دراسات

الرابحون والخاسرون.. ماذا تغير بعد 30 يومًا من الحرب؟

post-img

د. نورهان العباسي (مركز رع للدراسات الاستراتيجية)

بعد مرور شهر كامل على اندلاع الحرب الإيرانية، لم يعد المشهد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية يمكن قياسها بعدد الصواريخ أو حجم العمليات الميدانية، بل تحول إلى أزمة شاملة متعددة الأبعاد، امتدت تأثيراتها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والسياسات الدولية، بل وحتى إلى المزاج العام للرأي العام العالمي. فالحروب في عصرنا الراهن لم تعد تُدار بالسلاح وحده، بل تُدار أيضًا بالأرقام، وبالأسواق، وبالقدرة على إدارة التداعيات الاقتصادية والسياسية طويلة المدى.

تشير التقديرات الدولية إلى أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تأثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة تعطل أو تهديد المرور في مضيق هرمز، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار الطاقة التي قفزت إلى ما يتراوح بين 110 و120 دولارًا للبرميل خلال أسابيع قليلة فقط من اندلاع المواجهات. ولم يكن هذا الارتفاع مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل كان رسالة واضحة بأن أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي بأكمله.

هذا الواقع خلق معادلة شديدة التعقيد؛ فالحرب، كما تُظهر التجارب التاريخية، لا تنتج خاسرين فقط، بل تخلق أيضًا رابحين، بعضهم يحقق مكاسب مباشرة، وآخرون يحققون أرباحًا غير مباشرة عبر إعادة ترتيب موازين القوى أو استغلال الفرص الاقتصادية الناتجة عن الأزمات. وفي المقابل، هناك أطراف تتحمل تكاليف اقتصادية وسياسية واجتماعية باهظة، سواء على مستوى الدول أو على مستوى المواطنين العاديين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ومن هنا، يصبح من الضروري قراءة المشهد قراءة متوازنة، لا تكتفي برصد المعارك العسكرية، بل تسعى إلى تحليل خريطة المكاسب والخسائر التي تشكلت خلال الشهر الأول من الحرب، وتحديد من استفاد من استمرارها، ومن دفع الثمن الأكبر لتداعياتها، وكيف يمكن أن تتطور هذه المعادلة إذا استمر الصراع لفترة أطول.

الرابحون من الحرب:

إسرائيل.. مكاسب استراتيجية وسط تحديات ملموسة: تُعد إسرائيل من الرابحين الاستراتيجيين جزئيًا في سياق الحرب الإيرانية، إذ مكنتها التطورات العسكرية من تعزيز موقعها كقوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها ومراقبة النفوذ الإيراني في المنطقة. فقد أدى انشغال طهران في مواجهة عسكرية واسعة إلى تخفيف الضغط على الجبهات الأخرى، لا سيما الجبهة الفلسطينية والساحة السورية، وهو ما منح تل أبيب هامشًا أوسع للمناورة العسكرية والسياسية.

كما استفادت إسرائيل من الدعم الاستخباراتي والتقني الذي قدمته القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، وهو دعم انعكس في تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية على حد سواء. غير أن هذه المكاسب لم تكن مجانية، إذ تكبدت إسرائيل خسائر بشرية ومادية نتيجة الصواريخ الإيرانية والعمليات العسكرية المرتدة، فضلاً عن ارتفاع النفقات الدفاعية بشكل ملحوظ.

وتشير تقديرات أولية إلى أن إسرائيل تنفق شهريًا على تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي ما يقارب 1 إلى 1.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم العبء المالي الذي تتحمله الدولة في مقابل الحفاظ على تفوقها العسكري. وبالتالي، يمكن القول إن مكاسب إسرائيل الاستراتيجية جاءت مصحوبة بتكلفة اقتصادية وأمنية ملموسة، ما يجعلها رابحًا مشروطًا باستمرار قدرتها على إدارة هذا التوازن الدقيق بين الأمن والاقتصاد.

شركات السلاح.. أرباح قياسية على وقع القتال: تتصدر شركات الصناعات الدفاعية قائمة الرابحين من الحرب، إذ أدى ارتفاع الطلب العالمي على الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي إلى توقيع عقود جديدة بمليارات الدولارات خلال فترة زمنية قصيرة. فالحروب الحديثة تخلق دائمًا سوقًا متنامية للسلاح، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية المباشرة، بل أيضًا نتيجة سعي الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية تحسبًا لأي تهديدات مستقبلية.

