كامران يغانيغي ( The Cradle العربي)
تستأنف ناقلات النفط السعودية تحميل شحناتها في ينبع، بعد أقل من ثلاثة أسابيع من ضربات بطائرات مسيّرة أدت إلى إغلاق خط أنابيب شرق–غرب الذي يغذي ميناء البحر الأحمر. وفي 24 سبتمبر/أيلول، أفيد بأن الخام بدأ يتدفق مجددًا باتجاه الغرب، رغم أن أي سفينة لم تكن قد بدأت تحميل شحنتها بعد.
وبحلول 29 سبتمبر/أيلول، ذكرت مصادر تجارية وبيانات الشحن أن عمليات التحميل استؤنفت. وقدّم توقف الخط واستعادة تشغيله درسًا مكلفًا بشأن ما يمكن أن يفعله مسار نفطي يتجاوز مضيق هرمز، وما لا يمكنه فعله.
تمثل ينبع وجيهان وبانياس ثلاث حالات مختلفة تمامًا ضمن هذه البدائل عن عبور مضيق هرمز. تمتلك ينبع خط أنابيب يعمل بطول 1200 كيلومتر ومحطة تصدير قائمة. أما جيهان، فهي تحمّل بالفعل الخام العراقي، لكن التدفقات العراقية الحالية تُقاس بمئات الآلاف، وليس بملايين البراميل يوميًا. وقد يوفر ميناء بانياس للعراق في نهاية المطاف منفذًا كبيرًا على البحر المتوسط، لكنه في الوقت الحالي لا يزال مشروعًا يحتاج إلى بنية تحتية وتمويل جديدين، فضلًا عن اتفاقات سياسية وحماية أمنية عبر دولتين هشتين.
تبدأ المقارنة بالنفط الذي يصل فعليًا إلى الناقلات أثناء الأزمات، فالسعة الاستيعابية لخط الأنابيب لا تعني شيئًا ما لم تتوافر محطات الضخ ومرافق التصدير والحماية الأمنية اللازمة على طول المسار.
شريان ينبع المكشوف
يمتلك خط أنابيب "شرق–غرب" السعودي، البالغ طوله 1200 كيلومتر، قدرة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا. وقبل ضربات أيلول/سبتمبر، كانت التدفقات المعلنة عبر خط الأنابيب أقل من هذا السقف. وقد تضررت ثلاث محطات ضخ، وأدى توقف الخط إلى وقف تحميل الخام في ينبع. وحمّلت الرياض فصائل المقاومة العراقية المسؤولية، بينما نفت المقاومة الإسلامية في العراق تنفيذ الهجوم. وأدانت بغداد الهجوم وفتحت تحقيقًا بشأنه.
لم يؤد إعادة تشغيل الخط في 22 أيلول/سبتمبر إلى استعادة الصادرات فورًا. إذ كان يتعيّن أن يصل الخام إلى ينبع وأن تُعاد تعبئة المخزونات قبل أن تتمكن الناقلات من التحميل. ووفقًا لبيانات الشحن التي استشهدت بها "رويترز"، غادرت سفينتان كان من المقرر أن تحملا شحنات في 23 أيلول/سبتمبر من دون حمولة.
واستؤنفت عمليات التحميل بعد أيام، بعدما أدى استهداف محطات الضخ الواقعة على بعد مئات الكيلومترات داخل السعودية إلى إبقاء الميناء متوقفًا عن العمل.
كانت ينبع تستقبل نحو 2 إلى 2.65 مليون برميل يوميًا عندما عادت الناقلات إليها. وكان المتعاملون يتوقعون ارتفاع التدفقات إلى 3–4 ملايين برميل يوميًا، لكن العودة إلى المستوى الذي سبق الهجوم، والبالغ نحو 5.5 ملايين برميل يوميًا، قد تستغرق شهرًا آخر.
وأصبحت الرحلة أكثر تكلفة أيضًا. فقد ارتفعت أقساط التأمين المرتبطة بمخاطر الحرب للناقلات المرتبطة بالسعودية والمتجهة إلى ينبع إلى نحو 3% من قيمة السفينة، مقارنة بأقل من 1% في أوائل تموز/ يوليو.
