تقارير

استبعاد الأونروا من ترتيبات "اليوم التالي" في غزة: تقويض أم تهميش قضية اللاجئين؟

post-img

شيماء أبو سعدة (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

مع بدء تشكل ترتيبات جديدة لإدارة قطاع غزة والتعافي وإعادة الإعمار، لا يقتصر النقاش على شكل السلطة التي ستتولى إدارة القطاع أو الجهات التي ستشرف على إعادة بنائه، بل يمتد أيضاً إلى المؤسسات الدولية التي ستبقى حاضرة في هذه المرحلة. وفي هذا السياق، يبرز غياب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن بعض اجتماعات التنسيق الخاصة بالتعافي، بالتزامن مع إعلان "مجلس السلام" أن "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، باعتباره تطوراً يطرح أسئلة تتجاوز مستقبل الوكالة إلى موقع قضية اللاجئين الفلسطينيين في ترتيبات ما بعد الحرب.

غياب الأونروا عن طاولة التعافي وإعادة الإعمار

عقدت اللجنة الوطنية لإدارة غزة NCAG)) اجتماعاً تنسيقياً مع عدد من وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية العاملة في قطاع غزة، بهدف مواءمة استراتيجية الأمم المتحدة للإنعاش المبكر مع برنامج اللجنة لتعافي غزة، وتحديد التدخلات ذات الأولوية وآليات العمل المشترك في المرحلة المقبلة. وشارك في الاجتماع ممثلون عن برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمنظمة الدولية للهجرة، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، إلى جانب مكتب الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" ومعهد توني بلير للتغيير العالمي.[1]  غير أن الأونروا غابت عن الاجتماع، على الرغم من أن النقاش تناول قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بعملها، وفي مقدمتها المأوى، والصحة، والمياه، والصرف الصحي، والأمن الغذائي، والتعليم.

ويأتي هذا الاجتماع ضمن ترتيبات سياسية وإدارية أوسع للمرحلة المقبلة في قطاع غزة، إذ أكد المشاركون أهمية استمرار التنسيق بين اللجنة الوطنية ومنظمات الأمم المتحدة، بما يضمن الاستجابة للحاجات الحالية والمستقبلية ضمن "خطة السلام الشاملة" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي إطار تنفيذ خريطة الطريق وفقاً لقرار مجلس الأمن 2803.[2] 

"غزة الجديدة": مجلس السلام وإعادة هندسة دور الأونروا

في إطار تنفيذ "خطة السلام الشاملة" يجري تشكيل بنية انتقالية جديدة لإدارة غزة، يتصدرها "مجلس السلام" المشرف على إعادة الإعمار، إلى جانب لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة الشؤون اليومية، بمشاركة شخصيات دولية بينها توني بلير. ويعكس ذلك انتقال ترتيبات ما بعد الحرب من التصور السياسي إلى بناء مؤسسات جديدة لإدارة الحكم والتعافي وإعادة الإعمار.[3] 

وهنا تبرز الأونروا بصفتها إحدى المؤسسات التي يمكن أن تتقاطع طبيعة عملها مع هذه البنية الجديدة. فالأمر لا يتعلق فقط بمن سيقدم المساعدات أو يدير المدارس والمراكز الصحية والملاجئ، إنما بمن سيمتلك الدور المؤسساتي في إدارة هذه الملفات داخل غزة، ومن ثم بمن سيكون حاضراً في صوغ شكل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب. وفي الوقت الذي تنص فيه الخطة على إنشاء مؤسسات انتقالية جديدة، جاء إعلان مجلس السلام في تموز/يوليو 2026 على منصة "إكس": "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، نحن نقلب الصفحة على مجمع الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع، شعب غزة يستحق الأفضل"،[4]  ليحوّل المسألة من مجرد إعادة توزيع للأدوار إلى مواجهة مباشرة بشأن مستقبل الوكالة وموقعها في النظام الجديد المقترح للقطاع.

واللافت أن إعلان استبعاد الأونروا جاء من الجهة نفسها التي أُوكل إليها، بموجب القرار 2803، دور محوري في تنفيذ الخطة وإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة إعمار غزة. لذلك فإن المسألة لا تبدو، من منظور سياسي، مجرد خلاف بشأن كفاءة وكالة أممية أو نموذج تقديم المساعدات، إنما تعكس تنازعاً على شكل المؤسسات التي ستدير غزة بعد الحرب، فإذا كانت "غزة الجديدة" ستُبنى على مؤسسات انتقالية جديدة مرتبطة بـ"مجلس السلام" واللجنة الوطنية لإدارة غزة، فإن إخراج الأونروا من هذا الإطار يعني عملياً إخراج مؤسسة دولية تاريخية من أحد أكثر الملفات التصاقاً بحياة سكان القطاع، ولا سيما اللاجئين الفلسطينيين.

