نازنين شاه ركني - ترجمة: ثائر ديب (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)
تقدم هذه الدراسة سؤالًا يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنّه متطلّب من الناحية التحليلية: كيف تُنظَّم الصراعات حول إيران من خلال مزاعم تُطلَق باسم "الشعب الإيراني"؟ وما الذي تكشفه هذه المزاعم عن الظروف التي تقوم في ظلّها الحياة السياسية ويجري فيها التفسير؟ لا يقتصر الأمر على من يتحدث باسم إيران، بل يتعداه إلى كيفية إنتاج هذه المزاعم، وكيفية انتشارها إلى ساحات عابرة للحدود الوطنية وغير متكافئة، وكيف تكتسب نفوذًا، بصفتها أسسًا للفعل السياسي. وبدلًا من النظر إلى التمثيل على أنّه انعكاس ثانوي للواقع السياسي، فإنّ هذه الدراسة تقاربه على أنّه بُعد مكوِّن من أبعاد الصراع السياسي؛ بُعد تُدَّعى من خلاله السلطة، ويُفسَّر العنف، وتُشكَّل المواقف السياسية، وتُجزَّأ، ويُتنازع عليها.
يستند الرأي المطروح هنا إلى مقاربات سائدة، تميل إلى تحليل إيران اعتمادًا على عدسات تحليلية منفصلة، سواء أكانت تُفضِّل الحكم الاستبدادي، أو تُركِّز على الإكراه الخارجي، أو تضع البلاد في سياق تنافس جيوسياسي أوسع، لكنّ هذا الرأي يتجاوز هذه العدسات ويمضي أبعد منها. ففي حين يسلّط كلّ منظور من هذه المنظورات الضوء على أبعاد مهمة من الحياة السياسية، غالبًا ما تعمد هذه المنظورات إلى عزل محور واحد من محاور القوة عن غيره. أمّا هذه الدراسة فترى أنّ إيران لا يُمكن فهمها على أنّها حالة وطنية متناهية، ولا بدّ من تحليلها بصفتها مجالًا جيوسياسيًا يعمل فيه الإكراه الخارجي والسلطوية الداخلية، لا بصفتهما ميدانَين منفصلين، بل من حيث هما سيرورتان متشابكتان وتتبادلان التكوين، تصوغان كلًّا من الظروف المادية للحياة السياسية (الحرب، والعقوبات، والقمع)، والأطر التفسيرية التي تُصبح من خلالها هذه الحياة قابلة للفهم[1].
هذا التوتر بين فصل تلك القوى تحليليًا، وجمعها، بوصفها قوى متشابكة في الممارسة، يبرز خاصة في الظروف الراهنة التي تشهد احتجاجات متكررة، وأزمة اقتصادية متفاقمة، وتصاعد متجدد للتوترات الجيوسياسية. وتتكشّف التعبئة السياسية الآن ضمن مجال ضيق، يتقاطع فيه القمع والعقوبات والعسكرة والدبلوماسية على نحو متكرر. وفي مثل هذه الظروف، يمتد الخلاف أبعد من مسألة المواقف من التدخل، ليشمل الطرائق المتنافسة في ترتيب الواقع السياسي نفسه: أتتمثّل المهمة الأساسية في مواجهة الحكم السلطوي وإبراز عنف الدولة، أم في مقاومة القوة الإمبريالية والشروط الجيوسياسية التي تبني هذا العنف؟ لا تتعايش هذه التوجهات فحسب، بل تُحدد أيضًا ما يُبرَز وما يُهمَّش، وكيف يمكن أن تصبح المطالب السياسية مفهومة.
هذا هو المجال المتصدع الذي يبرز ضمنه مفهوم "الشعب"، لا ذاتًا سياسية معطاة مسبقًا، كما يُفترض غالبًا في الخطاب السياسي وأطر المناصرة العابرة للحدود، بل موضوعًا للتمثيل بعيدًا عن الاستقرار، يُحشد عبر مشاريع سياسية متنافسة: دعوات للتدخل، ومطالبات بالسيادة، ونضال ضد الاستبداد، ومقاومة للإمبريالية. ولا يحلّ استنهاض "الشعب" هذه التوترات، بل هو الميدان الذي ينظمها.
لا تكمن المشكلة، إذًا، فيمن يتكلم باسم "الشعب" فحسب، بل أيضًا في كيفية ترسيخ هذه المزاعم بصفتها معرفة، وكيف تتحول إلى فعل باسم الآخرين. وتتطلب معالجة هذه المشكلة الاهتمام في آنٍ واحد بالتنظيم المادي للحياة السياسية، وبالبنى التحتية التفسيرية التي تُضفي عليها المعنى.
يقع هذا التحليل في جزأين؛ يتناول الجزء الأول تكوين الوضع الإيراني المعاصر من حيث هو مجال جيوسياسي، ويرى أن الحرب والعقوبات والحكم السلطوي تعمل بصفتها سيرورات تكوينية متبادلة، تُعيد صوغ شروط الحياة السياسية من الداخل. وينتقل الجزء الثاني من تشكيل هذا المجال إلى قابليته للفهم، متتبعًا طريقة إنتاج المزاعم السياسية وتداولها وإقرارها عبر ساحات عابرة للحدود الوطنية وغير متكافئة، وكيف يصبح التفسير نفسه موقعًا للصراع على المعرفة والسلطة والعلاقات السياسية.
أولًا: الشروط المادية والسياسية للمجال
يبدأ التحليل بالتكوين المادي والسياسي للمجال نفسه. فقبل طرح سؤال: كيف يُمثَّل "الشعب الإيراني"؟ من الضروري تفحّص الشروط التي تُنظَّم من خلالها الحياة السياسية وتُقيَّد وتُجزَّأ. تتبع المقاطع التالية كيف تعمل الحرب والعقوبات والحكم السلطوي من خلال بعضها بعضًا؛ ما يُنتج بيئةً يبرز فيها الاحتجاج والصمود والاندماج والانسحاب، بصفتها خيارات سياسية تُوزَّع على نحو متفاوت.
1. الحرب والتدخل وضغط الحياة السياسية
أتت الضربات العسكرية الأميركية الإسرائيلية، في 28 فبراير/شباط 2026، ضمن سياق متوتر، تتشابك فيه احتجاجات متكررة وأزمة اقتصادية متفاقمة ومواجهة جيوسياسية متصاعدة. ولا تمثّل هذه الأشياء قطعًا مفاجئًا، بل هي ثمرة مسار طويل اتّسم بالتعبئة والقمع الدوريَين، بدءًا من احتجاجات الطلاب من أجل الإصلاح في أواخر عام 2019، وانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" في عام 2022[2]. وخلال هذه الحوادث، ترسّخ نمطٌ واحد: موجات من الاحتجاجات الجماهيرية تُقابل بقمع عنيف، تليها فترات من الهدوء الظاهري الذي يُخفي المظالم الأساسية بدلًا من حلّها[3]. وبمرور الوقت، أدى هذا التكرار إلى تآكل الثقة بالإصلاح المؤسسي، من دون أن يُفلح في إحداث قطع حاسم؛ وهو ما ولّد مأزقًا سياسيًا متطاولًا[4].
أمّا الدورة الأخيرة، التي بلغت ذروتها في كانون الثاني/ يناير 2026، فقد انبثقت في البداية من رحم ظروفٍ اقتصادية هشّة إلى حدٍّ بعيد، تمثلت في ارتفاع التضخم، وتآكل الأجور، وتزايد القيود المفروضة على الحياة اليومية. لهذا، ركزت التظاهرات المبكرة على المطالب المادية والمظالم المحلية. أمّا في 8-9 كانون الثاني/ يناير، فاتخذت الاحتجاجات منحىً مختلفًا مع انتشار دعوات - أبرزها تصريحات نُسبت إلى رضا بهلوي، الوريث المنفي للسلالة البهلوية ومحور التيارات الملكية في الشتات - أعادت تأطير التعبئة بوضوح وصراحة في سياق تغيير النظام. وقد ساهمت هذه الدعوات، التي ضخّمتها شبكات الإعلام العابرة للحدود، في إحداث تحول في كلٍّ من لغة الاحتجاج وأفقه المُتصوَّر، حتى مع بقاء المشاركة على أرض الواقع متغايرة وغير متساوية[5].
لقد مثّل ردّ الدولة تصعيدًا نوعيًا. فقد قوبلت التظاهرات التي عمّت البلاد باعتقالات واسعة النطاق، واستخدام مفرط للقوة، وتعطيل ممنهج للبنية التحتية للاتصالات، بما في ذلك انقطاعات مطوّلة للإنترنت. وفي هذا السياق، أشارت التقارير، التي انتشرت على الرغم من هذه القيود، إلى حجم القمع وشدته: عائلات تبحث في المشرحة عن جثث مفقودة، ومستشفيات مكتظة، وأحياء بأكملها تخضع لرقابة أمنية مشددة[6]. وفي حين لا تزال الأرقام الدقيقة بين أخذ ورد - وهي مسألة سنتناولها لاحقًا - فقد دلّ حجم العنف وأعداد المحتجزين على استخدام غير مسبوق للقوة في هذه الدورة؛ وهو ما عزّز الشعور بأنّ المجال السياسي كان قد بلغ حدّ الإنهاك.
بناء عليه، اكتسبت الدعوات للتدخل الخارجي زخمًا متجددًا. وفي بعض الحالات، امتدت هذه الدعوات إلى دعم صريح للحرب بوصفها السبيل لتغيير النظام، مصوغة بلغة الإنقاذ والمساعدة العاجلة: "المساعدة قادمة"[7]. وكثيرًا ما قُدّمت هذه المزاعم على أنّها تستند إلى مطالب "الشعب الإيراني"، مع أن الظروف التي يمكن في ظلها التعبير عن هذه المطالب كانت هي ذاتها مقيّدة بشدة. وقد اتبعت الضربات الأميركية - الإسرائيلية في 28 شباط/ فبراير هذا المسار، ليس بصفته قطعًا مفاجئًا، بل باعتباره تصعيدًا طرأ، في حزيران/ يونيو 2025، على عمليات دبلوماسية جارية.
في هذا السياق، برَّر المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون الضربات بلغة تغيير النظام وحماية الشعب الإيراني. واستهدفت الضربات البنية التحتية للدولة، والمنشآت العسكرية، وشخصيات بارزة في الجهاز الحاكم، بمن فيهم المرشد الأعلى الإيراني وكبار قادة الحرس الثوري الإسلامي[8]. لكن العنف لم يقتصر على المواقع المؤسسية التي سعى في الظاهر إلى تحييدها، بل لحق المجتمع بأسره. فقد ضربت هجمات جوية منسقة مراكز حضرية رئيسة، من بينها طهران وأصفهان وشيراز، إضافة إلى مدن أصغر؛ وهو الأمر الذي جعل الحرب تنتقل مباشرةً إلى الحياة اليومية. ومن بين الضحايا الذين أثار فقدانهم حزنًا عامًا، تلميذات مدينة ميناب الجنوبية اللواتي قُتلن حينما سقط صاروخ بالقرب من مدرستهن[9]. وكان مقتلهن أشبه بضوء كشف عن تناقض جوهري؛ فالحروب التي تُصوَّر على أنّها تدخلات دقيقة وموجهة، تخترق بيئات مأهولة بالسكان، حيث لا يمكن فصل حياة المدنيين عن الأهداف العسكرية. وما يظهر في الخطاب الاستراتيجي باعتباره قوةً محسوبةً بدقة، يتجسد على أرض الواقع انتشارًا للعنف عبر البنى التحتية للوجود العادي: المنازل، والمدارس، وشبكات النقل، والفضاء العام[10]. وبهذا، فإنَّ حربًا شُنّت باسم حماية الشعب الإيراني، لم تضع حدًّا للعنف، بل أعادت تكوينه، مضيفةً طبقةً من الدمار إلى مجالٍ مُشبعٍ أصلًا بالقسر والإكراه.
