مقالات

الدراما كساحة للصراع السردي: لماذا أثار "صحاب الأرض" قلق إسرائيل؟

post-img

(رانيا مكرم - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)
لم تعد قدرة الجيوش على الحسم الميداني المعيار الوحيد لإنهاء صراع ما، بل أصبحت قدرة الفاعلين في هذا الصراع على فرض روايتهم وتثبيت معناها لدى الوعي الجمعي العام معياراً مهماً أيضاً. إذ باتت تخاض الصراعات على مستويين متوازيين: ميدان عسكري تتحرك فيه الجيوش، وميدان رمزي تتصارع فيه السرديات.

في هذا السياق، لم تعد الدراما هامشاً على جانب الصراعات، بل تحولت إلى أحد مسارحه الفاعلة؛ كونها تعيد تركيبها داخل بنية قصصية تنتج تعاطفاً، وتخلق انحيازاً وجدانياً، وترسخ إطاراً أخلاقياً لفهم مجريات الصراعات، من خلال نقل هذه الصراعات من مستوى الأخبار إلى مستوى الذاكرة والوجدان.

ضمن هذا الإطار، جاء المسلسل المصري "صحاب الأرض" ليطرح نفسه بوصفه عملاً يتجاوز القصة الدرامية إلى مساحة اشتباك مع واحدة من أكثر القضايا أهمية في الإقليم، وهي القضية الفلسطينية، وتطورها الأخير المتمثل في الحرب على غزة. فجاء العمل ليعيد سرد أحداث هذه الحرب من زاويا إنسانية تركز على المعاناة المدنية تحت القصف والحصار.

قوبل المسلسل برد فعل إسرائيلي غير اعتيادي، لم ينحصر في اختلاف القراءة التاريخية، بل اتخذ طابعاً دفاعياً واضحاً، وكأن العمل الدرامي يشكل تهديداً معنوياً ينبغي احتواؤه. إذ هاجمت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي إيلا واوية المسلسل من خلال مقطع فيديو نشرته على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي قالت فيه: "أصحاب الأرض، الفن رسالة بس لما يبقى نظيف، غير كده يبقى غسيل عقول وتزييف حقائق"، كما اتهمت العمل بالتحريض، معتبرة أن التحريض ليس بالهتاف فقط ولكن قد يكون مسلسلاً أو مشهداً مفصلاً.

كما شنت القناة 12 بالتلفزيون الإسرائيلي هجوماً مماثلاً على المسلسل مشيرة إلى أنه محاولة للتركيز على دور مصر في مساعدة أهل غزة على البقاء فيها ونجاحها في منع إسرائيل من تهجيرهم، وأن العلاقة التي يظهرها المسلسل بين الطبيبة المصرية والمرضى الفلسطينية تهدف إلى التلميح للعلاقة بين الشعب المصري وأهالي غزة.

ويعكس الانتقاد الإسرائيلي للمسلسل إدراكاً بأن المعركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل على الشاشة أيضاً؛ وأن خسارة مصداقية السردية الإسرائيلية مقابل السردية المصرية قد تكون، في المدى البعيد، أكثر تكلفة من خسارة جولة عسكرية. وهنا يطرح سؤال مهم نفسه لماذا يثير عمل درامي مصري هذا القدر من القلق لدى إسرائيل؟

تكمن الإجابة على هذا التساؤل في طبيعة اللحظة السياسية التي جاء فيها المسلسل، وفي التحول المتسارع لمفهوم الصراع ذاته بعد أكتوبر 2023. فمنذ عملية طوفان الأقصى، دخل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة من التنافس على الصورة والمعنى، فيما بات الرأي العام العالمي ساحة حاسمة لا تقل أهمية عن خطوط الاشتباك العسكرية. وبالتالي يصبح أي إنتاج فني واسع الانتشار فرصة لإعادة الحدث كعنصر فاعل في معركة الإدراك.

حرب إدراك
منذ عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، لم يعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يدار فقط عبر موازين القوة العسكرية، بل عبر موازين التأثير الرمزي أيضاً. فكل عملية عسكرية كبرى كانت تواكبها معركة موازية لإقناع الرأي العام بتعريفات مختلفة لها؛ هل ما يجري "دفاع عن النفس" أم "عقاب وانتقام جماعي"؟، هذه الثنائية اللغوية ليست مجرد تفصيلة يمكن تجاهلها بل أصبحت جوهر الصراع، لأن المفردة المختارة تحدد الإطار الأخلاقي والسياسي الذي يقرأ من خلاله الحدث.

