د. بسام أبو عبدالله (The Cradle عربي)
أعادت التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشبكة أن بي سي من أنه يود أن يرى هجوماً أكثر دقة على حزب الله، مضيفاً أن الشرع سيرغب في المساعدة في التوصل الى اتفاق بشأن الصراع في لبنان. فتح نقاش قديم يتجدد كلما دخل المشرق العربي مرحلة تحولات كبرى: هل يمكن أن تعود سوريا للعب دور أمني أو عسكري مباشر في لبنان كما فعلت عام 1976؟ وهل يمكن مقارنة موقع رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع اليوم بموقع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عندما قرر إرسال الجيش السوري إلى لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية؟
صحيح أن ترامب لم يفصح عما قصده بالمساعدة المطلوبة من قبل الشرع، وهل هي ضبط الحدود المشتركة، وقطع طرق التهريب، أم هي محاولة أمريكية
للضغط على حزب الله، وما زاد الشكوك ليس فقط تصريحات ترامب ، بل أيضا موفده الشخصي توم براك الذي كان قد قال في تموز الماضي في تصريحات لذا ناشيونال من أن لبنان سيواجه خطرا" وجوديا" اذا فشلت الدولة اللبنانية في معالجة ملف السلاح، وسيعود لبنان الى بلاد الشام من جديد حسب قوله .
وفي شهر آذار الماضي نقلت وكالة رويترز عن خمسة مصادر مطلعة حسب تقريرها أن الولايات المتحدة شجعت سورية على النظر في إرسال قوات الى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله .
لكن ردود الفعل من السلطة المؤقتة في دمشق كانت عامة ومواربة ففي شهر أب من العام الماضي قال أحمد الشرع أن سورية كان يمكن أن ترد على حزب الله، بعد ما فعلوه في سورية طوال ١٤ عاما ، لكنها أثرت عدم الذهاب في هذا الاتجاه ، وفي شهر آذار من العام الحالي أعلن دعمه للرئيس اللبناني جوزيف عون في مسألة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ، ليتبع ذلك في شهر أيار زيارة قام بها نواف سلام الى دمشق التقى فيها بالشرع، وأكد بعدها على أهمية التنسيق بين المؤسسات العسكرية و الأمنية في البلدين .
لكن إعلان وزارة الداخلية السورية بين الفينة و الأخرى عن ضبط خلايا تابعة لحزب الله ، ونفي الحزب الدائم لذلك كان مؤشراً على أن السلطة المؤقتة في دمشق تريد أن تؤكد لواشنطن أنها جاهزة ، ومستعدة لأي دور في هذا المجال مقابل دعم بقائها في الحكم ، وهو ما جعل مراقبين يقولون ان كلام ترامب دليل على وجود اتفاق فعلي ، أو التزام قدمه الشرع لواشنطن بالاستعداد لمثل هذه المهمة .
الحقيقة أن مناقشة هذا الملف تكتسب أهمية خاصة اليوم في ضوء ما تردد أيضا "عن وجود رغبة أميركية في أن تلعب دمشق دوراً أكبر في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد سقوط نظام الأسد، غير أن المقارنة بين الظروف التي سمحت لسوريا بالتدخل في لبنان عام 1976، والمرحلة الحالية لم تعد قائمة اليوم، وأن الحديث عن دور سوري مشابه يتجاهل التحولات العميقة التي أصابت الدولة السورية نفسها، كما يتجاهل اختلاف البيئة اللبنانية والإقليمية والدولية بصورة جذرية.
فعندما قرر حافظ الأسد التدخل في لبنان عام 1976 كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد وصلت إلى مرحلة تهدد بانهيار الدولة اللبنانية بالكامل، كما أن ذلك التدخل لم يكن مجرد قرار عسكري سوري منفرد، بل جاء ضمن شبكة معقدة من التفاهمات الإقليمية والدولية. فقد جرى بناء على طلب الرئيس اللبناني الشرعي سليمان فرنجية، وبدعم من قوى مسيحية لبنانية نافذة كانت ترى أن موازين القوى العسكرية تتجه بصورة تهدد وجودها السياسي والعسكري.
كما تشير الأدبيات الغربية والعربية إلى وجود تفاهمات غير معلنة بين الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا سمحت لسوريا بلعب دور "قوة الضبط" داخل لبنان، خشية انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة قد تهدد استقرار المشرق كله.
لاحقاً، حصل التدخل السوري على غطاء عربي من خلال قوات الردع العربية التي أقرتها جامعة الدول العربية، ما وفر شرعية سياسية إقليمية إضافية للوجود السوري.
الأهم من ذلك أن سوريا عام 1976 كانت دولة متماسكة تمتلك جيشاً نظامياً محترفاً يعد من أكبر الجيوش العربية وأكثرها تنظيماً، كما كان حافظ الأسد رئيساً معترفاً به داخلياً وخارجياً، يقود مؤسسات دولة مستقرة، ويستند إلى شرعية سياسية عززتها حرب تشرين 1973، التي قدمته عربياً بوصفه أحد قادة المواجهة مع إسرائيل.