على مستوى الدولة، لم يكن الانهيار الأثرَ المباشر للضربات بل استيعابها السريع. فقد أُعلن عن ترتيبات قيادية موقتة، وأُعيد تشكيل سلاسل القيادة، وشدد الخطاب الرسمي على الاستمرارية والثبات المؤسسي. وفي الحالات التي حدث فيها اضطراب داخل البنى الحاكمة، كان ذلك متفاوتًا وعابرًا في الغالب. لكنّ هذا الاستقرار الظاهري لم يكن علامة على غياب الصدمة، بل على إعادة توزيعها. فلم يغب التخلّع، بل نُقل خارجًا من الجهاز الرسمي للحكم إلى المجال الاجتماعي الذي يُديره.
أمّا على مستوى المجتمع، فبات هذا النقل ملموسًا ومتراكمًا. وتمثّل، في صورته الأقل وضوحًا، في عدم استقرار البنية التحتية: تعطّل الأنظمة المصرفية، وانقطاع السيولة النقدية، وتعليق البرامج التعليمية، وتفاوت في توفير الخدمات الأساسية. أمّا التقارير عن مراكز الاحتجاز المهجورة، حيث فرّ مسؤولو السجون من القصف تاركين المحتجزين من دون إمكان الحصول على الغذاء أو الرعاية الطبية أو الاتصالات، فقد أكّدت هشاشة الرعاية المؤسسية، ما إن ابتعدت عن متناول القيادة المباشرة[11]. فلم تكن هذه إخفاقات إدارية فحسب، بل مؤشرات دالّة على كيفية انتقال الضغوط داخل الدولة إلى الحياة اليومية أيضًا.
إلى جانب هذه الاضطرابات المتفرقة، تصاعدت أشكال من الضرر مباشرة أكثر. فقد عمّقت الحرب بنية تحتية أمنية معمَّمة أصلًا: اتّسع انقطاع الإنترنت، وازدادت القيود على شبكات الاتصالات، واشتدّت الرقابة على الحركة، وانتشرت نقاط التفتيش في أنحاء الفضاء الحضري. واستمرت الاعتقالات تحت ذريعة الحرب؛ فتوسّعت أنماط القمع القائمة وجعل منها جهازًا واسعًا من السيطرة الأمنية[12]. وقد أُعيد تشكيل الفضاءات اليومية - الشوارع والجامعات وأماكن العمل - لتصبح مواقع للمراقبة والتنظيم. وبدلًا من الاكتفاء بإخلاء الشوارع من المعارضة، سعت الدولة في زمن الحرب إلى إعادة ملئها بعروض مُنسقة للتعبئة الوطنية والمؤيدة للنظام؛ فطُمِست معالم التمييز بين إدارة الحرب والأساليب المعتادة للحكم السلطوي[13]. ومع إحكام الدولة قبضتها على الفضاء العام، تضاءلت فرص التعبئة الجماعية المستقلة. ولم يتوقف الشارع عن كونه فضاءً سياسيًا، بل باتت إمكاناته السياسية مُنظمة على نحو متزايد حول سلطة الدول، بدلًا من الاحتجاج الشعبي.
لا تقتصر الحرب على تصعيد العنف، بل تعيد تنظيم الشروط التي يمكن بموجبها أن يظهر "الشعب" أصلًا. فحتى حين تُشن الحرب باسم الشعب، فإنها تعمل على تغييبه جزئيًا، واختزاله جزئيًا، وإعادة الإفصاح عنه جزئيًا من خلال أشكال وسيطة من الظهور. ذلك أن ما ينحسر هو الشروط التي يمكن أن يظهر الناس العاديون في ظلها فاعلين سياسيين مستقلين في المجال العام؛ وبدلًا من ذلك، تظهر صور أكثر تقييدًا خاضعة لتوسطات دقيقة، يمكن من خلالها رؤية الشعب، والتحدّث باسمه، أو استخدامه أداةً.
في الأشهر التي سبقت الهجمات الجوية الأميركية - الإسرائيلية، انتشرت صور الاحتجاج - عمال مضربون، وطلاب يحشدون صفوفهم، ونساء يتحدين سلطة الدولة – بصفتها علامات دالة على الفاعلية الجمعية. وبعد الهجمات، أُعيد تنظيم هذا المجال من الظهور. وتغيرت الوسائل التي يظهر بها الأشخاص العاديون في الحياة العامة؛ فكان أن دفع هذا الأمر إلى ظهور أربع وجهات متميزة من الظهور، تشير كل منها إلى صورة مختلفة من الغياب أو الاختزال أو إعادة التشكيل.
أولًا، في التغطيات الإعلامية، ظهر الشعب في صورة مصابين في المقام الأول. فأبرزت صور القصف والدمار والحداد المعاناة، وأزاحت الفاعلية جانبًا. ونتيجة لذلك، بدت الذات الإيرانية قابلة للفهم، من خلال تعرضها للعنف – أو عدّها بين القتلى والنازحين والمفجوعين - لا من خلال كونها فاعلًا منغمسًا في صراع سياسي متواصل. بل إنَّ هذا السجلّ عمل، عند الضرورة، على تضييق مجال الإدراك، واختزل الحياة الاجتماعية المعقدة إلى مشاهد أزمة إنسانية.
ثانيًا، في مجال الحرب والدبلوماسية، غاب الشعب كليًّا تقريبًا. فعلى الرغم من استحضاره مبررًا للعمل العسكري، ظل غائبًا عن ميادين اتخاذ القرارات المتعلقة بالعنف والتفاوض. ومع استئناف المحادثات الدبلوماسية في نيسان /أبريل 2026 في إسلام آباد، وجّه فاعلو الدولة أجنداتهم في اتجاه الردع والأمن والتنازلات الاستراتيجية، مع غياب شبه تام للإفصاح عن المطالب السياسية أو الأحوال المعيشية للسكان الذين يُرتكب العنف باسمهم. فقد شُنّت الحرب باسم "الشعب"، لكن الدبلوماسية تواصلت إلى حد بعيد من دون مشاركتهم[14].
ثالثًا، في الساحات العابرة للحدود الوطنية، لا سيما داخل شرائح من الشتات، ظهر الشعب بصورة مختلفة، وعبر توسّط، كجهات مساندة[15]. ولقد خرجت تظاهرات واسعة النطاق، رفع فيها المشاركون أعلام الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وأعربوا عن امتنانهم لقادة سياسيين مثل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، أو احتشدوا حول رموز وشخصيات ملكية مثل بهلوي، تعبيرًا دالًا على إرادة شعبية. في مثل هذه اللحظات، برز "الشعب" بصفته مُطالبًا بالتدخل، لكنّ ظهوره هذا حدث عبر قنوات انتقائية ومضخّمة، رفعت أصواتًا بعينها، متجاهلةً مجالًا اجتماعيًا أكثر تنوعًا وأشدّ انقسامًا داخليًا. وبذلك كُثِّفت الفاعلية، ووُجّهت إلى الخارج بطرائق حملت في طيّاتها تبعات سياسية، وكانت متفاوتة كثيرًا في آن معًا.
رابعًا، نظّمت وسائل الإعلام الحكومية والمؤسسات التابعة لها تجمعات في الساحات والتقاطعات الحضرية الرئيسة، مصوّرةً مشاهد من الوحدة الجمعية في مواجهة التهديد الخارجي. وشدّدت المقابلات مع المشاركين على دعم سلطة البلاد، وتعبيرات التحدي، وضرورة التماسك الوطني في مواجهة العدوان الخارجي. وكما هو الحال مع أشكال الظهور غير المباشر الأخرى، فإنَّ ما ظهر كان صورة محددة للحقل الاجتماعي، تُبرز الوحدة والولاء والصمود، بما يتماشى مع متطلبات الحكم في زمن الحرب[16].
بين هذين القطبين، اختفت عن الأنظار الحراكات المدنية المتنوعة، والنضالات العمالية، وشبكات الاحتجاج التي كانت تبثّ الحياة في المشهد السياسي الإيراني في الأشهر السابقة. وأعادت الحرب ترتيب مجال الإدراك نفسه.
لهذا، تتطلب الإحاطة بالوضع الراهن المضيّ أبعد من تأطير الحرب على أنّها قطع أو استثناء. ذلك أنه يجب فهمها، بدلًا من ذلك، على أنّها مكوِّنة لبنية المجال السياسي نفسه: باعتبارها قوةً لا تُعيد تنظيم توزيع العنف فحسب، بل شروط الظهور، والزمن، والإمكان السياسي أيضًا.
لكن هذا الإدراك يمتد أبعد من الحرب وحدها. فإذا كانت الحياة السياسية تُصاغ من خلال تلاقي القسر الخارجي والحكم الداخلي، فلا يمكن اعتبار التمييز بين "الخارجي" و"الداخلي" نقطة انطلاق تحليلية. والسؤالان اللذان يُطرحان هما: كيف ينشأ هذا التشابك؟ وكيف يُزعزع فكرة المجال الداخلي المتناهي ذاتها؟
2. العقوبات والحوكمة والتشابك
ينطلق هذا المقطع من حدود مقاربة إيران بصفتها مجالًا داخليًا مكتفيًا بذاته. فالقوى التي تُشكّل الحياة السياسية لا يمكن فصلها تحليليًا إلى ميدانَين داخلي وخارجي. بل يعمل الإكراه الخارجي والحكم السلطوي بصفتهما سيرورتين تكوينيتين متكاملتين، تُنتجان مجالًا مشتركًا للسلطة، يُعيد تنظيم سلطة الدولة والحياة الاقتصادية والشروط التي ينشأ في ظلها العمل السياسي.
يخاطر التعامل مع هاتين القوتين، على أنّهما منفصلتان واحدتهما عن الأخرى، بإعادة إنتاج ما انتقده علماء الاجتماع منذ زمن طويل، بوصفه قومية منهجية: افتراض أنّ الدولة القومية تُشكّل الإطار الطبيعي للتفسير، حتى حين تُنتَج السلطة السياسية والقيود الاقتصادية وقوة الإكراه عبر دوائر عابرة للحدود الوطنية[17]. لهذا، يتطلب فهم الوضع الراهن تتبّع الطريقة التي تعيد بها العقوبات والعسكرة والمواجهة الجيوسياسية تنظيم الحوكمة من الداخل؛ مما يُضيّق الآفاق السياسية ويُعزّز في الوقت ذاته الجهاز الذي يجري من خلاله تدبّر المعارضة. وفي هذا السياق، تُتيح العقوبات، على نحو خاص، منظورًا مميزًا، يُظهر هذا التشابك جليًا. ففي الخطاب السياسي والحياة اليومية على حدّ سواء، تعمل العقوبات بصفتها نوعًا من الشعار: يُستحضَر من أجل الاصطفاف، وتحديد المسؤولية، وتعيين المصطلحات التي تفسّر من خلالها معاناة إيران ويُتعامل معها.
لم تكن أنظمة العقوبات عابرة ولا هامشية. فقد بدأت الولايات المتحدة بفرض قيودها الاقتصادية في أواخر سبعينيات القرن الماضي على إيران، وتصاعدت حدتها خلال تسعينياته والعقد الأول من الألفية الجديدة، وأصبحت أكثر شمولًا بعد عام 2010، ردًا على البرنامج النووي الإيراني. وأعاد انسحاب إدارة ترمب، في عام 2018 من خطة العمل الشاملة المشتركة (أو الاتفاق النووي)، فرض عقوبات ثانوية وتوسيع نطاقها، مستهدفًا صادرات النفط والأنظمة المصرفية والوصول إلى التمويل العالمي. فلم يكن ما حصل إجراءً مؤقتًا، بل هو نظامٌ طويل الأمد من العزل الاقتصادي، ترك أثره في قدرة الدولة، والحسابات السياسية، ونسيج الحياة اليومية[18].