في هذا السياق، برز مفهوم حرب الإدراك "Perception War" باعتباره أحد أعمدة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية المعاصرة. فالمؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل باتت تدرك أن شرعيتها الدولية خاصة لدى الغرب تعتمد إلى حد كبير على قدرتها على تثبيت روايتها بوصفها دولة تدافع عن نفسها في مواجهة تهديدات وجودية. ومن هنا يصبح التحكم في الصورة المنتشرة، والمصطلح المستخدم، جزءاً أصيلاً من محددات الأمن القومي لديها.

وقد أسهم التحول النوعي بعد أكتوبر 2023 المتمثل في تدفق الصور من غزة رغم الحصار على الفضاء الرقمي بشكل غير مسبوق، في مواجهة الرواية الإسرائيلية تحديات بصرية وأخلاقية كبيرة. فالمشاهد اليومية للدمار والضحايا المدنيين أعادت صياغة النقاش داخل الرأي العام العالمي، ودفعت قطاعات واسعة حتى داخل المجتمعات الغربية إلى مواجهة الخطاب الرسمي الإسرائيلي. ودفع حكومات بلادها للاعتراف بدولة فلسطين، وبالتالي، أصبح أي عمل درامي يعيد سرد الأحداث من زاوية إنسانية فلسطينية عنصراً مضاعف التأثير، لأنه ينقل الصورة من سياقها الإخباري اللحظي إلى سياق سردي طويل الأمد.

هنا يمكن فهم الانتقاد الإسرائيلي لمسلسل "صحاب الأرض" باعتباره حلقة في مواجهة أوسع مع ما تعتبره إسرائيل "إعادة تأطير للصراع"، في ظل ما يقدمه المسلسل درامياً من ترسيخ لانحياز وجداني يخدم القضية ويخلق مجدداً تعاطفاً كبيراً معها. إذ تقدم إسرائيل داخل النص الدرامي في صورة قوة عسكرية غاشمة تتسبب في معاناة شعب، وبالتالي يهدد ذلك التصوير الإطار السردي الذي تحاول تثبيته عن نفسها كضحية تاريخية كونها دولة محاصرة بالتهديدات.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تصريحات المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، باعتبارها تدخلاً مباشراً في المجال الثقافي العربي. فالتوصيف الذي قدمته إسرائيل للعمل وهو الـ "تحريض" و"تزييف الحقائق" لا يهدف فقط إلى نقد ما يقدمه من محتوى، بل يهدف إلى نزع شرعيته الأخلاقية، من خلال وصفه بدعاية سياسية، وليس وسيلة تعبير فني.

واللافت هنا أن هذا التدخل النقدي من جانب إسرائيل للمسلسل يعكس إدراكاً لا يمكن إغفاله بقوة الدراما العربية، وخاصة المصرية، في تشكيل المزاج العربي العام، نظراً لانتشارها وسهولة فهم لهجتها في باقي الدول العربية، فببساطة إذا كان العمل محدود التأثير، لما استدعى رداً رسمياً. لكن القلق الإسرائيلي هنا ينبع من احتمال تحول المسلسل إلى أداة تثبيت وجداني لرواية مضادة، تعيد إدراك الحدث في الذاكرة الشعبية على مدى سنوات قادمة، وتقدم تعريفاً مبسطاً للأجيال التي لم تواكب الأحداث الكبرى التي شكلت القضية الفلسطينية على مدى سنوات.

عامل التوقيت
لا يمكن فهم حجم التفاعل الإسرائيلي مع المسلسل بمعزل عن توقيت عرضه ومنصته. فموسم الدراما الرمضانية في المجال العربي ليست مجرد دورة برمجية سنوية، بل هي ذروة المشاهدة الجماعية التي تتكثف فيها نسب المتابعة، وتتراجع فيها المنافسات الأخرى لصالح الشاشة. في هذا الشهر تتحول الدراما إلى روتين اجتماعي يومي، تتشكل عبره النقاشات العائلية والجدالات العامة ومنشورات المنصات الرقمية. ومن ثم، فإن أي عمل يعرض في هذا السياق يكتسب تأثيراً لا يتوافر له في مواسم أخرى.