وتزداد دلالة هذه البنية نظراً إلى حضور توني بلير فيها، فقد أدرجت خطة ترامب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ضمن الشخصيات التي ستشارك في "مجلس السلام" المشرف على إدارة المرحلة الانتقالية وإعادة تطوير غزة.

من تقليص التمويل إلى استهداف الوكالة

تأسست الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949، بهدف تنفيذ برامج إغاثة وتشغيل مباشرة للاجئي فلسطين، وبدأت عملياتها في الأول من أيار/مايو 1950. ومنذ ذلك الحين، واصلت الوكالة تقديم خدماتها في خمسة ميادين هي قطاع غزة، والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسورية. وشملت خدماتها مجالات التعليم، والصحة، والإغاثة، والخدمات الاجتماعية وغيرها،[5]  وقد جعل هذا الدور المستمر الأونروا جزءاً من البنية الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين.

لم يبدأ الضغط على الأونروا مع الحرب الإسرائيلية على غزة، التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إنما سبقه مسار من الضغوط السياسية والمالية، كان من أبرز محطاته قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2018 خفض التمويل الأميركي للوكالة، قبل أن تعلن واشنطن في 31 آب/أغسطس من العام نفسه وقف تمويلها بالكامل، وكانت الإدارة الأميركية قد خفضت مساهمتها السنوية من 365 مليون دولار إلى 125 مليون دولار، ولم تقدم للوكالة في عام 2018 سوى 60 مليون دولار.

ولم تأتِ هذه الخطوة بمعزل عن سياق سياسي أوسع اتصل بطريقة تعامل الإدارة الأميركية آنذاك مع قضية اللاجئين والقضية الفلسطينية عموماً، فارتبط وقف تمويل الأونروا بمسار سياسي أوسع سعى لإعادة صوغ قضايا الحل النهائي، في وقت اتخذت فيه إدارة ترامب خطوات أُخرى، بينها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، بالتزامن مع إجراءات إسرائيلية وسياسية أُخرى. ووفق هذا السياق، فتقليص تمويل الأونروا لا يمكن فهمه باعتباره إجراءً مالياً فقط، إنما باعتباره جزءاً من توجه سياسي يستهدف قضية اللاجئين ومكانتها في مسار التسوية.[6] 

وتصاعدت هذه الضغوط مع الحرب على قطاع غزة، حين تعرضت الوكالة لمزيد من القيود والاتهامات، وتجميد التمويل من الولايات المتحدة وعدد من الدول، قبل أن تعيد بعض الدول تمويلها بعد عدم ثبوت الادعاءات التي استندت إليها قرارات وقف التمويل، وبقيت الأونروا تواجه مساراً من التضييق السياسي والإسرائيلي على عملها.[7] 

الأونروا في زمن الحرب

على الرغم من الضغوط، فإن الأونروا واصلت أداء دور واسع في غزة خلال الحرب، فوفق تقريرها الصادر في آب/أغسطس 2026، يواصل نحو 11 ألف موظف فلسطيني العمل في القطاع، بينما تدير الوكالة 114 مأوى جماعياً يستضيف نحو 75 ألف نازح، كما قدمت نحو 19 مليون استشارة صحية منذ بداية الحرب، بينها 13.3 مليون استشارة في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.[8]  وتؤكد هذه الأرقام اتساع الدور الذي تؤديه الوكالة في الاستجابة الإنسانية خلال الحرب.

هدم مقر الأونروا.. استهداف الرمزية

وتزامن هذا المسار مع إجراءات إسرائيلية استهدفت وجود الأونروا نفسه، ففي 20 كانون الثاني/يناير 2026، اقتحمت القوات الإسرائيلية مقر الوكالة في القدس الشرقية المحتلة، قبل هدم مباني المجمع باستخدام الجرافات والآليات الثقيلة. وأكدت الأمم المتحدة أن المجمع مرفق تابع للمنظمة الدولية ويتمتع بالحماية بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وأن الإجراءات المتخذة بحقه تتعارض مع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، وقال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، إن ما حدث يأتي في أعقاب خطوات أُخرى اتخذتها السلطات الإسرائيلية لـ"طمس هوية لاجئي فلسطين".[9] 