لا يُعفي الاعترافُ بالقوة البنيوية للعقوبات الجمهوريةَ الإسلامية من المسؤولية. فقد استغلّت الدولة العقوبات مرارًا وتكرارًا في التهرّب من المساءلة عن الفساد وسوء الإدارة والقمع، مُصوّرةً المعاناة على أنها مفروضة من الخارج، في الوقت الذي كانت تُرسّخ فيه أنظمةً غامضة للضبط الاقتصادي[19]. لهذا، ليست مهمة التحليل إلقاء اللوم، بل فهم العقوبات على أنّها إحدى أدوات القوة، تُولّد ضغطًا اجتماعيًا، وتُعيد تنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية؛ إنها أداةٌ تعمل من خلال الحكم الاستبدادي وبتوسّط منه. وهنا لا يعمل الإكراه الخارجي وسلطة الدولة بصفتهما سببين متنافسين، بل يتمفصلان في الممارسة، ويُنتجان سويّة ظروف الضرر الاجتماعي.
لطالما وصف صنّاع السياسة الأميركية العقوبات بأنها أداة "فعّالة" في السياسة الاقتصادية؛ الأمر الذي يعود تحديدًا إلى كونها مصممة لتقليص الإيرادات، وإحداث الضرر، وتوليد ضغط اجتماعي من خلال السكان. وبهذا المعنى، تعمل العقوبات، بوصفها مشروعًا مُتعمّدًا من الضغط الاجتماعي؛ إذ تُعاني الأسر ضغوطًا مالية، وتُزعزع سُبل العيش، وتتدهور الظروف المادية والزمانية اللازمة للحياة الجماعية باطراد[20].
تتطلب مقاربة العقوبات بهذه الطريقة تغييرًا في موضوع التحليل. فالمسألة لا تكمن في معاقبة الدولة، بل في تآكل البنى التحتية التي تجعل الحياة الجماعية ممكنة: الموارد المشتركة، والروابط الاجتماعية، والمؤسسات العامة، والقدرات اليومية التي يُساند بها الناس بعضهم بعضًا ويتخيلون مستقبلًا مشتركًا. ذلك لأن كلًّا من العقوبات والحكم السلطوي يخلقان معًا هذه الشروط، لا على نحوٍ منفصل، بل متكامل.
برزت هذه الدينامية على نحو خاص، خلال احتجاجات أبان 98 في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. ففي ظلّ ضغوط مالية حادة ترافقت مع تشديد العقوبات، رفعت الدولة فجأةً دعمها للوقود، مُبرّرةً ذلك بأنّه ضرورة اقتصادية. فارتفعت أسعار البنزين على نحو صارخ "بين ليلة وضحاها"؛ ما أدّى إلى احتجاجاتٍ واسعة النطاق قوبلت بقمعٍ عنيف، واعتقالاتٍ جماعية، وانقطاعٍ شبه كامل للإنترنت. لقد كشفت هذه الأحداث عن التداخل الفاعل للعوامل؛ فقد ضيّقت العقوبات الفضاء السياسي، لكن قرار الدولة فرض التقشّف وقمع المعارضة؛ هو ما حوّل الضغط الاقتصادي إلى مواجهةٍ دامية[21].
تمضي هذه الضغوط أبعد من القرارات السياسية، لتشمل إعادة بناء سلطة الدولة نفسها. فقد سرّعت العقوبات من ترسيخ المؤسسات الأمنية، لا سيما تلك التي تتمركز داخل الحرس الثوري الإيراني وحوله. وعلاوة على ذلك، أدّى العزل المالي وأمننة الحياة الاقتصادية إلى توجيه الموارد نحو دوائر عسكرية، تعمل بعيدًا عن الرقابة العامة؛ ما أنتج مُركّبًا عسكريًا اقتصاديًا مُندمجًا[22]. وبمرور الوقت، قامت السلطة داخل هذه المؤسسات على أسس مترابطة ومتكاملة تعزز بعضها بعضًا: تدخلات عسكرية إقليمية، وشبكات عابرة للحدود، وسيطرة على قطاعات الاقتصاد الرئيسة. وعلى الرغم من أن العقوبات تُستخدم للتنصل من المسؤولية، فإنها عززت في الوقت نفسه هذه البنى التحتية القسرية.
أكثر ما يتجلّى هذا الترسيخ في تدخلات إيران الإقليمية. فالتدخلات في سوريا والعراق ولبنان، لم تكن ساحات صراع فقط، بل كانت أيضًا بمنزلة بنى تحتية للحكم؛ فهذا الأمر وسّع النفوذ الاستراتيجي، وعزز في الوقت نفسه بنى السلطة الداخلية[23]. وفي حين ساهمت هذه التدخلات في صمود النظام، فقد عمّقت أيضًا عدم المساواة والاستياء، وزجّت بالإيرانيين العاديين في مشاريع جيوسياسية ليست من اختيارهم.
على مستوى الحياة اليومية، تُترجم هذه الديناميات إلى إعادة تنظيم للوجود الاجتماعي. فدولة تتمحور حول الأمن، من الطبيعي أن تُعطي الرقابة والشرطة وسلطة الطوارئ الأولوية، في حين تحوّل الموارد بعيدًا عن الخدمات الاجتماعية. وتتفاقم الهشاشة الاقتصادية بالتوازي مع القدرة على الإكراه. وتتغلغل العقوبات في الحياة اليومية، فتؤثر في الوصول إلى الخدمات المصرفية والرقمية والتحويلات المالية والإمدادات الطبية، وبذلك تعيد تنظيم إعادة الإنتاج الاجتماعية. والنتيجة هي حالة من الضغط: هوامش متلاشية، وآفاق أقصر، واعتماد متزايد على الشبكات غير الرسمية والأمنية.
في ظلّ ظروف كهذه، يتغيّر الفعل الجمعي؛ إذ تصبح الاحتجاجات أكثر تقطعًا، وتتفاقم المخاطر، وتضعف البنى التحتية، وبالنسبة إلى كثيرين، يأخذ الانسحاب في منافسة التعبير بصفته أفقًا سياسيًا. وما يُصوَّر غالبًا على أنه توتر بين "العقوبات والدولة" ينحلّ عمليًا؛ فالضغط الخارجي والحوكمة الداخلية يعملان معًا، والناس العاديون هم من يتحمل آثارهما التراكمية.
في هذا السياق المثقل بالضغوط، يكتسب الاحتجاج شكله المحدد، لا في أهدافه فحسب، بل في لغته كذلك. فالشعارات تدل على تقارب القوى التي تُشكِّل الحياة اليومية. وحين يعود هتاف "لا لغزة، لا للبنان - حياتي من أجل إيران" إلى الظهور، فإنّه يُلخِّص كيف تُعاش العسكرة الإقليمية والمواجهة الجيوسياسية محليًا من خلال إعادة التوزيع ونقص الموارد والتقييد[24]. وبدلًا من أن تتكشف هذه القوى، بصفتها مجالات منفصلة، تصبح متداخلة في الحياة اليومية، وتُعاش بصفتها حالة واحدة متشابكة.
يمكن أن يُولِّد هذا التداخل تصورًا بمحصلة صفرية، تبدو فيه أشكال مختلفة من المعاناة، وهي تتنافس على الاعتراف بها. ويُتصوَّر التحرر في كثير من الأحيان على أنّه طرح وليس جمعًا. وبالنسبة إلى المراقبين خارج إيران، غالبًا ما تُصبح هذه التعبيرات إلماعات تفسيرية. يُضخِّمها بعضهم بوصفها دليلًا واضحًا على معارضة النظام، مُجرِّدًا إيّاها من الظروف التي أنتجتها. ويرفضها آخرون باعتبارها قوموية أو رجعية، مختزلين التعبير إلى حكم أخلاقي فحسب. فالموقفان كلاهما يفصل لغة الاحتجاج عن المجال المادي الذي تتشكل فيه.
يمكن أن يتعامل تحليل أوفى مع هذه التعابير على أنّها تشخيصية، ومحاولات لتحديد الكيفية التي تتلاقى بها أشكال متعددة من السلطة. وما اختزالها إلى صوت أو خطأ أيديولوجي فقط، سوى جهل بالظروف التي تنشأ في ظلّها.
غير أنّ هذه الظروف لا تُنتج ذاتًا سياسية موحّدةً؛ فالمسؤولية والهشاشة والخسارة موزعة على نحو غير متكافئ. والمقولة التي غالبًا ما تُستحضر لتجاوز هذا التفاوت - "الشعب الإيراني" - تُخاطر بحجب التمايز الاجتماعي الذي تزعم أنّها تمثّله. ولهذا، فإنّ السؤال المطروح ليس ما الذي يُقال باسم "الشعب" فحسب، بل كيف يتشكل هذا المفهوم عبر مواقع غير متكافئة، وكيف تصوغ هذه المواقع معاني الاحتجاج والمعاناة والإمكان السياسي.
3. من هو "الشعب الإيراني"؟ التمايز، والاندماج، والآفاق السياسية
لا يعبر مفهوم "الشعب الإيراني" عن ذات سياسية متماسكة، بل عن مجال متمايز اجتماعيًا، تشكَّل بفعل التفاوت في درجات التعرّض للإكراه والإدماج والهشاشة. فما يظهر في الخطاب السياسي على أنّه جماعة موحدة، هو في الواقع مُكوّن من مواقف اجتماعية متباينة، موجّهة نحو آفاق سياسية مُختلفة. لهذا، لا تكمن المهمة في استعادة ذات واحدة، بل في تتبّع الكيفية التي بنيت بها هذه الفروق، وكيف تُؤثّر في الشروط التي تُطرح في ظلّها المزاعم السياسية وتحظى بالاعتراف.
يشير الشعار الذي ناقشناه آنفًا إلى هذا التفاوت الكبير؛ فحين يردد المتظاهرون عبارة "روحي فداء إيران"، فإنهم يفعلون ذلك من مواقع متباينة، ضمن مشهد شكّلته العقوبات والتقشف والحوكمة القسرية. إن المظالم التي تكثّفها لغة الاحتجاج - انخفاض الأجور، وخفض الدعم، والحراك المقيَّد، والمستقبل المصادَر، ومخاطر القمع - لا تتوزع بالتساوي. لكنّ عبارة "الشعب الإيراني" التي تُستحضر بكثرة، في الخطاب السياسي، ودعوات التضامن، تختزل هذه التعرّضات غير المتكافئة في صورة واحدة، مُخفيةً الظروف المتباينة التي تُشكّل الرهانات والإمكانات السياسية.
تكشف الروايات، المستندة إلى انخراط متواصل مع محاورين في إيران، كيف تُعاش هذه الانقسامات، وكيف يُتعامل معها. فعلى أحد طرفي الطيف، نجد أولئك الذين لا تزال سِيَرهم مرتبطة بمؤسسات الجمهورية الإسلامية، وإن كان هذا الارتباط يتّخذ أشكالًا مختلفة.
تنتظم إحدى المجموعات من خلال الإدماج في شبكات الأمن والشبكات شبه الحكومية، لا سيما تلك المرتبطة بقوات الباسيج. وكما بيّنت مقاطع سابقة، فإنّ أثر المواجهة الجيوسياسية والعقوبات المتواصلة لم يقتصر على تقييد الدولة وحدها، بل ساهم في توطيد جهازها الأمني، وترقية كوادر جديدة، وتعزيز مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والشبكات المتحالفة معه. ولم يقتصر عمل هذا التوطيد على مستوى النخب الحاكمة، بل امتد عبر سيرورات الرعاية والإدماج التي تربط شرائح المجتمع بالبنية التحتية المؤسسية للنظام. وقد أدى توسّع هذه الشبكات - لا سيما تلك المرتبطة بقوات الباسيج التي يُقدّر عدد أعضائها بالملايين، مع بعض الروايات التي تُشير إلى مشاركة فعّالة تراوح بين أربعة ملايين وخمسة ملايين - إلى جذب الشباب المهمشين اقتصاديًا إلى دوائر رأسَي المال المادي والرمزي[25]. بالنسبة إلى بعضهم، يأتي الانتساب نتيجةً لاستبعادٍ مطوّل من أسواق العمل الرسمية، وسُبُل الحراك الاجتماعي التي تتيح الوصول إلى فرص العمل والتعليم والسكن والانتماء المجتمعي. وهنا، غالبًا ما يكون الالتزام الأيديولوجي متداخلًا مع الانتماء المؤسسي، من دون انفصال. ويترسخ هذا الالتزام، من خلال المشاركة التنظيمية والروابط الاجتماعية والممارسات اليومية، كما يتعزز أيضًا بالفرص المادية والأمن الذي يوفره الاندماج في شبكات النظام.