وبالنسبة إلى ناقلة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار وتحمل مليوني برميل، فإن قسطًا بنسبة 3% يضيف نحو 1.50 دولار إلى تكلفة كل برميل قبل احتساب الوقود أو أجور الشحن. وهكذا قد تتجاوز ينبع مضيق هرمز، لكن شركات التأمين تفرض تكلفة مرتفعة على هذا المسار البديل.
ومع ذلك، تظل الشحنات المتجهة إلى آسيا أمام خيار العبور عبر جنوب البحر الأحمر وباب المندب. وقد جعلت هجمات وتحذيرات الجيش المتحالف مع أنصار الله في اليمن المرور عبر هذه المياه أكثر كلفة وغموضًا. وأشار الرئيس التنفيذي لشركة "هايدمار ماريتايم هولدينغز"، بانكاغ خانا، إلى مشكلة أخرى تواجه ملاك السفن، تتمثل في افتقار البحر الأحمر إلى الحماية البحرية الأميركية التي تتوافر أحيانًا في محيط مضيق هرمز.
لقد نجت السعودية من مضيق هرمز، لكنها وجدت نفسها ترسل نفطها باتجاه مضيق آخر. فالشحنات المتجهة إلى أوروبا يمكنها الإبحار شمالًا عبر البحر الأحمر، بينما يتعين على الشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية سلوك الطريق جنوبًا. ويحد هذا الانقسام من هامش المناورة أمام الرياض لإعادة توجيه شحناتها النفطية عندما تتصاعد المخاطر في محيط باب المندب.
مشكلة الإمدادات الجنوبية لجيهان
يقوم ميناء جيهان التركي بالفعل بتحميل الخام العراقي، رغم أن الإمدادات التي تصل إليها من الشمال لا تزال صغيرة مقارنة بالكميات المصدرة عبر الخليج. وبلغت التدفقات نحو 200 ألف برميل يوميًا في منتصف أيلول/سبتمبر، بأقل من 50 ألف برميل بعد أن كان يتدفق نحو 250 ألف برميل يوميًا قبل الحرب.
تكمن الصعوبة التي تواجه بغداد في إيصال النفط من حقولها الجنوبية الشاسعة إلى منظومة التصدير الشمالية.
وبدأ العراق بنقل النفط الجنوبي إلى الشمال عبر الطرق البرية. وأرسلت تجربة أجريت في أيلول/سبتمبر 209 شاحنات صهريجية تحمل نحو 38 ألف برميل إلى كركوك خلال يومين. وقالت شركة نفط البصرة لاحقًا إن نحو 250 ألف برميل يوميًا كان يجري نقلها شمالًا من أجل تصديرها لاحقًا عبر ميناء جيهان.
وتفيد قوافل الشاحنات خلال الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل خط أنابيب ذو قدرة عالية. فقد بلغ متوسط التجربة الأولى نحو 182 برميلًا لكل مركبة. ونقل 250 ألف برميل بهذه الوتيرة سيتطلب نحو 1370 رحلة لشاحنات محملة، مع عودة المركبات جنوبًا للقيام بالرحلة التالية.
وتفرض ظروف الطرق ونقاط التحميل قيودًا إضافية. وبالتالي، فإن توسيع صادرات عبر ميناء جيهان يعتمد بدرجة أقل على المحطة التركية، وبدرجة أكبر على وجود اتصال موثوق بين الجنوب والشمال في العراق.
وحذر محلل الطاقة ريتشارد برونز من "إنرجي أسبكتس" من التعامل مع البنية التحتية البديلة باعتبارها بديلًا كاملًا عن مضيق هرمز. وقال لـ"ARAB NEWS": "فكرة أن مضيق هرمز سيتوقف عن كونه مهمًا أو سيصبح بلا قيمة هي مجرد شعارات فارغة".
وبالنسبة للعراق، يوفر الطريق إلى جيهان منفذًا. لكنه لا يستطيع حتى الآن نقل الخام الجنوبي بالحجم الذي يخفف اعتماد بغداد على الخليج.
بانياس على امتداد خريطة الحرب
تعد مدينة بانياس السورية الخيار الأكثر طموحًا لأنها يمكن أن تعيد رسم خريطة صادرات العراق. فقد وافق العراق على دراسات أولية لمقارنة مسارات تشمل البصرة – حديثة – كركوك – جيهان والبصرة – حديثة –بانياس، بمشاركة ائتلاف يضم شركات "شيفرون" و"تي آي كابيتال" و"يو سي سي" القطرية.
