بسام عباس (رؤية الأخبارية)
تأتي محاولات تجنيد الأفارقة للقتال في أوكرانيا ضمن الحرب التي تقودها روسيا، حيث تتحول وعود الوظائف إلى فخ قاتل يدفع الشباب الإفريقي إلى جبهات القتال، وكشف تقرير نيويورك تايمز أن آلاف الشباب يُستدرجون عبر إعلانات مضللة، في ظل بطالة مرتفعة، ليجدوا أنفسهم فجأة في قلب الحرب الأوكرانية.
في هذا السياق، يعكس انتشار عمليات تجنيد الأفارقة للقتال في أوكرانيا حجم الاستغلال المرتبط بالحرب الأوكرانية، إذ تتحول الأحلام البسيطة بالعمل إلى كابوس دموي، وتشير الوقائع إلى أن هذه الظاهرة ليست فردية، بل شبكة واسعة من الوسطاء والشركات الوهمية التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة في القارة.
فخ الوظائف الوهمية
أوضحت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، في تقرير نشرته الثلاثاء 5 مايو 2026، أن عملية التجنيد الروسية تبدأ غالبًا بإعلانات مغرية عن وظائف مدنية في روسيا، مثل العمل في المتاجر أو الحراسة، لكن الحقيقة تكون مختلفة تمامًا، مستشهدةً بقصة الكيني جيمس كاماو ندونجو، الذي غادر بلاده بحثًا عن عمل، قبل أن يظهر لاحقًا مرتديًا الزي العسكري في أوكرانيا، ثم ينقطع خبره تمامًا.
وأضافت أن غالبية الضحايا لم يكونوا على علم بأنهم سيلتحقون بالجيش الروسي، بل يتم إجبارهم على توقيع عقود باللغة الروسية لا يفهمونها، وهذا النمط يعكس منظومة خداع منظمة تستغل حاجة الشباب للعمل، خاصة في الدول الإفريقية التي تعاني من بطالة مرتفعة.
منطقة الموت
نقلت الصحيفة الأمريكية عن فينسنت أوديامبو أويتي شهادته الصادمة عن تجربته، حيث قال: “اعتقدنا أنها فرصة رائعة، لأنني لم يكن لدي أي شيء آخر أفعله”، قبل أن يجد نفسه في ساحة المعركة. وأضاف أنه أُجبر على توقيع عقد عسكري بعد وصوله، بسبب عدم قدرته على سداد تكاليف السفر.
ووصف أويتي ما سماه الجنود بـ”منطقة الموت”، قائلاً: “كانت الجثث تطفو على النهر مثل زهور اللوتس”، في مشهد يعكس قسوة المعارك. كما أشار إلى أنه أُجبر على القتال في ظروف قاسية، وأنه تعرض للضرب من جنود روس، ما يعكس طبيعة الانتهاكات التي يتعرض لها المجندون.
استغلال الفقر والبطالة
يرى محللون أن تجنيد الأفارقة للقتال في أوكرانيا يرتبط بشكل مباشر بالأوضاع الاقتصادية في القارة، فقد قال السيناتور الكيني أوكويتي أندرو أومتاتاه: “لو رست سفينة عبيد اليوم في مومباسا، فلن يكون هناك مكان كافٍ عليها”، في إشارة إلى حجم اليأس لدى الشباب.
من جهته، أكد السفير الأوكراني لدى جنوب أفريقيا ألكسندر شيربا، أن روسيا تستغل حاجة الأفارقة للعمل، قائلاً: “أنا مندهش من مدى الخبث والقسوة” في استغلال هؤلاء الشباب. في المقابل، نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف علمه بهذه الحالات، ما يعكس تضارب الروايات.
شبكات التجنيد السرية
تعتمد عمليات تجنيد الأفارقة على شبكات غير رسمية، تشمل وسطاء وشركات سفر وهمية، وتنتشر هذه الإعلانات عبر تطبيقات مثل واتساب وتيليجرام، وتَعِد برواتب تصل إلى 3000 دولار شهريًا، إضافة إلى الجنسية الروسية.
وكشف تقرير نيويورك تايمز أن بعض الوسطاء يحصلون على عمولات مالية مقابل كل شخص يتم تجنيده، ما يحول العملية إلى تجارة مربحة، كما أظهرت حالات من نيجيريا وتنزانيا وبوتسوانا أن العلاقات الشخصية تلعب دورًا كبيرًا في تسهيل هذه العمليات، ما يزيد من صعوبة تتبعها.
خسائر بشرية متزايدة
تأتي هذه الظاهرة في ظل خسائر كبيرة في صفوف الجيش الروسي، حيث تشير التقديرات إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى شهريًّا، وهو ما يدفع موسكو للبحث عن مصادر جديدة للمقاتلين، بما في ذلك الأجانب.
وأوضحت الصحيفة أن العديد من هؤلاء الشباب يعودون إلى بلدانهم مصابين أو يعانون من صدمات نفسية، إن عادوا أصلًا. ويختصر أويتي التجربة بقوله: “لقد قاتلت من أجل روسيا، لكن هذه المعركة لم تكن معركتي”، في شهادة تلخص مأساة تجنيد الأفارقة للقتال لصالح روسيا في أوكرانيا.