استبعاد الأونروا ليس تفصيلاً إدارياً

لا تعني الأونروا قضية اللاجئين الفلسطينيين وحدها، كما أن إنهاء عملها لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء صفة اللاجئ الفلسطيني أو إسقاط حقه في العودة، لكن استبعادها من الترتيبات الخاصة بمستقبل غزة يطرح مسألة تتجاوز تقديم الخدمات، إذ ظلت الوكالة منذ إنشائها أحد أبرز الأطر الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين، واستمرار ولايتها شكّل على مدى عقود أحد أوجه الحضور المؤسساتي لهذه القضية داخل منظومة الأمم المتحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن نقل بعض الوظائف التي تقوم بها الأونروا إلى هياكل جديدة، بالتزامن مع إخراجها من ترتيبات "غزة الجديدة"، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تغيير في آليات تقديم الخدمات، فالمسألة تتصل أيضاً بما إذا كانت قضية اللاجئين ستبقى حاضرة بصفتها قضية سياسية وحقوقية، أم سيجري التعامل معها بصورة متزايدة عبر حاجات السكان اليومية وإعادة الإعمار والخدمات.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يجري بناء نظام جديد لإدارة غزة يتعامل مع سكان القطاع أساساً بصفتهم سكاناً يحتاجون إلى الإعمار والخدمات، مع تراجع حضور صفتهم كلاجئين باعتبارها قضية سياسية وحقوقية قائمة بذاتها؟

وعليه، لا تتعلق القضية بمجرد استبدال مؤسسة بأُخرى، إنما بطبيعة الترتيبات التي يجري تشكيلها لمرحلة ما بعد الحرب، فاستمرار الأونروا ضمن بنية الاستجابة الإنسانية والتعافي وإعادة الإعمار، أو إخراجها من "غزة الجديدة"، ستكون له دلالات متعددة على موقع قضية اللاجئين في المرحلة المقبلة، وإذا اتجه المسار نحو الخيار الثاني، فقد يؤدي ذلك إلى تهميش الحضور المؤسساتي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، من دون أن يعني ذلك، من الناحية القانونية، زوال صفة اللاجئ أو الحقوق المرتبطة بها.

المراجع:

"أسباب وقف إدارة ترامب تمويل 'الأونروا‘ وخلفياته". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وحدة الدراسات السياسة. ورقة تقدير موقف. ص 1. 9/9/2018.

‏‏"بيان صحافي صادر عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة NCAG". "فايسبوك". 11\8\2026.

"تقرير الأونروا رقم 232 حول الأزمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة والضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية)". الأونروا. 12\8\2026.

شعث، عزام. "أزمة الأونروا: تقليص التمويل أم تصفية قضية اللاجئين؟". "مجلة الدراسات الفلسطينية". العدد 140 (خريف 2024). ص 114-130.

ما هي مهام وولاية وكالة الغوث؟". الأونروا.

"منشور للأونروا عن اقتحام وهدم مجمع الأونروا في القدس الشرقية". منصة "إكس". 20\1\2026.

"منشور لمجلس السلام عن استبعاد الأونروا". منصة "إكس". 1\7\2026.

“Security Council Resolution on President Donald J. Trump's Comprehensive Plan to End the Gaza Conflict [S/RES/2803 (2025)].” United Nations. 17/11/2025.

[1] ‏"بيان صحافي صادر عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة NCAG"، "فايسبوك"، 11\8\2026.

[2] المصدر نفسه.

[3]“Security Council Resolution on President Donald J. Trump's Comprehensive Plan to End the Gaza Conflict [S/RES/2803 (2025)],” United Nations, 17/11/2025.

[4] "منشور لمجلس السلام عن استبعاد الأونروا"، منصة "إكس"، 1\7\2026.

[5] "ما هي مهام وولاية وكالة الغوث؟"، الأونروا.

[6] "أسباب وقف إدارة ترامب تمويل 'الأونروا‘ وخلفياته"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة الدراسات السياسية، ورقة تقدير موقف، ص 1، 9/9/2018.

[7] عزام شعث، "أزمة الأونروا: تقليص التمويل أم تصفية قضية اللاجئين؟"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 140 (خريف 2024)، ص 114-130.

[8] "تقرير الأونروا رقم 232 حول الأزمة الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (قطاع غزة والضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية)"، الأونروا، 12\8\2026.

[9] "منشور للأونروا عن اقتحام وهدم مجمع الأونروا في القدس الشرقية"، منصة "إكس"، 20\1\2026.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.