ميدل إيست نيوز
كشف انهيار الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران في ظل استمرار الأعمال العدائية عن فجوة هيكلية تتمثل في عدم قدرة واشنطن وطهران على إدارة التصعيد النووي بشكل موثوق من دون طرف ثالث. وعلى مدى أكثر من خمسة أشهر من الحرب، انتقلت الأهداف الأمريكية من تغيير النظام إلى إضعاف القدرات العسكرية ثم إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، إلا أن كل مرحلة اصطدمت بالموقف الاستراتيجي المتشدد لإيران. وفي هذا السياق، تمثل الوساطة الروسية مسارا محتملا للخروج من هذا المأزق، ليس لأن موسكو وسيط محايد، وإنما لامتلاكها قنوات وصول فريدة إلى دوائر صنع القرار النووي في إيران، فضلا عن سجل تاريخي من التعاون مع واشنطن في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية.
وتظل الثقة العقبة الرئيسية أمام أي تقدم. إذ ترى كل من العاصمتين أن مطالب الطرف الآخر متطرفة، فيما تواصل الضربات الصاروخية والعقوبات إغلاق قنوات الاتصال الدبلوماسية التقليدية. ويمكن للوساطة الروسية أن تؤدي دورا في سد هذه الفجوة، عبر ترجمة الخطوط الحمراء الإيرانية إلى صيغة تستطيع واشنطن تقييمها، ودفع الجانبين نحو نتيجة تقوم على آليات التحقق. إلا أن هذا الدور ليس تلقائيا ولا يخلو من التكاليف. فالعلاقات العسكرية والصناعية المتنامية بين موسكو وطهران تضعف مصداقيتها، حتى وإن كانت هذه العلاقات منفصلة عن دعم برنامج نووي عسكري إيراني. ويبقى السؤال هو ما إذا كان ملف عدم انتشار الأسلحة النووية يمكن أن يشكل مساحة ضيقة للتوافق بين الولايات المتحدة وروسيا، رغم المواجهة الأوسع بينهما. وتعتمد هذه الإمكانية على الفصل بين الخلافات المتعلقة بتجارة الأسلحة والدبلوماسية النووية، وعلى قبول أن الوسيط صاحب المصلحة المباشرة قد يظل قادرا على التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.
الوساطة الروسية تملأ فراغا دبلوماسيا
على مدى أكثر من خمسة أشهر من الصراع، تطورت أهداف الولايات المتحدة في حربها مع إيران من السعي إلى تغيير النظام، إلى إضعاف الجيش الإيراني، ثم إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني. ويواجه الهدف الأخير عقبات كبيرة، إذ يبدو أن المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي يدعم بشكل كامل البرنامج النووي الإيراني، فيما أخفق المفاوضون الأمريكيون في تحقيق أي تقدم دبلوماسي، كما أسهمت المواجهات الصاروخية المتقطعة في زيادة تعقيد المفاوضات.
وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية في الملف النووي في افتقار واشنطن وطهران إلى وسيط موثوق. وتبدو روسيا، باعتبارها الشريك الخارجي الرئيسي في البرنامج النووي المدني الإيراني، وشريكا قديما للولايات المتحدة في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية، رغم الخلافات الواضحة بينهما في ملفات أخرى، مؤهلة بدرجة كبيرة للاضطلاع بهذا الدور.
سجل موسكو في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية راسخ
رغم دعمها للأنشطة النووية المدنية الإيرانية على مدى عقود، حافظت روسيا إلى حد كبير على موقف متوافق مع الغرب في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية. وبموجب العقد المبرم عام 1995، والذي تولت روسيا بموجبه تركيب مفاعل نووي في بوشهر وتدريب الموظفين الإيرانيين وتوفير وقود اليورانيوم منخفض التخصيب، وافقت موسكو، استجابة للضغوط الأمريكية، على إعادة الوقود النووي المستعمل إلى روسيا.
وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، رضخت موسكو أيضا للضغوط الأمريكية بعد أن عارضت واشنطن إبرام أي صفقة تتيح بيع النفايات النووية الروسية إلى إيران. وفي الآونة الأخيرة، تعاون الأمريكيون والروس في إنجاز خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015.
لماذا لا ينبغي أن تثير صفقات الأسلحة قلق واشنطن؟
تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا بشكل ملحوظ منذ عام 2015. فقد أسهم الغزو الروسي لأوكرانيا، وانتهاء معاهدات السيطرة الثنائية على الأسلحة، وانسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، في تقليص فرص التعاون بين البلدين. كما أثارت الشراكة العسكرية المتنامية بين روسيا وإيران مخاوف من أن موسكو لم تعد ملتزمة بمنع إيران من تطوير سلاح نووي.
ومع ذلك، فإن دعم برنامج نووي عسكري إيراني لن يخدم المصالح الأوسع لروسيا، ولا شراكتها مع طهران.
الطائرات المسيّرة تعمق سلسلة الإمدادات العسكرية
أدت الحرب في أوكرانيا إلى زيادة كبيرة في الطلب الروسي على الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة، وأسهمت قدرة إيران على سد هذه الفجوات بسرعة في نشوء شراكة عسكرية وصناعية انتهازية بين البلدين. وبعد ستة أشهر من الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، زودت إيران روسيا بطائرات مسيّرة هجومية من تصميمها، بينها «شاهد-129» و«شاهد-191».