وكان الأسد ينظر إلى لبنان من زاوية الأمن القومي السوري، باعتبار أن انهيار الدولة اللبنانية أو وقوعها بالكامل تحت نفوذ قوى معادية لدمشق يمثل تهديداً مباشراً لسوريا نفسها.
ومن المفارقات التاريخية المهمة أن التدخل السوري لم يحظَ بتأييد كامل من الاتحاد السوفييتي، الحليف الرئيسي لدمشق آنذاك ، ففي حين كانت موسكو أقرب سياسياً إلى الحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية، جاء التدخل السوري في بداياته ضد تقدم هذه القوى. وقد أبدى السوفييت انزعاجاً واضحاً من القرار السوري، لكن الأسد مضى فيه رغم ذلك، انطلاقاً من حساباته الخاصة المتعلقة بالأمن القومي السوري والتوازنات الإقليمية.
وكانت قدرة الأسد على اتخاذ قرار بهذا الحجم مرتبطة بامتلاكه عناصر القوة اللازمة: دولة مستقرة، مؤسسات راسخة، جيش نظامي، غطاء عربي واسع، وعلاقات قوية مع عدد من الدول الخليجية التي رأت في التدخل السوري وسيلة لمنع انهيار لبنان وانتقال الفوضى إلى المنطقة.
الآن لماذا تختلف حالة رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع عن تلك المرحلة تماماً؟
هنا تبدأ الفروق الجوهرية ، فرئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع لا يتحرك من موقع رئيس دولة مستقرة ومكتملة المؤسسات، بل من موقع سلطة انتقالية ما زالت تبحث عن شرعيتها الداخلية وتعمل على تثبيت نفوذها داخل بلد أنهكته الحرب والانقسامات ، وعلى خلاف سوريا عام 1976، لا يوجد اليوم إجماع وطني سوري حول طبيعة النظام السياسي الجديد أو شكل الدولة القادمة، كما لا توجد مؤسسات تشريعية منتخبة أو مؤسسات تمثيلية جامعة تمنح السلطة الحالية شرعية سياسية راسخة ومستقرة ، فالدعم الخارجي، سواء جاء من الولايات المتحدة أو تركيا أو قطر أو غيرها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الشرعية الوطنية الداخلية، والتاريخ السياسي يعلمنا أن الدول لا تستقر بالاعتراف الخارجي وحده، بل بقدرتها على بناء عقد اجتماعي يحظى بقبول غالبية مواطنيها.
من هذه الزاوية، يواجه رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع تحديات داخلية هائلة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة دمج المجتمع السوري، ومعالجة آثار الحرب الطويلة، قبل التفكير في أدوار إقليمية تتجاوز حدود سوريا.
كما أن سوريا اليوم لا تواجه مجرد أزمة بنى تحتية أو اقتصاد مدمر، بل أزمة مجتمع ودولة في آن واحد ، فملايين السوريين يعيشون على حافة الفقر أو تحت خط الفقر، فيما تعاني البلاد من أزمات خدمية واقتصادية وأمنية عميقة. كما أن الانقسامات الاجتماعية والسياسية والطائفية التي خلفتها سنوات الحرب ما زالت حاضرة بقوة، ومن هنا تبدو المهمة الأكثر إلحاحاً أمام السلطة الحالية هي إعادة بناء الداخل السوري، لا الانخراط في مغامرات إقليمية جديدة.
فالقيادة التي لم تنجح بعد في إقناع مواطنيها جميعاً بمشروعها الوطني، ولم تستكمل بناء مؤسساتها التمثيلية والتشريعية، تجد نفسها أمام استحقاقات داخلية تفوق بأهميتها أي دور خارجي محتمل.
الجيش السوري الجديد: معضلة البنية والعقيدة
لا تقل طبيعة المؤسسة العسكرية أهمية عن مسألة الشرعية السياسية ، فالجيش السوري الذي دخل لبنان عام 1976 كان جيشاً نظامياً محترفاً يمتلك عقيدة عسكرية تقليدية وهيكل قيادة مستقراً ، أما التشكيلات العسكرية التي تشكل العمود الفقري للسلطة الحالية فهي نتاج سنوات طويلة من الحرب السورية، وتضم فصائل ذات خلفيات إسلاموية وجهادية سابقة، بعضها ارتبط خلال مراحل مختلفة بتنظيمات مثل جبهة النصرة أو جماعات أخرى خرجت من البيئة الجهادية السورية ، كما أن عدداً من القيادات العسكرية والسياسية المرتبطة بهذه التشكيلات خضع خلال السنوات الماضية لعقوبات غربية وأوروبية، فضلاً عن استمرار الجدل حول وجود مقاتلين أجانب ضمن بعض البنى العسكرية والأمنية.