ثمّة مجموعة ثانية، تغتذي من علاقات زبائنية أوسع نطاقًا، تتجاوز حدود المؤسسات الأمنية الرسمية. وهنا، لا يعتمد الارتباط بالنظام بالضرورة على الالتزام الأيديولوجي، بل على التداخل بين سبل عيش الأفراد والتوزيع الذي تتوسطه الدولة. فالوصول إلى الوظائف والعقود والإعانات والحماية المؤسسية يربط شرائح من السكان باستمرار النظام القائم[26]. وحتى في حال وجود استياء واضح من سياسة الدولة، فإنّ المخاطر المرتبطة بالقطع - النزوح الاقتصادي، وفقدان فرص الوصول، وانعدام اليقين المؤسسي - تجعل استمرار النظام شرطًا للاستقرار. وفي هذه الحالات، لا يعكس الاستثمار في النظام تأييدًا له، بل تشبيكًا معه؛ فهو توجّهٌ عملي تشكَّل بفعل الاعتماد على بنى الإمداد المرتبطة بالدولة[27].
لا تزال التيارات الإصلاحية التي تشكّلت بفعل دورات الانفتاح والانغلاق، خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، ملتزمة باستمرارية المؤسسات، مع دعوتها إلى تغيير من الداخل. ويواصل المثقفون الإصلاحيون، وفاعلو المجتمع المدني، وشرائح من الشتات، المطالبة بتغيير متفاوَض عليه، وإصلاح دستوري، ومصالحة وطنية. ويرى كثيرون ممن يتبنون هذا الموقف أنّ من الضروري الحفاظ على الحوار السياسي، مهما بدا مقيّدًا، بدلًا من المخاطرة بإغلاقه عبر ثورة أو حرب أو انهيار يفرضه الخارج على النظام[28]. ويقوم هذا التوجه على استراتيجية تسعى إلى الجمع بين الضغط الشعبي من الأسفل والتفاوض من الأعلى، مستفيدةً من التعبئة الاجتماعية في الوقت الذي تعمل فيه عبر القنوات المؤسسية على إحداث تحوّل تدريجي[29].
في جميع هذه الترتيبات والمواقع، لا يتخذ الارتباط بالنظام شكلًا واحدًا، بل يُبتنى من خلال علاقات متباينة مع الدولة. وتتوضّع هذه المجموعات على نحو متفاوت، من حيث الوصول والمنافع والتوقعات. ولذلك، فإنّ لها مطالب مختلفة تجاه الدولة، وتوقعات متباينة بشأن واجباتها، وتستفيد من الوضع الراهن بطرائق غير متكافئة. وتُنتج هذه المواقع المتباينة رؤىً متباعدة فيما يخصّ المستقبل السياسي للنظام، تراوح بين الحفاظ عليه وتوطيده، إلى الإصلاح المُدار، إلى التحول الحذر من دون قطيعة. وما يجمع هذه الرؤى والمواقع ليس أيديولوجية مشتركة، بل انخراط مشترك في بنى النظام القائم؛ وما يفرقها هو كيفية تعاملها مع ذلك النظام، وتفاوضها بشأنه، وتصورها لمساره المستقبلي.
لا يزال التشظي قائمًا داخل دوائر المعارضة. وتتعايش التطلعات التعددية والديمقراطية بصعوبة مع السرديات الملكية التي تُعلي من شأن رؤية أحادية للخلاص الوطني، تتمحور حول بهلوي. بالنسبة إلى بعضهم، لا سيما في أوساط إعلام الشتات وبين الأجيال الشابة التي ليس لها ذكريات حيّة مع المَلكية، يُعاد تأطير حقبة بهلوي لا من خلال سلطويتها الموثقة - بما في ذلك الرقابة الشاملة لجهاز الأمن السري (السافاك)، وقمع المعارضة السياسية، واتساع عدم المساواة خلال التحديث السريع - بل من خلال حنين انتقائي يُركز على الاصطفاف الجيوسياسي، والقومية العلمانية، والاستقرار الاقتصادي[30]. ولا تكمن جاذبية تلك الحقبة في استمرار السلالة الحاكمة فحسب، بل في وعد إعادة الاندماج في دوائر الحراك والشرعية العالمية: بحث عن المعقولية والاتجاه وسط حالة من عدم اليقين المتطاول، ورهان على القطيعة بصفتها خلاصًا.
ضمن هذا التوجّه، غالبًا ما يُتصوَّر التحول السياسي على أنّه رهن قوة خارجية. وتنتشر دعوات إلى تشديد العقوبات، وشنّ ضربات عسكرية على مؤسسات الدولة، أو تدخل دولي - مصوغ بلغة الإنقاذ الإنساني - جنبًا إلى جنب مع مناشدات موجهة إلى حكومات أجنبية للاعتراف بالقيادة البديلة في المنفى. وأبرز تجلّيات هذه المواقف كان في تظاهرات الشتات وتجمعاته العامة، حيث رفع المشاركون أعلام إسرائيل والولايات المتحدة، وأعربوا عن دعمهم للقادة السياسيين الذين صوّروا التصعيد العسكري على أنّه مساعدة للشعب الإيراني. وقد عززت الإشارات إلى التدخل، بوصفه "مساعدة قادمة"، هذا التوجه، مُعيدَةً صوغ الحرب على أنها آلية لكسر الجمود السياسي وتمكين تغيير النظام من الخارج. هنا، لا تظهر القوة الخارجية على أنّها تصعيد، بل بصفتها حلًّا، إنها مخرج من مأزق يُنظر إليه على أنه غير قابل للخروج منه من خلال السيرورات السياسية الداخلية.
يبرز توجّه مختلف لدى أولئك الذين تشكّل وعيهم السياسي من خلال تجارب مباشرة مع القمع والفقد. ويشمل ذلك الناجين من عمليات التطهير التي شهدتها السجون في ثمانينيات القرن الماضي وأُسَرِ من أُعدموا في تلك العمليات[31]، وأفراد الطائفة البهائية الذين يتعرضون للإقصاء والمراقبة المستمرة[32]، وعائلات المتظاهرين الذين اعتُقلوا أو أُصيبوا أو قُتلوا خلال موجات الاضطرابات المتتالية: من عام 1999 إلى 2009، و2019، وانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" (2022). ليست الدولة، بالنسبة إلى هؤلاء، بنية سياسية فقط، بل هي أيضًا مصدر دائم للتأزم الشخصي والضرر الذي لا يُمكن إصلاحه. وتتجه الأهداف السياسية نحو المساءلة والعدالة والاعتراف، وتتمحور حول مطلب تسمية المسؤولين عن العنف ومحاسبتهم. وفي هذا السياق، يبدو إمكان المصالحة من دون محاسبة أمرًا غير قابل للتطبيق، ويصبح استمرار النظام متعارضًا مع الكرامة والذاكرة.
بين هذه المواقف وأبعد منها، يكمن نطاقٌ واسعٌ ومتغيّر، لا يشكّله التزامٌ أيديولوجيٌّ صريحٌ، بقدر ما يشكّله السعي إلى مستقبلٍ كريم. بعضها يدفعه تراجع الحريات الاجتماعية، ويسعى إلى فضاء عام من دون رقابةٍ أو شرطة أخلاقيّة[33]. وقد تجلّت هذه التطلعات بقوةٍ في أغنية "بارايي" التي التقطت، في مطالبتها برغباتٍ عاديةٍ، توقًا منتشرًا إلى حياةٍ عاديةٍ بعيدةٍ عن القيود الدائمة[34]. وثمة آخرون يدفعهم الضغط الاقتصادي في المقام الأول: التضخم، وإلغاء الدعم، وعدم دفع الأجور، وتضاؤل القدرة الشرائية. وتنبع المظالم، في غير مكان، من التهميش الإثني والمناطقي، حيث يتقاطع الطلب على الاعتراف مع تاريخٍ من الحوكمة والأمننة غير المتكافئتين[35]. لكنّ الأفق السائد، بالنسبة إلى كثيرين، ليس المواجهة ولا الإصلاح، بل الخروج؛ إذ تصبح الهجرة استراتيجيةً للبقاء في مقابل مستقبلٍ يُنظر إليه على أنه محصورٌ داخل حدود الوطن[36].
ما يجمع هذه المواقف هو مزاج سياسي مشترك وتوجّه عام: خيبة أمل واسعة النطاق تجاه الجمهورية الإسلامية، وإعياء حيال ممارستها اليومية للحكم. المزاج السائد مزيج هش من النزعة الكلبيّة تجاه السلطة، والاستياء من الوضع الراهن الذي بات لا يُطاق على نحو متزايد، والإنهاك الجماعي. غير أنّ حالة خيبة الأمل المشتركة هذه لا تُفضي إلى تقارب، بل تنعكس في تصورات سياسية، واستراتيجيات للتكيف، وحسابات للمخاطر متباعدة.
لهذا، لا تتمثل المهمة في تحويل الاختلاف إلى وحدة، بل في إدراك كيف تُشكّل تجارب الإكراه، والمحسوبية، والإقصاء، والخسارة غير المتكافئة، البيئة التي يجب أن يُبنى عليها أي زعم بالتحدث "باسم الشعب". وتتأتّى الصعوبة، حين تُرفَع شريحة من المجتمع أو سجل من المعاناة كما لو أنهما يُمثّلان الجماعة بأكملها. فحين يُعامل إطار معيّن على أنه مرادف لـ "الأصوات الإيرانية"، يقوم جزء واحد مقام الكلّ. وقد نختار إبراز أصواتٍ بعينها، لكن ينبغي أن يكون هذا الاختيار صريحًا وواضحًا: هذه هي الأصوات التي نُعلي من شأنها، وليست صوت الشعب الإيراني. إنها أيّ شيء آخر يُحوّل التمثيل الانتقائي إلى مجاز مرسل غير معترَف به؛ مما يسمح لالتزامات المتحدث السياسية بالظهور بصفتها تمثيلًا مُحايدًا لا تدخّلًا محدَّدًا. هنا يبرز عدم استقرار مزاعم التضامن على نحو جليّ: فالدعوات إلى العمل باسم "الشعب الإيراني" - سواءً لتبرير التدخل، أو الدعوة إلى الإصلاح، أو إدانة القمع، أو المطالبة بضبط النفس - تُعطي بالضرورة الحظوة لتجارب وفئاتٍ وضروب مُعيّنة من المستقبل المُتخيّل على حساب غيرها. ولا يرتبط التضامن، بهذا المعنى، بذات مفردة، بل يتحرك عبر مجال اجتماعي متصدّع، حيث تتعرض مجموعاتٌ مختلفة لأشكالٍ متباينة من العنف والحماية والتخلي. ولا يمكن أن نتفادى التحدث نيابةً عن الإيرانيين، زاعمين التحدث باسمهم، إلّا حين نولي التمايز انتباهًا.
إذًا، لا يقتصر السؤال المطروح على من هو "الشعب"، بل يتعداه إلى كيف تجري توسّط أصواتهم وترجمتها وإعادة تفعيلها في أثناء تداولها عبر ساحات معرفة وسلطة عابرة للحدود الوطنية. وما يتناوله القسم التالي هو مشكلة التوسّط والتفسير وجغرافيا الصوت السياسية هذه.