وتقدّر "تشاتام هاوس" شبكة العراق – سوريا الأوسع بنحو 15 مليار دولار، مع قدرة أولية مقترحة تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا، وإمكانية أن يستغرق البناء نحو أربع سنوات.
وقدّم مسؤولون سوريون تصورًا زمنيًا أقصر إلى حد ما. إذ قال رئيس الشركة السورية للنفط، يوسف قبلاوي، في آب/أغسطس إن مشروع خط أنابيب حديثة – بانياس قد يستغرق نحو 30 شهرًا إلى ثلاث سنوات بعد التوصل إلى الاتفاقات النهائية وإنجاز الأعمال الهندسية.
وحتى الجدول الزمني الأقصر يضع بانياس خارج نطاق أزمة الشحن الحالية، بافتراض تأمين الاتفاقات والتمويل.
كما أن المشكلة الأمنية للمسار أكثر تعقيدًا من مجرد خط مرسوم على الخريطة. فخط أنابيب من حديثة باتجاه سوريا سيمر عبر غرب العراق، بما في ذلك مناطق لا تزال خلايا تنظيم "داعش" تشكل فيها مصدر قلق، قبل دخوله شرق سوريا، حيث لا تزال سلطة الدولة هشة وتواصل جماعات مسلحة نشاطها.
وأشارت "تشاتام هاوس" في أيلول/سبتمبر إلى أن جهات مسلحة، من بينها "داعش"، هاجمت آبار النفط وشاحنات الصهاريج في شرق سوريا، في حين يترك النظام الأمني المجزأ في العراق عدة أطراف قادرة على عرقلة البنية التحتية أو تحصيل إيرادات منها.
كما ستظل ضربات "إسرائيل" ووجودها العسكري في سوريا عاملًا مؤثرًا في أي خط أنابيب يصل إلى بانياس. ولا توجد أدلة على أن "إسرائيل" تخطط لمهاجمة المشروع، لكن أي مسار يُبنى عبر الأراضي السورية سيعتمد على ضمانات أمنية لا تستطيع دمشق تقديمها حتى الآن.
وبانياس نفسها، فهي أكثر جاهزية من أن يوحي به وصفها بأنها مجرد مشروع "إعادة إعمار". فقد جرى بالفعل نقل زيت الوقود العراقي بالشاحنات عبر سوريا والتعامل معه في المحطة، بما يثبت إمكانية تشغيل سلسلة لوجستية تجارية عبر هذا المسار.
وتمنح هذه التجارة القائمة المشروع موطئ قدم، لكن التعامل مع زيت الوقود المنقول بالشاحنات يختلف كثيرًا عن تحميل 1–2 مليون برميل يوميًا من الخام المنقول عبر خط أنابيب.
وسيتعين توسيع قدرات التخزين وأنظمة الضخ والأرصفة وموثوقية المحطة بما يتناسب مع ذلك.
وقد تضرر خط كركوك – بانياس القديم بشدة، وربما تتبع الشبكة المخطط لها مسارًا آخر. وبالتالي، فإن حركة الشاحنات الحالية لا تقدم سوى مؤشر محدود على حجم التكلفة وأعمال البناء المطلوبة للتعامل مع تدفقات خام مستمرة.
وتشكل العقوبات قيدًا آخر، وإن كانت أقل حدة مما كانت عليه في عهد بشار الأسد. فقد رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية الواسعة عن سوريا في عام 2025، مع الإبقاء على إجراءات أمنية وعقوبات محددة، كما ألغت الولايات المتحدة في آب/أغسطس 2026 تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
وهذا يقلل، لكنه لا يلغي، مخاطر الخدمات المصرفية والتأمين والعناية الواجبة ومخاطر الأطراف المقابلة لمشروع تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات.
نفوذ إيران يمر عبر العراق
غالبًا ما يُطرح المنطق الجيوسياسي وراء مسارات التصدير عبر غرب العراق باعتبارها وسيلة للحد من النفوذ الإيراني على مضيق هرمز. غير أن نفوذ طهران في العراق يمتد أيضًا عبر تجارة الطاقة، والتنظيمات السياسية، والفصائل المسلحة المنخرطة في المنظومة الأمنية العراقية المجزأة.
