروسي الأوكراني.
وأوضح أن أسعار الغاز تتحكم بنحو 80 و90% من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين، وارتفاع أسعار الغاز الكبير غربي أوروبا خلال النزاع الروسي الأوكراني؛ تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات بالمنطقة.
تؤكد الدراسات، أن الهكتار الواحد (2.47 فدان) من الأراضي الزراعية ينتج حاليًا محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48% من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية.
على المدى القريب، من الضروري إنشاء ممرات تجارية بديلة، وتقديم دعم مالي طارئ للدول التي تعتمد على الاستيراد، وضمان حصول المزارعين على التمويل اللازم، وعلى المدى المتوسط، تحتاج الدول إلى تنويع مصادر استيراد الأسمدة، وتعزيز الاحتياطيات الإقليمية، وتجنب القيود على الصادرات.
على المدى البعيد، توصي منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” بالاستثمار في الزراعة المستدامة ذات المدخلات الفعالة، وتوسيع نطاق استخدام تقنيات الأسمدة البديلة مثل الأمونيا الخضراء، والتعامل مع النظم الغذائية كبنية تحتية استراتيجية.
ما موقف مصر؟
بحسب وكالة “فيتش سوليوشنز”، فإن ارتفاع قيمة صادرات مصر من الأسمدة؛ بسبب زيادة أسعارها عالميًا، سيعوض الاضطراب الذي قد يحدث في صادرات بعض القطاعات الأخرى، خاصة أن تقرير حديث للفاو يقول، إن أسعار اليوريا المصرية ارتفعت بنسبة 28%.
جاءت مجموعة الأسمدة في المرتبة الثانية بين قائمة المجموعات السلعية التي ارتفعت قيمة صادراتها خلال الربع الثالث 2025، لتسجل 630.8 مليون دولار مقارنًة بنحو 476.0 مليون دولار خلال الربع الثالث من عام 2024، بزيادة قدرها 154.8 مليون دولار.
يأتي ذلك بينما تدور تخوفات حول إمكانية رفع أسعار الاسمدة بمصر، إذ كشفت مصادر لـ”العربية”، أن تحديد أسعار الغاز لمصانع الأسمدة بمصر سيكون وفق معادلة مرنة، تربط بين أسعار الغاز للمصانع والزيادة في أسعار الغاز عالميًا، مضيفة أن تسعير الغاز لمصانع الأسمدة يربط بشكل ديناميكي بين أسعار الأسمدة عالمياً وبين أسعار الغاز للمصانع، بحيث كلما ارتفعت أسعار التصدير، يتم رفع أسعار الغاز ضمن معادلة الربط.
بحسب المصادر، فإن بعض شركات الأسمدة تمتلك مخزوناً من الغاز يضمن لها استقرار الإنتاج على المدى القصير، لكنه لا يلغي الموجة السعرية القادمة في السوق، مؤكدة أن رفع أسعار الأسمدة في السوق المحلية سيكون تدريجياً، بما يضمن عدم التأثير على قدرة الفلاحين على الاستمرار في الإنتاج الزراعي.
لا تعتقد الحكومة أن رفع كميات التصدير من الأسمدة يحمل تأثيرًا على السوق المحلي، إذ تنتج مصر نحو 17.9 مليون طن أسمدة سنوياً، وتُورد 220 ألف طن مدعمة شهرياً لوزارة الزراعة
الحكومة تؤكد أيضًا وجود مخزون استراتيجي من السلع، خاصة القمح مشددة على تعزيز المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية، لضمان استقرار الإمدادات الغذائية رغم التحديات الإقليمية، بينما أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أن الدولة نجحت في بناء منظومة متطورة لتخزين الحبوب، تعتمد أحدث التكنولوجيات العالمية، ما يحافظ على جودة القمح ويقلل الفاقد، ويضمن تأمين احتياجات الدولة لفترات طويلة.
كما شدد على أن التوسع في إنشاء الصوامع الحديثة وتطوير سلاسل إمداد الحبوب يمثل أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية الأمن الغذائي، لضمان استقرار السلع الأساسية والأسواق رغم التحديات الدولية والجيو سياسية.
ووفق وزارة التموين، فإن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية آمن، ويكفي لفترات طويلة، مع استمرار تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز القدرات التخزينية واللوجستية لضمان استقرار الأسواق وتوافر السلع في مختلف المحافظات.
وتستهدف رفع كميات توريد القمح من المزارعين خلال الموسم الحالي لتصل إلى نحو 5 ملايين طن، بعد أن وصل في الموسم الماضي إلى 3.8 ملايين طن، بجانب زيادة حصيلة إنتاج القمح المحلي بنحو 10 ملايين طن لأول مرة الموسم المقبل، وذلك ضمن خطة لتقليص الواردات.
نادر نور الدين: لا توجد أزمة غذاء عالمية
د. نادر نور الدين، خبير الزراعة والري، يقول إنه ليست هناك أزمة غذاء عالمية فالغذاء متوفر وزائد، ولكن هناك أزمة ارتفاع أسعار الوقود والغاز والطاقة، والتي تمثل ٣٠٪ من تكاليف إنتاج الغذاء شاملة أسعار الأسمدة والمبيدات، وكذا ارتفاع تكاليف الشحن البحرى.
أضاف أن دول الحرب في الخليج ليست من الدول المصدرة للغذاء، بل من الدول المستوردة له بخلاف سابق الوضع في حرب روسيا وأوكرانيا والتي تصدر ٣٤٪ من غذاء العالم، وبذلك لم ترتفع أسعار الغذاء عالمًيا حتى الآن، ولو ارتفعت ستكون بنسب قليلة طبقا لمشاركة الطاقة في انتاج الغذاء، ولكنها سترتفع داخليًا؛ بسبب ارتفاع أسعار الوقود أو انخفاض اسعار العملة ضارًبا المثل بالقمح المخصص للتجارة هذا العام الذي يبلغ ٤٤٢ مليون طن، بينما احتياجات العالم للتجارة ٤٢٥ مليون طن.