ثانيًا: التمثيل والتفسير وسياسات المعقولية
إذا كان الجزء الأول قد تناول كيفية تشكّل الحياة السياسية ماديًا ضمن مجال متشابك، فإن الجزء الثاني يتناول كيف يصبح هذا المجال معقولًا. وتتتبّع المقاطع التالية كيف تنتقل المزاعم والصور والأرقام والشهادات عبر ساحات عابرة للحدود الوطنية غير متكافئة، حيث يُعاد تفعيلها لتصبح موضوعات للمعرفة والسلطة والنقاش. فلم يعد السؤال مقتصرًا على من يتحدث باسم إيران، بل كيف تكتسب روايات معيّنة قوة، في حين تُهمَّش روايات أخرى أو تُستبعَد.
1. من أين نتحدث: التوسّط وجيوسياسات الصوت
يتناول هذا المقطع الظروف التي تصبح في ظلها الحياة السياسية قابلة للمعرفة والتفسير والتفعيل خارج سياقها المباشر. ويتمثّل الرأي المطروح هنا في أن المزاعم السياسية لا تنتشر بصفتها تعبيرات شفافة عن التجربة المعيشة، بل تتوسّطها بنى تحتية عابرة للحدود الوطنية، تعيد ترتيب المعنى في أثناء انتقالها. ولهذا، فإنّ الأمر الأهم لا يقتصر على من يتحدث، بل يتعدّاه إلى كيفية انتقال الخطاب: كيف يُترجم ويُتبنَّى ويُعاد تكوينه عبر مجالات غير متكافئة من حيث الظهور والسلطة والقدرة؟
يقارب هذا القسم التوسّط، لا من حيث هو طبقة ثانوية مفروضة على واقع آخر مستقر من دونها، بل بصفته عنصرًا مكوِّنًا للمعنى السياسي ذاته. فالأفعال والصور والشهادات تكتسب قوةً من خلال تداولها، وبذلك تُفصل وتُكثَّف ويُعاد الإفصاح عنها، ضمن سياقات مؤسسية وجيوسياسية تصوغ استقبالها وتأثيراتها. ومع انتقال هذه المزاعم عبر مختلف الساحات، تدخل أنظمةً لإنتاج المعرفة - منصات إعلامية، وخطاب أكاديمي، وميادين سياسية، وشبكات نشطاء - مبنيّة على عدم التناظر من حيث الوصول والاعتراف. فالمعنى، بهذا المعنى، لا يكمن في الأفعال السياسية نفسها، بل يُنتَج من خلال مسارات حركتها.
يُحوّل الاهتمام بهذه السيرورات تركيز التحليل من الأصل إلى المسار. ويتطلب تفحّص الكيفية التي يُفعَّل بها التعبير السياسي في أثناء ارتحاله، والكيفية التي تُوزّع بها سلطة التفسير، وتُوطَّد بعض القراءات في حين تُهمّش أخرى أو تُستبعد. وبذلك يتشكّل مجالٌ يكون فيه التفسير موضع تنازع، يبتنيه موقع مؤسسي وتموضع جيوسياسي. وعندها، تتمثّل المهمة في تتبع كيف تُصاغ المزاعم عن إيران ودلالتها ضمن هذا المجال، وكيف تتحول، في خضم ذلك، المصطلحات التي تُفهم من خلالها الحياة السياسية.
ما إن تتجاوز أصوات الاحتجاج الإيراني حدود إيران، حتى تدخل بنى تحتية معرفية بعيدة أشدّ البعد عن الحياد: مجلات، ومنصات تواصل اجتماعي، وغرف أخبار، وأنظمة تمويل، وشبكات نشطاء، ومنتديات سياسية منغمسة في تراتبيات السلطة العالمية. وهذه البيئات المؤسسية شكلتها تواريخ إمبراطورية، وضروب عرقيّة من المنطق الأمني، ومواجهات جيوسياسية. وبدورها، تُحدد المواقع المؤسسية والجيوسياسية كيف تُترجَم الشهادات إلى أفعال، غالبًا بطرائق تفصلها عن الظروف السياسية التي نشأت فيها، وتعيد توظيفها ضمن أجندات قد تُقيّد الصراعات التي انبثقت منها أو تُغيرها أو تُقوّضها. السؤال، إذًا، ليس إن كنّا ندعم حركات الاحتجاج أو نعلي أصواتها، بل: كيف نفعل ذلك، من دون أن نسمح بترجمة هذا الدعم إلى أشكال من السلطة تعمل ضدها أو ضد الآخرين باسمها؟
تتّضح هذه الدينامية، حين نتتبّع ترحال قصص بعينها. فقضية سحر خداياري - "الفتاة الزرقاء" التي أضرمت النار في نفسها في عام 2019 بعد محاكمتها لمحاولتها دخول ملعب كرة قدم - سرعان ما أصبحت رمزًا عالميًا للقمع الجندري[37]. لكنها، في خضمّ فهمها من حيث هي رمز، طُمست قصتها أيضًا. فمع انتشارها عبر وسائل الإعلام الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وشبكات المغتربين في الشتات، وحتى في خطاب الدولة، اختُزل نضالٌ نسويٌّ دؤوبٌ من أجل النّفاذ إلى الفضاء العام في سردية معاناة فردية. ما الذي يصبح مرئيًا حين يكتسب نضال ما مكانةً؟ وما الذي يختفي حين تُخلّد ذكرى حركةٍ بأكملها من خلال صورةٍ واحدة؟ ما تحقق من تسليط الضوء صاحبه فقدانٍ للعمق السياسي: عقودٌ من التنظيم والتفاوض والمقاومة اليومية انحسرت، بعيدًا عن الأنظار، حينما راحت الحركة تُذكر على نحو متزايدٍ من خلال سردية شخصيةٍ واحدة.
يمتد هذا المنطق أبعد من الشخصيات الفردية، ليشمل تداول الرموز السياسية نفسها. فخلال انتفاضة "امرأة، حياة، حرية" في إيران، أصبح نزع الحجاب وحرقه رمزًا قويًا للمقاومة[38]. ففي إيران التي تفرض الحجاب على النساء، ظهرت الأجساد بلا غطاء سجلًّا بصريًّا للتحدي، مُلخّصةً المطالب بالكرامة والحرية والاستقلال الجسدي[39]. ولكن ما إن انتشرت تلك الصور نفسها في أوروبا وأميركا الشمالية، حتى اكتسبت دلالات سياسية مختلفة. فقد استغلتها جماعات اليمين المتطرف، وضمّنتها في خطابات معادية للإسلام، تستهدف النساء المسلمات عمومًا. كان حرق حجاب في طهران صرخة ضد قسر الدولة، طلقة موجهة إلى الأعلى نحو السلطة. أمّا حرق الحجاب في البرلمان الهولندي باسم التضامن مع المتظاهرات الإيرانيات، فقد تحوّل إلى استعراض لسلطة الدولة، طلقة موجهة إلى الأسفل نحو النساء المسلمات. الشيء ذاته، واللهب ذاته، لكن بمسارات سياسية مختلفة جذريًا. فهذه المسارات المتباينة تكشف عن بنية أوسع: المعنى لا يكمن في الأفعال السياسية ذاتها، بل يُنتج عبر مسارات تداولها في مجالات جيوسياسية متباينة، يشكّلها فاعلون مختلفون، ومنطق مؤسسي مباين، وجماهير مختلفة.
تُشكّل ديناميات التداول هذه التفسير ذاته؛ ففي النقاشات الأكاديمية والعامة، تُقارَب الصراعات السياسية في إيران من خلال اتجاهَين تفسيريَين سائدين. يُبرز أحدهما خطر استغلال صور الثورة لتبرير التدخل الغربي أو الأمننة العرقية. وهذا القلق واقعي وضروري معًا. لكنّه حين يُصبح أعلى سقف للتفسير، تبرز مفارقة: التشكيلات الإمبريالية التي تُقاوَم تصبح هي من يُعيّن حدود ما يُمكن قوله. وتُصبح الأفعال السياسية مفهومة من خلال إساءة استخدامها الممكنة في المقام الأول، في حين تختفي الظروف التي تواجهها من المشهد.
ثمَّة اتجاه معاكس، يتمثّل في ضرورة مناهضة السلطوية، يُلحّ على أنّ خطر الاستغلال لا يُمكن أن يُلغي الحاجة إلى مواجهة عنف الدولة. ومن هذا المنظور، يُؤدي إخضاع الاحتجاج لتداعياته المحتملة إلى إعادة تركيز المخاوف الخارجية وتهميش فورية القمع. وعلى الرغم من أنه يمكن فهم هذا الموقف، فإنه قد يتحول إلى انغلاق عندما تُهمَل المخاوف بشأن التداول والاستغلال المعادي للإسلام، باعتبارها ثانوية أو غير ذات صلة؛ مما يُؤدي إلى اعتبار الأضرار التي تحدث في أماكن أخرى خارجة عن نطاق مسؤولية الفرد. لكنّ أخذ التضامن على محمل الجد يستدعي إدراك أنه يستلزم المسؤولية عن الآثار اللاحقة، لا النيّة فحسب.
لا تكمن المهمة، إذًا، في الاختيار بين هذين المحورين، بل في مراعاة تداخلهما؛ أي تطوير لغة تحليلية قادرة على تسمية كل من العنف الإمبراطوري وعنف الدولة، من دون السماح لأي منهما بالاختفاء. وينبغي أن تظل هذه اللغة يقظة حيال الترتيبات المؤسسية والاقتصادية والقسرية التي تُفعّل هذه القوى وتُمارَس من خلالها، وحيال المسارات الوسيطة التي تُفسَّر من خلالها.
غير أنّ إمكان وجود مثل هذه اللغة مشروط هو ذاته بالمجال الذي يتكشّف فيه التفسير. فما يبدو خلافًا ليس تضاربًا في وجهات النظر فحسب، بل هو أيضًا نتاج مجال منظَّم يُنتج فيه المعنى من خلال الحركة، ويُعاد صوغ المزاعم باستمرار في أثناء ترحالها، وتتوزع سلطة التفسير على نحو غير متكافئ. وفي هذه الظروف، لا يدور النقاش على أرضية محايدة، بل تشكّله مقدَّمًا أوجه عدم التناظر ذاتها التي تحكم التداول والتعرّف والفهم. وسوف يتجه التحليل الآن إلى ظروف النقاش هذه، وإلى الضغوط التي تُضيّقها وتُعيد توجيهها وتُعارضها.
2. دفاعًا عن النقاش: المعرفة والمنهج وسياسات التأويل
في حين تناول المقطع السابق كيفية تحوّل المزاعم السياسية في أثناء تداولها عبر مجالات للتوسّط غير متكافئة، يتناول هذا المقطع ما يترتب على هذا التداول: الصراع على كيفية تأويل هذه المزاعم وتثبيتها ومنحها سلطة المعرفة. فما إن يُدرك المعنى على أنه نتاج حركة وليس مُعطى عند نقطة المنشأ والأصل، يكفّ الخلاف عن الظهور على أنّه تشوّه، ويظهر بصفته سمة جوهريةً للمجال ذاته. وبذلك، لا يعود السؤال كيف تُصوَّر إيران فحسب، بل: كيف تُحسم التأويلات المتنافسة، أو تُقيَّد، أو تُستبعد، وفي ظل أي ظروف يصبح النقاش ذاته صعب الاستمرار؟
ما بات جليًّا، على نحو متزايد، ليس انتشار الخلاف فحسب، بل انكماش الفضاء الذي يمكن أن يكون فيه ذا معنى أيضًا. ففي لحظات تتسم بتصاعد القمع، وتكرار الاحتجاجات، وتصاعد العنف – مما يتكشّف الآن في ظل الأفق المفتوح لحرب إقليمية - يزداد الضغط لتبنّي مواقف واضحة وحاسمة. وينتشر هذا الضغط عبر عرائض وبيانات مؤسسية وندوات تثقيفية وتدخلات عامة تُعلي من شأن التماسك على حساب التردد. ومع أنّ أشكالًا كهذه تبقى ضرورية سياسيًا في كثير من الأحيان، فإنها تميل إلى تقليص نطاق البحث، مُحوّلةً الحذر المنهجي إلى مواربة، والتمييز التحليلي إلى غموض أخلاقي.