وبالإضافة إلى ذلك، أثارت أحداث الساحل السوري والسويداء اتهامات واسعة لوزارة الدفاع في السلطة المؤقتة بوقوع انتهاكات خطيرة بحق مدنيين، وهي اتهامات تناولتها جهات حقوقية محلية ودولية، وجرى تداول مواد مصورة مرتبطة بها على نطاق واسع ، وهو ما يعني أن هذه التشكيلات لم تتحول بعد إلى جيش وطني سوري جامع يحظى بإجماع السوريين وثقتهم، الأمر الذي يجعل الحديث عن إسناد أدوار إقليمية كبرى لها أمراً بالغ الصعوبة.
غياب الغطاء اللبناني والعربي
إذا كان تدخل عام 1976 قد جرى بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية وبدعم من قوى لبنانية نافذة، فإن المشهد اللبناني الحالي مختلف تماماً.
فلا توجد اليوم قوة لبنانية رئيسية تطالب بعودة النفوذ السوري إلى لبنان. بل إن غالبية القوى اللبنانية، مهما اختلفت مواقفها من حزب الله أو من الصراعات الإقليمية، تنظر إلى مرحلة الوصاية السورية باعتبارها تجربة لا ترغب في استعادتها ، كما لا يوجد غطاء عربي مشابه لذلك الذي توفر لسوريا في سبعينيات القرن الماضي، ولا توجد دولة عربية كبرى تدفع باتجاه عودة الدور العسكري السوري إلى لبنان.
العامل التركي والخشية من الانفجار الإقليمي
ثمة عامل إضافي لم يكن موجوداً عام 1976، وهو الحضور التركي المباشر في الملف السوري.
فأي خطوة سورية تجاه لبنان لا يمكن فصلها عن حسابات أنقرة، التي تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع حزب الله أو إيران قد تؤدي إلى إشعال سلسلة من ردود الفعل الإقليمية يصعب احتواؤها ، كما أن دخول قوات سورية إلى لبنان قد يفتح الباب أمام صراع مذهبي واسع يمتد من لبنان إلى سوريا والعراق وربما إلى أبعد من ذلك.
ماذا لو وقع اتفاق أميركي – إيراني؟
يبقى المتغير الأكثر أهمية في مستقبل المنطقة هو احتمال التوصل إلى تفاهم أميركي – إيراني جديد.
فإذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى اتفاق واسع، فإن بنية الصراع الإقليمي التي حكمت السنوات الماضية ستتغير بصورة جوهرية.
عندها ستتراجع أهمية كثير من المشاريع التي نشأت في سياق المواجهة بين الطرفين، كما ستتغير أولويات واشنطن في سوريا ولبنان والعراق ، وفي هذه الحالة، قد تنتقل الولايات المتحدة من استراتيجية احتواء إيران إلى استراتيجية إدارة التوازن معها، وهو ما سينعكس مباشرة على ملفات حزب الله والعراق وسوريا، ويجعل الأولوية للاستقرار وإدارة النفوذ لا للمواجهات المفتوحة.
إن المقارنة بين تدخل حافظ الأسد في لبنان عام 1976 وأي دور محتمل لرئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع اليوم تتجاهل حقيقة أساسية: الظروف التي صنعت ذلك التدخل لم تعد موجودة ، فالأسد تحرك آنذاك من موقع رئيس دولة مستقرة، تمتلك جيشاً نظامياً قوياً، وتحظى بغطاء لبناني وعربي ودولي، وتستند إلى رؤية واضحة للأمن القومي السوري، حتى عندما تعارضت تلك الرؤية مع موقف الاتحاد السوفييتي نفسه ، أما اليوم، فإن سوريا تواجه تحديات تتعلق بالشرعية وإعادة بناء الدولة وتوحيد المجتمع واستعادة الاقتصاد وإعادة إنتاج المؤسسات الوطنية الجامعة. كما أن البيئة اللبنانية والعربية والإقليمية ترفض فكرة عودة أي وصاية سورية على لبنان.
لهذا يبدو استبعاد سيناريو التدخل السوري في لبنان نابعاً من اعتبارات موضوعية تتعلق بموازين القوى والشرعية والقدرات الفعلية، أكثر مما هو مرتبط برغبات الأشخاص أو طموحاتهم السياسية ، ففي السياسة كما في الجغرافيا، ليست المشكلة في عبور الحدود، بل في القدرة على حمل الدولة معك وأنت تعبرها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع السلطة المؤقتة الجديدة في دمشق الدخول إلى لبنان؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: هل انتهت دمشق الجديدة أصلاً من الدخول إلى سوريا؟
وكما يقول المثل السياسي الساخر: "من لم ينجح في ترتيب غرفته، يصعب عليه إعادة ترتيب الحي بأكمله". وربما تختصر هذه العبارة حدود القوة وحسابات الجغرافيا في المشرق أكثر من آلاف الكلمات.