وفي الوقت نفسه، لا تتعامل طهران مع العراق بالطريقة نفسها تمامًا التي تتعامل بها مع دول الخليج الأخرى. وقال مصطفى خوشجشم، وهو معلق سياسي في التلفزيون الإيراني، لقناة "الجزيرة" في آب/أغسطس إن إيران تنظر إلى العراق باعتباره "دولة صديقة"، وإنها سمحت لبعض ناقلات النفط العراقية بالمرور عبر مضيق هرمز.
وأضاف أن بغداد "وقفت دائمًا في وجه الولايات المتحدة". وهذا يمثل قراءة إيرانية لموقف بغداد.
كما أن تحرك العراق نحو ممرات تصدير عبر غرب البلاد مدعومة من الخليج والولايات المتحدة سيغير بدوره طبيعة النفوذ الاقتصادي المحيط به.
ومن شأن التوسع عبر بانياس أو جيهان أن يمنح بغداد مساحة أكبر للتفاوض بشأن صادراتها من دون قطع علاقاتها مع إيران. كما أن الاستثمارات الخليجية ستجلب شركاء جددًا في مجال العبور ومصادر جديدة لرأس المال، لكنها لن تؤدي تلقائيًا إلى تغيير اصطفاف العراق السياسي.
وتسير المسألة الأمنية في الاتجاهين. فقد تمثل فصائل المقاومة المتحالفة مع إيران مصدرًا من مصادر الضعف إذا رأت أن ممرًا معيّنًا يهدد مصالحها الاستراتيجية. كما يمكن لفلول تنظيم "داعش" ووجهاء محليين ذوي نفوذ أن يعرقلوا المشروع، في حين قد تؤدي الخلافات بين دول العبور إلى وقف التدفقات من دون الحاجة إلى وقوع هجوم.
وتشكل المضخات المتضررة في ينبع تحذيرًا بشأن مدى تعرض الممرات البرية للخطر.
تواجه مسارات التصدير الأخرى المقترحة أمام العراق عقبات خاصة بها. فإحياء خط أنابيب العراق عبر السعودية (IPSA)، المتوقف منذ سنوات، يتطلب موافقة الرياض وإجراء أعمال إصلاح واسعة. أما خط البصرة – العقبة، فيستلزم إنشاء خط أنابيب يعبر غرب العراق والأردن.
ويعمل خط أنابيب سوميد المصري بالفعل، لكن بغداد لا تملك وسيلة مباشرة لإيصال الخام العراقي إليه. وفي الوقت الراهن، تظل محطات التصدير الجنوبية على الخليج المنفذ الوحيد للعراق القادر على التعامل مع صادرات النفط على نطاق واسع.
ما الذي يصل إلى الناقلة؟
حتى أوائل تشرين الأول/أكتوبر، يستطيع ميناء ينبع نقل أكبر حجم محتمل، لأن خط الأنابيب والميناء موجودان بالفعل. لكن الرقم الاسمي البالغ 7 ملايين برميل يوميًا يبالغ في تقدير القدرة القابلة للتصدير فورًا، في حين تظل تكاليف الشحن عبر البحر الأحمر والمخاطر المرتبطة بباب المندب مصدر قلق.
وتستطيع جيهان تحميل الخام العراقي في الوقت الحالي، لكن زيادة التدفقات تعتمد على حل مشكلة الخدمات اللوجستية الداخلية بين شمال العراق وجنوبه.
أما بانياس، فتقدم أكبر تحول جيوسياسي محتمل، لكنها لا تزال تحتاج إلى سنوات ومليارات من الدولارات واتفاقات أمنية قبل أن تتمكن من نقل الخام على نطاق واسع.
ويظل مضيق هرمز محورًا رئيسيًا لتجارة النفط في المنطقة، رغم استثمار الدول في تطوير مسارات بديلة لتجاوزه. وتنقل مسارات ينبع وجيهان وبانياس جزءًا من المخاطر المرتبطة بالمضيق إلى محطات الضخ، والممرات الصحراوية، وشركات التأمين، أو حكومات دول العبور. ولن تُقاس قيمة هذه المسارات بحجم الطاقة الاستيعابية المعلن عنها في مخططات المشاريع، بل بكمية النفط التي تتمكن من الوصول إلى الناقلات عندما يصبح طريق الخليج مهددًا.