يزداد هذا الانكماش حدّةً بفعل البنى التحتية التي يتكشّف من خلالها النقاش. فالمنصات الرقمية، تمنح السرعة والوضوح، غالبًا على حساب التعقيد. وفي مثل هذه البيئات، قد يتحول تركيز التحليل إلى إشارة ولاء، كما لو أن الإطار الذي يفضّله الفرد ليس حكمًا فكريًا، بقدر ما هو إعلان ولاء سياسي. لذلك، يستمر النقاش، لكن الشروط التي يمكن التعبير عنها بموجبها تزداد جمودًا.
ولهذا التضييق أهمية بالغة، فكما بيّن الجزء الأول، فإنّ الظروف التي تُشكّل الحياة السياسية في إيران متداخلة في جوهرها. ومع انحسار فضاء التأويل، يُصبح هذا التداخل مُعرّضًا لخطر التبسيط إلى تفسيرات أحادية الجانب، سواء أكانت قائمة على السيطرة الإمبراطورية أم على السلطوية الداخلية؛ وهو ما يُخفي الديناميات العلائقية التي تُمارس السلطة من خلالها.
تتضح هذه العواقب في مواقع تحليلية ملموسة. أحدها يتعلق بسرد الحياة في ظل الحرب والقمع؛ إذ يبقى توثيق من قُتلوا وجُرحوا واعتُقلوا واختفوا أمرًا لا غنى عنه. وتسمية الضحايا تُقاوم الطمس، وتُناهض التبلّد، وتتحدى اختزال العنف بيروقراطيًا إلى أرقام. غير أنّه حين يقتصر الاهتمام على القطيعة الصارخة، تختفي عن الأنظار سجلّات أخرى يُعاش من خلالها العنف.
لا تقتصر الحرب والقمع على الحدث، بل يؤثّران أيضًا في بنية العمل والتعليم والسكن والاستهلاك والتنقل. ولا يُخفّف توثيق الممارسات العادية من وطأة العنف، لكنه يُبيّن كيف يتغلغل في النسيج المادي للوجود. وحين يقتصر التحليل على القطيعة الدرامية وحدها - كالصورة التي تنتشر كالنار في الهشيم، والاعتقالات الجماعية، والجثة الملقاة في الشارع، والمبنى الذي تعرّض للقصف - فإن ذلك يُضيّق فهمنا لآلية عمل العنف. فالعنف يصوغ أيضًا تلك الظروف الهادئة التي تتشكّل في ظلها المقاومة، والانسحاب، والتخطيط، والرعاية. ويتطلب الاستماع إلى الأصوات على أرض الواقع توثيق لا التحدي فحسب، بل أيضًا الظروف المادية التي يُحافظ فيها على هذا التحدي، أو يُستنزف، أو يُعاد ضبطه، أو يُتجنَّب.
في هذا السياق، يُقال أحيانًا إن الاهتمام باليوميات العادية يُخاطر بتطبيع الحرب أو القمع، كما لو أن الحياة اليومية والعنف يقصي واحدهما الآخر. غير أنّ هذين المجالين لا يمكن فصلهما، بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين. فالشعب يواصل العمل، والتسوق، وترميم المنازل، ورعاية الآباء المسنين، والوقوف في طوابير البنوك أو الصيدليات، وإرسال الحوالات المالية، والذهاب إلى المدرسة، وتجديد الوثائق، والاحتفال بأعياد الميلاد، ليس لأن الحياة طبيعية، بل لأن الحياة تستمر في خضم القسر واضطرابات الحرب. وتجري هذه الأفعال وسط شوارع يسودها التشديد الأمني والحواجز، قرب الجنازات والاعتقالات والغارات الجوية، وانقطاع الإنترنت، وتأخّر الأجور، وارتفاع الأسعار، وعلى خلفية التصعيد الإقليمي والمناورات الدبلوماسية. فالحياة العادية لا تنفصل عن الحرب والقمع، بل تُعاش في خضمّهما.
غالبًا ما يتطلب الحفاظ على الحياة الإمساك بسجلَّين متناقضين في آن معًا. وفي هذا السياق، وصف أحد المحاورين - وهو مُعلّم في حيّ من أحياء الطبقة الوسطى الدنيا في طهران - كيف يتجنّب تجمّع على مائدة العشاء، منقسم حول الحرب وتغيير النظام والقيادة، الجدال عامدًا. ليتحوّل النقاش، بدلًا من ذلك، إلى حسابات عملية: تخزين الطعام تحسّبًا لجولة أخرى من الصراع، وتحويل المدخرات إلى ذهب، والتعامل مع انقطاعات الإنترنت، والمزاح حول اللغة المشفرة المستخدمة في الهواتف. وتُعدّ محادثات كهذه سياسية، لكنها ليست مثيرة. فهي متجذّرة في الظروف المادية والقسرية والجيوسياسية للحياة اليومية - الأجور والأسعار والمراقبة والرقابة والحرب (والتهديد بها) وواجبات القرابة - وفي الحاجة إلى مواصلة العيش وسط حالة من عدم اليقين والخلاف العميقَين. وما يُظهره توثيق هذه المفاوضات، هو أنّ الشعب لا يواجه الكارثة فحسب، بل يعيشها كذلك.
يظهر انكماش مماثل في البحث في سجل آخر أيضًا: التعامل مع أرقام الضحايا خلال احتجاجات كانون الثاني/ يناير. كان التحقق بالغ الصعوبة، في ظل القيود الممنهجة المفروضة على المعلومات (بما في ذلك قطع الإنترنت، وتجريم الإبلاغ، وتقييد وصول الصحافيين والمراقبين). تشير الأرقام الإيرانية الرسمية إلى أن عدد القتلى قارب 3000، في حين تُفيد منظمات الرصد المستقلة ومبادرات التوثيق في الشتات بوجود عدة آلاف من الوفيات المؤكدة، كما تشير بعض المصادر الطبية والمسؤولين المقتبَس عنهم في التقارير الدولية إلى أن الإجمالي قد يصل إلى عشرات الآلاف. وتعكس هذه التباينات حالة عدم اليقين العميقة الناجمة عن قطع الإنترنت وتقييد إمكان التحقق[40].
في هذه الظروف، لا تعكس التراوحات العددية الواسعة قلّة الأدلة المتاحة فحسب، بل تعكس أيضًا العتبات المنهجية والممارسات المؤسسية والاستثمارات السياسية في إظهار الخسائر أو إخفائها. وقد شهدت أماكن أخرى ديناميات معرفية مماثلة. فقد خضعت أرقام الضحايا في غزة لنزاع طويل نظرًا إلى تقييد الوصول، وتدمير البنية التحتية للتوثيق، والتنافس السياسي المحتدم بشأن التحقق[41]. وفي كلا السياقين، لا تقيس الأرقام الخسائر فحسب، بل تصبح مواقع يجري من خلالها التفاوض على السلطة والاعتراف والشرعية.
في الحالة الإيرانية، تفاقمت الخلافات حول الأرقام، بفعل الاعتبارات السياسية التي شكلت آفاقًا تحليلية متنافسة. فبالنسبة إلى بعض المراقبين، أصبحت التقديرات المرتفعة ضرورة أخلاقية، ضمن إطار محلّي في المقام الأول؛ إذ اعتُبر الإصرار على أرقام أعلى ضروريًا لمقاومة طمس الدولة للواقع ومنع العنف من الانزلاق إلى تقليصٍ إحصائي وإفلاتٍ من المساءلة. ومن هذا المنظور، فإن الحذر المنهجي يُنذر بخطر إعادة إنتاج أنماط مألوفة تخفف عنف السلطة أو تعلّقه.
أمّا بالنسبة إلى آخرين، فقد كان التشكيك في الأرقام المرتفعة نتيجة قلق مختلف النطاق، يتمحور حول التداول الجيوسياسي. ويعكس هذا الحذر قلقًا بشأن كيفية تداول الأرقام: كيف أمكن دمج أرقام الضحايا في أجندات شن الحروب؟ وكيف بدت وسائل الإعلام والمؤسسات السياسية الغربية في بعض الأحيان على استعداد غير معتاد لنشر أعداد كبيرة غير موثقة في إيران، في حين تُبدي حذرًا أو تأخيرًا شديدين عند الإبلاغ عن الخسائر الفلسطينية؟ ومن المعلوم أنها أرقام خضعت تاريخيًا لمراجعات تصاعدية متتالية مع تحسن الوصول إليها. ومن هذا المنظور، فُهم التدقيق المنهجي على أنه جهد لمقاومة استغلال المعاناة ضمن أنظمة المعلومات العالمية.
في الواقع، في ظل ظروف القمع والتعتيم، يستحيل الإحصاء الدقيق؛ والأخطاء واردة في كلا الاتجاهين. لكن عدم اليقين ليس مبررًا لإغلاق باب النقاش، بل هو ما يجعل النقاش المنهجي المتواصل ضروريًا. فالمقصود ليس الاتفاق على رقم، بل التساؤل عن كيفية استخدام هذه الأرقام المختلفة في الواقع. غير أنّه بدلًا من فتح هذا المجال، اشتد الخلاف؛ فقد تحولت الأرقام من كونها موضوعات للبحث إلى مؤشرات على الاصطفاف السياسي.
إلى جانب الضغوط المحيطة بكيفية سرد الحرب والقمع، تكشف هذه الخلافات عن نمط مشترك؛ فالسرد والقياس الكمي كلاهما يمكن أن يتحول إلى اختبارات أخلاقية تُختزل في التعقيد. ففي حالةٍ، يُسطّح الأرشيف بتفضيل القطع المذهل، وفي الأخرى، يُعاد ترميز المنهج نفسه على أنه ولاء.
لكن هذه الخلافات المعرفية، تتكشف ضمن إطار معياري مسبق، ينبغي ألّا يحجبه الاختلاف المنهجي: مسألة مساءلة الدولة. فالاختلاف في الإحصاءات لا يُعفي السلطات الحاكمة من المسؤولية. حتى لو كان هناك عناصر مسلحة أو "محرضون" بين الحشود في احتجاجات كانون الثاني/ يناير، كما زعم المسؤولون مرارًا وتكرارًا، فإن هذا لا يُعفي من المساءلة[42]. فالسلطة تحتكر سلطة القسر وتتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية شعبها. ولذلك، تمتد المسؤولية إلى ما هو أبعد من أعمال العنف الفردية لتشمل الإخفاقات في الوقاية، وتصعيد استخدام القوة، والظروف السياسية والمادية الأوسع التي دفعت إلى الاضطرابات في المقام الأول.
يبرز هذا الأمر جليًا على نحو خاص بالنظر إلى تبرير الدولة الطويل الأمد للتدخلات الإقليمية، ذلك التبرير الذي يتجسد في عبارة "إن لم نقاتل هناك، فسوف نقاتل هنا". فقد صُوّرت الحرب الخارجية على أنها ضرورية لضمان الاستقرار الداخلي؛ غير أنّ السلطات ذاتها التي دعت إلى ساحات المعارك البعيدة لتبرير العسكرة فشلت في حماية مواطنيها من عنف الاحتجاجات الفتّاك، أو في معالجة الظروف الاقتصادية والسياسية التي أدت إلى انتفاضة كانون الثاني/ يناير. والزعم بأنّ الأمن يتطلب امتدادًا خارجيًا لم يمنع تقوّض الأمن في الداخل. تبقى مسؤولية الحوكمة - ومسؤولية الأرواح التي تشكّلت وفُقدت في سياق ممارستها – من صلب بنية الحكم.