كما يمثل شهر رمضان أيضاً فترة وجدانية بامتياز؛ حيث تتعاظم الحساسية الأخلاقية، وتتقدم فيها القيم الإنسانية في المزاج العام. وعندما يبث عمل يتناول الحرب والضحايا المدنيين في هذا المناخ المشحون عاطفياً، فإن المتلقي غالباً ما تتعاظم فيه مشاعر التعاطف أو الغضب أو الحزن، وهي مشاعر تحسب حسابها إسرائيل بشدة، فهذه البيئة الانفعالية تمنح الصورة الدرامية قدرة أكبر على الرسوخ في الذاكرة، وتحول المشاهدة من استهلاك ترفيهي إلى تجربة وجدانية جمعية.

وهنا تدرك إسرائيل هذه الخصوصية. فالتجربة السابقة مع أعمال مثل "فارس بلا جواد" في مطلع الألفية، أو الجدل الذي أحاط بمسلسلات أمنية وسياسية لاحقاً، أظهرت أن الدراما المصرية يمكن أن تحدث صدى يتجاوز حدود الدولة. لذا، فإن عرض "صحاب الأرض" في موسم ذروة المشاهدة يعني من منظور إسرائيلي أن الرواية المقدمة لن تبقى محصورة في جمهور محلي، بل ستنتشر عبر الفضاء العربي، ثم تعاد تدويرها على منصات التواصل، وربما تلتقطها وسائل إعلام دولية بوصفها تعبيراً عن المزاج الشعبي.

ثمة بعد آخر يتعلق بالمنصة ذاتها. فالمسلسل لا يشاهد فقط عبر البث التلفزيوني التقليدي، بل عبر المنصات الرقمية التي تتيح إعادة المشاهدة والاقتطاع والنشر. فكل مشهد يمكن أن يتحول إلى مقطع قصير متداول، بما يوسع دائرة تأثيرها ويطيل عمرها الزمني.

محاولات التطبيع الثقافي
في مقابل حالة العداء الشعبي، سعت إسرائيل خلال السنوات الأخير إلى توسيع نطاق ما يمكن تسميته بـ "التطبيع الثقافي الناعم"، من خلال بناء مساحات تواصل غير سياسية مباشرة عبر الفن والإعلام والرياضة والمنصات الرقمية. تقوم الفكرة الجوهرية في هذا المسار على تجاوز البعد الرسمي للسلام القائم على الاتفاقيات والبروتوكولات الرسمية إلى مستوى شعبي أعمق يتعلق بإعادة تشكيل الصورة الذهنية لإسرائيل داخل المجتمعات العربية، بحيث تتحول من عدو تاريخي إلى فاعل إقليمي طبيعي يمكن التعامل معه بوصفه أمراً واقعاً. وقد تعزز هذا المسار بعد توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، غير أن ما تكشفه حالة مسلسل "صحاب الأرض" هو أن العلاقات السياسية لا تصل بالضرورة إلى تطبيع وجداني أو ثقافي. إذ أن المجال الثقافي أكثر تعقيداً وأبطأ في التحول من حالة إلى أخري، بسبب ارتباطه بالذاكرة الجمعية والرموز التاريخية.

وفي هذا السياق؛ تمثل الأعمال الدرامية مثل "صحاب الأرض"، شكلاً من أشكال الارتداد على موجة التطبيع الناعم، مع إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الوجداني العربي، وهو ما يعكسه أيضاً الجدل الإسرائيلي حول المسلسل، الذي يكشف إدراك الفجوة بين ما هو رسمي وما هو ثقافي. فبينما قد تنجح إسرائيل في إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع بعض دول المنطقة، يبقى الرهان الأصعب هو اختراق البنية العاطفية والثقافية للمجتمعات.

بهذا المعنى، لا يقرأ المسلسل فقط كعمل فني يتناول معاناة قطاع غزة من ويلات الحرب عليه، بل كمؤشر على أن الوجدان الجمعي ما زال يتفاعل بقوة مع القضية الفلسطينية، وأن محاولات إعادة تعريف الصراع بوصفه شأناً ثانوياً لم تنجح في إزاحته من مركز الوعي الجمعي المصري والعربي. ومن هنا يمكن فهم حساسية التفاعل الإسرائيلي؛ إذ باتت المسألة لا تتعلق بمسلسل، بل بسؤال أوسع حول مدى نجاح محاولات التطبيع الثقافي، وحدود قدرته على إعادة تشكيل الخريطة الرمزية للصراع في الوجدان العربي.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.