وتشير تقديرات أولية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية خلال الشهر الأول من الحرب وصلت إلى ما يتراوح بين 30 و40 مليار دولار، وهو ما يعني تدفقات مالية ضخمة نحو الشركات المنتجة للسلاح والتكنولوجيا العسكرية. ومع استمرار استنزاف المخزون العسكري في مختلف الدول، تصبح الحاجة إلى إعادة التسليح ضرورة استراتيجية، ما يضمن استمرار الطلب على منتجات هذه الشركات لفترة طويلة.

ولا تقتصر هذه المكاسب على الشركات الأمريكية فقط، بل تمتد إلى شركات أوروبية وآسيوية متخصصة في الصناعات الدفاعية، وهو ما يعكس حقيقة أن المجمع الصناعي العسكري أصبح أحد أبرز المستفيدين من استمرار النزاعات المسلحة في العالم.

روسيا.. مستفيد استراتيجي من أزمة الطاقة والسياسة: نجحت روسيا في استثمار الحرب الإيرانية بشكل غير مباشر، إذ أدى انشغال القوى الغربية بالتطورات في الشرق الأوسط إلى تخفيف الضغط السياسي والعسكري على موسكو في ملفات دولية متعددة. كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب انعكس إيجابيًا على عائدات صادرات الطاقة الروسية، وهو ما منح الاقتصاد الروسي دفعة مالية مهمة في ظل استمرار العقوبات الغربية.

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن روسيا حققت زيادة تتراوح بين 15 و20% في الإيرادات الشهرية للطاقة منذ بداية الحرب، وهو ما يعزز قدرتها على تمويل برامجها الاقتصادية والعسكرية. كما أن التوتر الدولي منح موسكو فرصة أكبر للتفاوض على صفقات تجارية واستراتيجية مع دول آسيوية، خاصة الصين والهند، بعيدًا عن الضغوط الغربية. وبذلك، يمكن القول إن روسيا استطاعت تحويل الأزمة إلى فرصة استراتيجية، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة ومن إعادة ترتيب أولويات القوى الدولية.

الصين.. الرابح الهادئ على الساحة الاقتصادية: تبنت الصين موقف المراقب المستفيد من تطورات الحرب، حيث حرصت على تجنب الانخراط العسكري المباشر، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الاضطرابات في الأسواق العالمية لتعزيز نفوذها الاقتصادي. فارتفاع أسعار الطاقة منح بكين فرصة لتأمين صفقات نفط وغاز طويلة الأجل بأسعار تفضيلية، مستفيدة من حاجة بعض الدول إلى بيع مواردها بسرعة.

كما أن تراجع الاستقرار في الأسواق الغربية أتاح للصين توسيع علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع عدد من الدول في آسيا وأفريقيا، وهو ما يعزز موقعها كقوة اقتصادية رئيسية في النظام الدولي. وبذلك، يمكن وصف الصين بأنها الرابح الهادئ الذي يحقق مكاسب استراتيجية دون أن يتحمل تكاليف عسكرية مباشرة.

أسواق الطاقة والمجمع الصناعي العسكري: شهدت أسواق الطاقة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح شركات الطاقة العالمية. فقد تضاعفت الأسعار تقريبًا مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع توقعات بوصولها إلى ما يتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل في حال استمرار التصعيد العسكري.

ولم تقتصر المكاسب على قطاع الطاقة التقليدي، بل امتدت إلى المجمع الصناعي العسكري بكامله، بما في ذلك شركات الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع السيبراني والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. فالحرب الحالية أظهرت أهمية هذه التقنيات في مواجهة التهديدات غير التقليدية، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب عليها بصورة غير مسبوقة.

الخاسرون من الحرب:

المواطن الأمريكي.. فاتورة اقتصادية باهظة: على الرغم من بعده الجغرافي عن ساحات القتال، بدأ المواطن الأمريكي دفع ثمن الحرب سريعًا، حيث ارتفعت أسعار البنزين إلى نحو 3.98 دولار للجالون خلال الشهر الأول من الصراع، وهو ما انعكس على تكاليف النقل والمعيشة اليومية.