إذا ما أُخذت هذه الخلافات حول السرد والأرقام مجتمعةً، فإنها تكشف عن صراع أعمق حول السلطة المعرفية: من يُحصي، ومن يُصدَّق، ومن يُحدد ما يُعتبر حجة مسؤولة؟ ذلك لأنّ الأرقام والصور والشهادات لا تتحدث من تلقاء نفسها، بل تكتسب معناها من خلال أطر تفسيرية تُحدد المصادر المعترف بها ذات الصدقية والمزاعم المرفوضة. ليست السلطة، بهذا المعنى، ثابتة ولا مُعطاة. بل تُبنى وتُنازَع عبر مؤسسات وأنظمة إعلامية وصراعات سياسية، وتُرسَّخ من خلال التكرار والاستشهاد والتأييد المؤسسي. ولذلك، فإن حركات الاحتجاج في إيران، شأنها شأن نضالات المتمردين في أماكن أخرى، لا تواجه أنظمة الحكم فحسب، بل تواجه أنظمة الفهم والتفسير أيضًا. فحين تتعامل الأوساط الأكاديمية والعامة مع أطر معيّنة على أنها منزّهة عن النقد - سواءً من خلال تمييز معايير محددة، أو تجاهل أدلة غير ملائمة، أو تضييق نطاق التفسير المقبول - فإنها تُخاطر بإعادة إنتاج ضروب الانغلاق ذاتها التي تسعى إلى نقدها؛ الأمر الذي يُقيد الانفتاح السياسي والفكري الذي تحاول الاحتجاجات خلقه.
تُوضح هذه المخاطر حدود التدخل الأكاديمي وضرورته في آنٍ واحد. فنادرًا ما يُحرك الجدل الأكاديمي عتلات سلطة الدولة بصفة مباشرة؛ فهو لا يُسيّر الجيوش، ولا يفرض العقوبات، ولا يُشرّع السياسات، بل يعمل على أرضية مختلفة، مُشكّلًا المجال التفسيري الذي تُفهم فيه هذه القوى، أو تُبرر، أو تُنازَع. ولذلك، تساعد المفاهيم التي يتداولها الباحثون، والمقارنات التي يجيزونها، والصمت الذي يحافظون عليه، في تشييد بنية ما يمكن التفكير فيه وما هو مستبعد. وفي لحظات الاضطراب، يكتسب هذا الجهد التفسيري أهمية بالغة، ليس لأنه يحسم الصراع السياسي، بل لأنه يصوغ الطريقة التي يُسرد بها هذا الصراع ويُتذكَّر ويُخاض.
حين نعجز عن توجيه السلطة، يغدو دورنا أن نجعلها مفهومة. فليس الدفاع عن النقاش، بهذا المعنى، دفاعًا عن تجريد، بل عن تفكير جمعي تحت الضغط، وعن الحفاظ على الظروف التي تسمح بوجود الاختلاف من دون أن يُقمع.
خاتمة
أظهرت هذه الدراسة أنّ الصراعات حول إيران تشكّلت ضمن فضاء متصدع وله توسطاته، فلا يمكن اختزاله إلى موضوع تحليل واحد أو ذات سياسية موحدة. إن ما يبرز في المقابل، هو مجال تُشكَّل فيه الحياةُ السياسية وتُفسَّر في آنٍ واحد عبر قوى متداخلة، حيث لا يمكن فصل الظروف المادية عن تمثيلها. وفي هذا الفضاء، لا يظهر "الشعب الإيراني" على أنّه مرجع ثابت، بل كصورة طارئة، تُستحضر وتُجمَّع ويُعاد صوغها عبر مشاريع سياسية متنافسة وشبكات دلالية عابرة للحدود الوطنية.
ما يبرز من هذا التحليل هو طريقة مختلفة لفهم الواقع السياسي. فالخلافات التي تبدو تفسيرات متنافسة تضرب بجذورها في مواقع غير متكافئة، ضمن مجال بناه انعدام تناظر القوة والمعرفة والتداول. ولا يقتصر الأمر على اختلاف تفسير الفاعلين للمشهد ذاته، بل يتعدّاه إلى مواجهتهم تكويناتٍ له متباينة، تشكِّلها الظروف التي تجعله مرئيًا وقابلًا للمعرفة.
في هذا الضوء، لا يُعدّ انتشار المزاعم التي تُطلق باسم "الشعب" تشويهًا يلزمه تصحيح، بل حالةً تستدعي التحليل. فهذه المزاعم لا تعكس الواقع السياسي فحسب، بل تُشارك في تشكيله. فهي تُنظّم ما يُصبح مرئيًا، وما يُصبح قابلًا للتنفيذ، وما يختفي عن الأنظار. والمشكلة التحليلية لا تكمن، إذًا، في كيفية استعادة صوتٍ واحدٍ أو صوت ذي صدقية، بل كيف تُصبح أصواتٌ مُحدّدةٌ بمنزلة الصوت الجمعي، وكيف تكتسب هذه التمثيلات سلطةً عبر ميادين غير متكافئة.
تترتّب على هذه الآراء تبعاتٌ منهجية. فمعاملة الحكم السلطوي والتدخل الجيوسياسي، على أنهما مجالَين منفصلين، يُخفي كيفية عملهما معًا لتشكيل كلٍّ من القيود والإمكانات. في الوقت ذاته، وما إن يُفهم المعنى على أنه مُنتَجٌ من خلال التداول، لا يعود من الممكن التعامل مع التأويل، بوصفه وصفًا محايدًا. فهو يتكشّف ضمن أطرٍ مؤسسيةٍ وجيوسياسيةٍ، تمنح السلطة على نحو غير متكافئ، وتُحدّد ما يُعتبر معرفةً موثوقة. ولذلك، يتجه العمل التحليلي إلى تتبّع كيف تُتبنّى المزاعم، ويُتحقق من صحتها، وتُضخَّم، وكيف تترسخ بعض التفسيرات في حين تنحسر أخرى. بهذا المعنى، يصبح التحليل السياسي بحثًا عن الكيفية التي تُجمع بها المعرفة بمختلف المقاييس، وكيف تُسهم في تشكيل الوقائع التي تسعى إلى وصفها.
يحوّل هذا الأمر الانتباه نحو مسائل إجرائية: كيف يستمر البحث من دون طمس الاختلاف؟ وكيف يظل التحليل متجاوبًا مع التداخل من دون اختزاله إلى ثنائية أخلاقية؟ وكيف يظل التفاعل مع المزاعم السياسية رهنًا لشروط ظهورها ومساراتها اللاحقة؟ في ظل هذه الظروف، لا ينتهي التحليل بنهاية محسومة ومغلقة، بل يستمر ممارسةً تُبقي الفضاء مفتوحًا لفهم التمايز والوساطة والتداخل معًا، من دون أن يكون مجبرًا على التوصل إلى حلول سابقة لأوانها.
إذًا، لا تكمن مساهمة هذه الدراسة في استعادة الصوت الموثوق لـ "الشعب الإيراني"، بل في إظهار كيف يُنتج هذا الصوت، وتُضفى الشرعية عليه، ويُنازَع ضمن مجال جيوسياسي لا ينفصل فيه القيد المادي عن التمثيل عبر توسطات.
المراجع
Alemzadeh, Maryam. “IRGC and Terrorism-Related Sanctions: Why They Fail, What They Achieve.” Middle East Brief 160. Crown Center for Middle East Studies. Brandeis University )September 2024(. at: https://acr.ps/hBxSOls
Amnesty International. “What Happened at the Protests in Iran?” 26/1/2026. at: https://acr.ps/hBxSO72
Asayesh, Omid. “Homo Emigraturus: Exploring the Collective Yearning for Migration, The Case of Iran.” PhD diss. University of Calgary. 2024.
Bajoghli, Narges et al. How Sanctions Work: Iran and the Impact of Economic Warfare. Stanford, CA: Stanford University Press, 2024.
Bayat, Asef. “A Women’s Non-Movement: What It Means to Be a Woman Activist in an Islamic State.” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East. vol. 27, no. 1 (May 2007).
Brookshaw, Dominic Parviz & Seena B. Fazel (eds.). The Baha’is of Iran: Socio-Historical Studies, London and New York: Routledge, 2008.
Davari, Arash & Nazanin Shahrokni. “Reflections on the June 2025 War (Dossier Introduction): Of Crisis and the Search for Political Grammar in Iran.” Jadaliyya. 11/9/2025. at: https://acr.ps/hBxSOJB
Farzanegan, Mohammad Reza. “Effects of International Financial and Energy Sanctions on Iran’s Informal Economy.” SAIS Review of International Affairs. vol. 33, no. 1 (2013).
Farzanegan, Mohammad Reza & Nader Habibi. “The Effect of International Sanctions on the Size of the Middle Class in Iran.” European Journal of Political Economy. vol. 90 (December 2025) Article 10274.
Golkar, Saeid. “Authoritarian Upgrading in Action: Iran’s Security Apparatuses After the Women, Life, Freedom Movement.” Digest of Middle East Studies. vol. 35, no. 2 (Spring 2026).
Golkar, Saeid. Captive Society: The Basij Militia and Social Control in Iran. New York: Columbia University Press, 2015.
Kadivar, Mohammad Ali. “Why the Iranian Regime Owns the Streets.” Journal of Democracy. 9/4/2026. at: https://acr.ps/hBxSOCT
Kadivar, Mohammad Ali & Saber Khani. Uneven Incorporation: Ethnic Inequality Across Social Domains in Iran. SocArXiv, Center for Open Science, 2026.
Kadivar, Mohammad Ali et al. “Contingency of Structures: Triggers and the Social Geography of Revolutionary Episodes in Iran 2017–2022.” SSRN Electronic Journal. 28/11/2025. at: https://acr.ps/hBy0N8Y
Khatib, Rasha, Martin McKee & Salim Yusuf. “Counting the Dead in Gaza: Difficult but Essential.” The Lancet. vol. 404, no. 10449 (July 2024).
Lob, Eric, Diba Mirzaei & Hamid Talebian. “Iran in the Aftermath of the Twelve-Day War.” GIGA Focus Nahost no. 5. Hamburg: German Institute for Global and Area Studies, 2025.
Mohajer, Nasser. Voices of a Massacre: Untold Stories of Life and Death in Iran, 1988. London: Oneworld Publications, 2020.
Moradian, Manijeh. “Feminist Uprising in Iran and the Politics of Solidarity.” Meridians. vol. 25, no. 1 (2026).
Motevalli, Golnar, Krishna Karra, Tom Fevrier, and Raeedah Wahid. “Satellite Data Reveal Scope and Scale of US-Israeli Strikes on Iran.” Bloomberg. 22/4/2026. at: https://acr.ps/hBxSODe
Povey, Tara. “Reformism, Economic Liberalization and Popular Mobilization in Iran.” Middle East Critique. vol. 28, no. 4 (2019).
Rahimi, Hemn. “From Indignation to Impasse: Decoding the Zhina Uprising with Spinoza’s Theory of Affects and Group Consciousness.” Critique. vol. 53, no. 4 (2025).
Rivetti, Paola. “What Happens In-Between Mobilizations? Building and Organizing Contentious Politics at the University of Tehran (2007–2017).” Partecipazione e Conflitto. vol. 13, no. 1 (2020).
Rivetti, Paola & Francesco Cavatorta. “The Importance of Being Civil Society’: Student Politics and the Reformist Movement in Khatami’s Iran.” Middle Eastern Studies. vol. 49, no. 4 (2013).
Sadeghi-Boroujerdi, Eskandar. “Iran’s Uprisings for ‘Women, Life, Freedom’: Over-determination, Crisis, and the Lineages of Revolt.” Politics. vol. 43, no. 3 (August 2023).
_______. “Iran and the ‘Axis of Resistance’: A Brief History.” Jadaliyya. 19/5/2025. at: https://acr.ps/hBxSOBy
Salehi-Isfahani, Djavad. The Impact of Sanctions on Household Welfare and Employment in Iran. Social Science Research Network (SSRN). August 2022.
_______. “The Impact of Sanctions on Household Welfare and Employment in Iran.” Middle East Development Journal. vol. 15, no. 2 (September 2023).
Shahrokni, Nazanin. “The Politics of Polling: Polling and the Constitution of Counter-Publics during ‘Reform’ in Iran.” Current Sociology 60, no. 2 (2012).