وفي مطلع عام 2023، وقعت طهران وموسكو صفقة بقيمة 1.7 مليار دولار، زودت إيران بموجبها روسيا بآلاف الطائرات المسيّرة من طراز «شاهد-136»، كما ساعدت الروس على نقل إنتاج هذه الطائرات إلى منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة. ونجح خط إنتاج الطائرات المسيّرة في ألابوغا إلى درجة أن روسيا أرسلت في مارس/آذار 2026 إلى إيران نسخا مطورة من تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. وتنتج خطوط الإنتاج الروسية حاليا نحو 6 آلاف طائرة مكتملة التجميع شهريا.
ما الذي يمكن أن تخسره روسيا؟
رغم أن هذه التبادلات المكثفة للأسلحة والخبرات وفرت للجانبين قدرات جديدة ووسيلة مبتكرة لمواجهة النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، فإنه لا ينبغي تفسيرها على أنها توافق بين موسكو وطهران بشأن تطوير برنامج نووي عسكري إيراني.
وتستفيد روسيا بشكل كبير من علاقاتها الودية مع إيران. لكن في ظل دعم إيران لجماعات غير حكومية، وعدائها لإسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن امتلاك إيران سلاحا نوويا سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والفوضى في منطقة تتمتع فيها روسيا بمصالح اقتصادية وسياسية راسخة.
وينبغي النظر إلى التعاون العسكري الروسي مع إيران باعتباره محدودا ومرتبطا باحتياجات روسيا. وحتى داخل إيران، كتبت صحيفة إصلاحية العام الماضي أن «الوعود غير المنفذة» و«التأخر في التعاون العسكري» يميزان شراكة موسكو باعتبارها قائمة على «مصالح انتهازية قصيرة الأجل»، وليس على «الثقة المتبادلة».
صفقة نووية سعودية ترفع المخاطر
في ظل المصلحة المشتركة بين روسيا والولايات المتحدة في منع انتشار الأسلحة النووية، فإن مشاركة موسكو في المنشآت النووية المدنية الإيرانية، ومعرفتها بآليات صنع القرار الداخلي في طهران، قد تمثل ميزة لواشنطن بدلا من أن تكون عبئا عليها.
ومن شأن السعي إلى الحصول على دعم روسيا، كما حدث خلال عملية التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني، أن يعزز الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، وأن يوفر وسيطا مألوفا لكل من الإيرانيين والأمريكيين خلال سعيهما إلى التوصل إلى اتفاق ثنائي.
وعلاوة على ذلك، ورغم أن روسيا قد لا تكون الخيار الأول لواشنطن كوسيط، فإن التحسن النسبي الذي شهدته العلاقات بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بعض مراحل ولايتي ترامب يشير إلى أن التعاون بينهما ليس أمرا مستبعدا.
ومن المرجح أن يتطلب هذا النهج من الولايات المتحدة تقديم تنازلات في المنطقة وخارجها. فقد أعلنت إدارة ترامب والمملكة العربية السعودية مؤخرا اتفاقية للتعاون النووي المدني لمدة 30 عاما، قد تسمح للسعودية بتخصيب الوقود الخاص بمفاعلاتها المدنية من دون الالتزام ببعض معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هل يمكن للوساطة الروسية منع انتشار الأسلحة النووية؟
إذا كانت واشنطن تسعى إلى فرض معايير مماثلة على طهران، مثل إخضاع المنشآت النووية المدنية الإيرانية لعمليات تفتيش صارمة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فمن المحتمل أن تنضم موسكو، أو الدول المعارضة للاتفاق النووي الأمريكي السعودي، إلى طهران في الإشارة إلى هذا التناقض، والدعوة إلى اتباع نهج متوازن في متطلبات الرقابة والإشراف.
ورغم أن روسيا قد توافق على الاضطلاع بدور الوسيط، فإنها قد تستغل نفوذها أيضا للمطالبة بتنازلات من واشنطن في ملفات أخرى، مثل العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا بسبب حربها المستمرة في أوكرانيا.
ورغم هذه العيوب المحتملة، فإن التعاون الروسي الأمريكي في هذا المجال لن يكون سابقة. فقد كان عدم انتشار الأسلحة النووية تاريخيا قضية متعددة الأطراف، نظرا إلى ما تمثله الأسلحة النووية من تهديد للأمن العالمي. وفي عام 1977، ضغطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في الوقت نفسه على جنوب أفريقيا للتخلي عن تجاربها النووية، ما يدل على إمكانية توافق الأولويات النووية حتى في ظل تصاعد العداء بين القوى الكبرى.
وينبغي التعامل مع تجارة الأسلحة التقليدية بين روسيا وإيران وسجلها في مجال عدم انتشار الأسلحة النووية باعتبارهما ملفين منفصلين، وألا تؤدي مخاوف واشنطن بشأن الملف الأول إلى استبعاد موسكو من الاضطلاع بدور بناء في الملف الثاني. فامتلاك إيران سلاحا نوويا لا يخدم مصالح أي من الدولتين، ويمكن لواشنطن وموسكو معا ممارسة ضغوط قوية على طهران للتوصل إلى اتفاق نووي يعزز عدم انتشار الأسلحة النووية العسكرية، من دون إغلاق الباب أمام طموحات إيران السلمية في مجال الطاقة النووية.