كما أظهرت استطلاعات الرأي انخفاض ثقة المستهلك بنسبة تقارب 6% خلال الفترة نفسها، وسط توقعات بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية. ويزداد القلق في الولايات المتحدة من احتمال توسع المشاركة العسكرية، إذ يعني ذلك زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الأعباء الضريبية على المواطنين.

وبذلك، يصبح المواطن الأمريكي أحد أبرز الخاسرين غير المباشرين من الحرب، رغم عدم مشاركته الفعلية في القتال.

الدول الأوروبية.. أزمة مزدوجة بين الطاقة والأمن: تواجه الدول الأوروبية تحديًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الإنفاق الدفاعي في الوقت نفسه. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة تكلفة الإنتاج الصناعي والنقل، وهو ما انعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي.

كما أن استمرار الحرب يفرض على الدول الأوروبية تعزيز جاهزيتها العسكرية، ما يؤدي إلى زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب برامج التنمية الاجتماعية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن بعض الدول الأوروبية قد تواجه خطر الركود الجزئي إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

 إيران.. خسائر في القيادات والبنية الاقتصادية: رغم قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية، تكبدت إيران خسائر نوعية على مستوى القيادات العسكرية والبنية التحتية الحيوية، وهو ما يؤثر على قدرتها العملياتية على المدى الطويل.

كما أن استمرار الحرب يفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد نتيجة العقوبات الدولية، ويزيد من الضغوط الاجتماعية على الحكومة. وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني قد ينخفض بنسبة تتراوح بين 3 و5% خلال العام الجاري إذا استمرت المواجهات العسكرية.

 الاقتصاد العالمي.. اضطراب واستنزاف: أدت الحرب إلى إعادة حالة عدم الاستقرار إلى الأسواق العالمية، حيث فقد العالم ما يصل إلى 10 إلى 11 مليون برميل يوميًا من الإمدادات النفطية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين 30 و40% نتيجة زيادة تكلفة النقل والأسمدة.

كما أدت هذه الاضطرابات إلى تراجع الثقة في الأسواق الناشئة وزيادة الاستثمار في الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، وهو ما يبطئ النمو الاقتصادي العالمي ويزيد من حالة عدم اليقين.

الدول غير المنخرطة والرأي العام العالمي: تأثرت الدول التي لم تشارك مباشرة في الصراع تأثرت بتداعياته الاقتصادية والسياسية، حيث شهدت سلاسل الإمداد اضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن البحري، الذي يمثل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية.

وعلى المستوى المجتمعي، يزداد القلق العالمي من احتمال توسع رقعة الصراع، وهو ما ينعكس على الأسواق المالية والسياسات العامة في مختلف الدول، ويزيد من الضغط على صانعي القرار لاتخاذ إجراءات عاجلة للحد من تداعيات الأزمة.

في النهائية، يتضح أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بنتائج المعارك العسكرية وحدها، بل بقدرتها على إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية على مستوى العالم. فشركات السلاح والطاقة، إلى جانب القوى الكبرى مثل روسيا والصين، استطاعت تحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية من استمرار الصراع، بينما يتحمل المواطن العادي والاقتصادات الوطنية العبء الأكبر لتداعياته.

إن ما يحدث بعد شهر واحد فقط من اندلاع الحرب الإيرانية يكشف بوضوح أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراعات المركبة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وتصبح الأسواق المالية جزءًا من ساحة المعركة، تمامًا كما هي الجبهات العسكرية.

ومع غياب أي مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الصراع، تظل السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة، قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، وتعيد رسم خريطة القوة العالمية، ليس فقط على مستوى الدول، بل على مستوى الاقتصاد العالمي بأكمله. فالحرب، في النهاية، لا تخلق منتصرين دائمين، بل تفرض واقعًا جديدًا يدفع الجميع إلى إعادة حساباتهم، ويجبر العالم على التكيف مع معادلة جديدة عنوانها: الأرباح والخسائر لا تُقاس بالسلاح وحده، بل بقدرة الدول على إدارة تداعيات الصراع واستثمار نتائجه

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.