_______. Women in Place: The Politics of Gender Segregation in Iran. Oakland: University of California Press, 2020.
_______. “In Her Name: (Re)Imagining Feminist Solidarities in the Aftermath of the Iran Protests.” Feminist Studies. vol. 48, no. 3 (2022).
_______. “Women, Life, Freedom in Iran.” History Today. vol. 72, no. 11 (2022).
_______. “Depleted Households: ‘Domesticating’ Economic Sanctions.” Humanity: An International Journal of Human Rights, Humanitarianism, and Development. vol.14, no. 2 (2023).
_______. “Bodies in Revolt: Challenging the State in Iran.” Current History. vol. 122, no. 848 (December 2023).
Shahrokni, Nazanin & Spyros A. Sofos. “Mobilizing Pity: The Dialectics of Narrative Production and Erasure in the Case of Iran’s #BlueGirl.” Globalizations. vol. 19, no. 2 (2022).
Shams, Alex. “Our Man for Tehran.” Boston Review. 6/8/2025. at: https://acr.ps/hBxSORE
Siamdoust, Nahid. “Women Reclaiming Their Voices for Life and Freedom: Music and the 2022 Uprising in Iran.” Iranian Studies. vol. 56, no. 3 (July 2023).
Valadbaygi, Kayhan. “Neoliberalism and State Formation in Iran.” Globalizations. vol. 19, no. 8 (January 2022).
_______. “Beyond the IRGC: The Rise of Iran’s Military-Bonyad Complex.” Clingendael Institute. 2/10/2025. at: https://acr.ps/hBxSOtv
Wimmer, Andreas & Nina Glick Schiller. “Methodological Nationalism and Beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences.” Global Networks. vol. 2, no. 4 (October 2002).
[1] Ayça Çubukçu, “Notes on Campist Internationalism,” Verso Blog, 22/1/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOMX; Farah Mokhtareizadeh, “Vijay Prashad’s Iran,” Substack, 17/4/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSNQW; Manijeh Moradian, “Feminist Uprising in Iran and the Politics of Solidarity,” Meridians, vol. 25, no. 1 (2026), pp. 156-180
[2] Mohammad Ali Kadivar et al., “Contingency of Structures: Triggers and the Social Geography of Revolutionary Episodes in Iran 2017–2022,” SSRN Electronic Journal, 28/11/2025, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBy0N8Y; Nazanin Shahrokni, “Bodies in Revolt: Challenging the State in Iran,” Current History, vol. 122, no. 848 (December 2023), pp. 323-328.
[3] Paola Rivetti, “What Happens In-Between Mobilizations? Building and Organizing Contentious Politics at the University of Tehran (2007–2017),” Partecipazione e Conflitto, vol. 13, no. 1 (2020), pp. 586-606.
[4] Hemn Rahimi, “From Indignation to Impasse: Decoding the Zhina Uprising with Spinoza’s Theory of Affects and Group Consciousness,” Critique, vol. 53, no. 4 (2025), pp. 549-569; Eskandar Sadeghi-Boroujerdi, “Iran’s Uprisings for ‘Women, Life, Freedom’: Over-Determination, Crisis, and the Lineages of Revolt,” Politics, vol. 43, no. 3 (August 2023), pp. 404-438.
[5] “Prince Pahlavi’s Protest Call Draws Massive Online Traction,” Iran International, 8/1/2026, accessed on 5/9/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSNYZ
[6] ينظر:
Amnesty International, “What Happened at the Protests in Iran?” 26/1/2026, accessed on 5/9/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSO72
[7] “‘Help Is on Its Way,’ Trump Tells Iranians as He Urges Them to Keep Protesting,” BBC News, 11/1/2026, accessed on 5/9/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOf5
[8] Margaret Brennan, Elizabeth Palmer & James LaPorta, “Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei Killed in Strikes, Led Theocratic Regime for Decades,” CBS News, 28/2/2026, accessed on 5/9/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOn8
[9] Elizabeth Melimopoulos, “Who Bombed the Iranian Girls’ School, Killing More Than 170? What We Know,” Al Jazeera, 12/3/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOvb
[10] Golnar Motevalli et al., “Satellite Data Reveal Scope and Scale of US-Israeli Strikes on Iran,” Bloomberg, 22/4/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSODe
[11] Joanna York, “‘Panic and Fear’: Iran Political Prisoners Face Increasing Danger Amid US-Israel War,” France 24, 5/3/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOLh
[12] Ghoncheh Habibiazad, “Iran Taking Steps to Prevent Anti-Establishment Protests, Tehran Residents Tell BBC,” BBC News, 16/3/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSNPg
[13] Mohammad Ali Kadivar, “Why the Iranian Regime Owns the Streets,” Journal of Democracy, 9/4/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOCT
[14] ينظر:
Suzan Fraser, “Iranian Official Says US ‘Maximalist’ Demands Stall Face-to-Face Talks,” Associated Press, 19/4/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSNXj
[15] Andrew Gumbel, “‘It’s not an Invasion, It’s a Liberation’: LA’s Iranian Community Speaks out after US Strikes Tehran,” The Guardian, 1/3/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSO5m
[16] ينظر:
Amy Goodman, “‘War on the Iranian People’: Nationalism Grows in Iran in Defiance of Deadly U.S. and Israeli Strikes,” Democracy Now! 12/3/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOdp
[17] Andreas Wimmer & Nina Glick Schiller, “Methodological Nationalism and Beyond: Nation–State Building, Migration and the Social Sciences,” Global Networks, vol. 2, no. 4 (October 2002), pp. 301-334.
[18] Narges Bajoghli et al., How Sanctions Work: Iran and the Impact of Economic Warfare (Stanford, CA: Stanford University Press, 2024).
[19] Maryam Alemzadeh, “IRGC and Terrorism-Related Sanctions: Why They Fail, What They Achieve,” Middle East Brief 160, Crown Center for Middle East Studies, Brandeis University )September 2024), accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOls; Mohammad Reza Farzanegan, “Effects of International Financial and Energy Sanctions on Iran’s Informal Economy,” SAIS Review of International Affairs, vol. 33, no. 1 (2013), pp. 13-36.
[20] Nazanin Shahrokni, “Depleted Households: ‘Domesticating’ Economic Sanctions,” Humanity: An International Journal of Human Rights, Humanitarianism, and Development, vol. 14, no. 2 (2023), pp. 293-308.
[21] Saeid Golkar, “Authoritarian Upgrading in Action: Iran’s Security Apparatuses After the Women, Life, Freedom Movement,” Digest of Middle East Studies, vol. 35, no. 2 (Spring 2026), e70017.
[22] Mohammad Reza Farzanegan & Nader Habibi, “The Effect of International Sanctions on the Size of the Middle Class in Iran,” European Journal of Political Economy, vol. 90 (December 2025), Article 102749; Kayhan Valadbaygi, “Beyond the IRGC: The Rise of Iran’s Military-Bonyad Complex,” Clingendael Institute, 2/10/2025, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOtv; Kayhan Valadbaygi, “Neoliberalism and State Formation in Iran,” Globalizations, vol. 19, no. 8 (January 2022), pp. 1-15.
[23] Eskandar Sadeghi-Boroujerdi, “Iran and the ‘Axis of Resistance’: A Brief History,” Jadaliyya, 19/5/2025, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOBy
[24] Eric Lob, Diba Mirzaei & Hamid Talebian, “Iran in the Aftermath of the Twelve-Day War,” GIGA Focus Nahost, no. 5, Hamburg: German Institute for Global and Area Studies, 2025.
[25] Saeid Golkar, Captive Society: The Basij Militia and Social Control in Iran (New York: Columbia University Press, 2015).
[26] Djavad Salehi-Isfahani, “The Impact of Sanctions on Household Welfare and Employment in Iran,” Middle East Development Journal, vol. 15, no. 2 (September 2023), pp. 189-221; Djavad Salehi-Isfahani, The Impact of Sanctions on Household Welfare and Employment in Iran, Social Science Research Network (SSRN) (August 2022)
[27] Nazanin Shahrokni, Women in Place: The Politics of Gender Segregation in Iran (Oakland: University of California Press, 2020).
[28] Arash Davari & Nazanin Shahrokni, “Reflections on the June 2025 War (Dossier Introduction): Of Crisis and the Search for Political Grammar in Iran,” Jadaliyya, 11/9/2025, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOJB
[29] Tara Povey, “Reformism, Economic Liberalization and Popular Mobilization in Iran,” Middle East Critique, vol. 28, no. 4 (2019), pp. 365-380; Paola Rivetti and Francesco Cavatorta, “The Importance of Being Civil Society’: Student Politics and the Reformist Movement in Khatami’s Iran,” Middle Eastern Studies, vol. 49, no. 4 (2013), pp. 645-660; Nazanin Shahrokni, “The Politics of Polling: Polling and the Constitution of Counter-Publics during ‘Reform’ in Iran,” Current Sociology, vol. 60, no. 2 (2012), pp. 247-267.
[30] Alex Shams, “Our Man for Tehran,” Boston Review, 6/8/2025, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSORE
[31] Nasser Mohajer, Voices of a Massacre: Untold Stories of Life and Death in Iran, 1988 (London: Oneworld Publications, 2020).
[32] Reza Afshari, “The Discourse and Practice of Human Rights Violations of Iranian Bahaʾis in the Islamic Republic of Iran,” in: Dominic Parviz Brookshaw & Seena B. Fazel (eds.), The Baha’is of Iran: Socio-Historical Studies (London: Routledge, 2008), pp. 232-277.
[33] Asef Bayat, “A Women’s Non-Movement: What It Means to Be a Woman Activist in an Islamic State,” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 27, no. 1 (May 2007), pp. 160-172; Nazanin Shahrokni and Spyros A. Sofos, “Mobilizing Pity: The Dialectics of Narrative Production and Erasure in the Case of Iran’s #BlueGirl,” Globalizations, vol. 19, no. 2 (2022), pp. 205-219.
[34] Nahid Siamdoust, “Women Reclaiming Their Voices for Life and Freedom: Music and the 2022 Uprising in Iran,” Iranian Studies, vol. 56, no. 3 (July 2023), pp. 577-583.
[35] Mohammad Ali Kadivar and Saber Khani, Uneven Incorporation: Ethnic Inequality Across Social Domains in Iran (SocArXiv, Center for Open Science, 2026).
[36] Omid Asayesh, “Homo Emigraturus: Exploring the Collective Yearning for Migration, The Case of Iran,” PhD dissertation, University of Calgary, 2024.
[37] Shahrokni & Sofos, “Mobilizing Pity.”
[38] Nazanin Shahrokni, “In Her Name: (Re)Imagining Feminist Solidarities in the Aftermath of the Iran Protests,” Feminist Studies, vol. 48, no. 3 (2022), pp. 896-901.
[39] Nazanin Shahrokni, “Women, Life, Freedom in Iran,” History Today, vol. 72, no. 11 (2022), accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOKW
[40] ينظر:
Tess McClure & Deepa Parent, “Disappeared Bodies, Mass Burials and ‘30,000 Dead’: What Is the Truth of Iran’s Death Toll?” The Guardian, 27/1/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSO3G; Maziar Motamedi, “Narrative War: Who Killed Thousands During Iran’s Nationwide Protests?” Al Jazeera, 19/1/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSObJ
[41] ينظر:
Rasha Khatib, Martin McKee & Salim Yusuf, “Counting the Dead in Gaza: Difficult but Essential,” The Lancet, vol. 404, no. 10449 (July 2024), pp. 237-238; Mohammad Mansour, “Gaza Death Toll Exceeds 75,000 as Independent Data Verify Loss,” Al Jazeera, 18/2/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOjM
[42] ينظر:
“Strange Figures and Unexplained Killings: Clues Mossad Infiltrated Iran’s Protests,” Middle East Eye, 1/4/2026, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOrP; “Iran Claims to Bust Mossad-Linked Cells Trying to Exploit Protests,” The Times of Israel, 10/1/2023, accessed on 5/9/2026, at: https://acr.ps/hBxSOzS