د. حمدي عبد الرحمن - مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
لا تُعد الحملة الإفريقية المتجددة التي تكتسب زخماً متسارعاً لاستبدال "إسقاط مركاتور"، مجرد نقاش تقني حول رسم الخرائط؛ بل هي أيضاً مسألة هوية سياسية، وعدالة معرفية، وكرامة قارية. وقد أيد الاتحاد الإفريقي حملة "صححوا الخريطة"؛ وهي دعوة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع لاستخدام نوع مختلف من خرائط العالم، وقد جمعت الحملة حتى اليوم آلاف التوقيعات.
وكلف الاتحاد الإفريقي توغو بتعزيز هذه الحملة. وأكد وزير خارجية توغو، روبرت دوسي، في مقابلة مع وكالة "رويترز"، يوم 13 إبريل الجاري، أن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة إفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن "إسقاط مركاتور" الذي يعود إلى القرن السادس عشر.
وفي هذا السياق، يسعى هذا التحليل إلى مناقشة الصحوة الإفريقية المطالبة بتصحيح موقعها بعيداً عن أوهام علم الخرائط الأوروبي.
"إرث مركاتور":
ليس بخاف أن الخريطة الأكثر شيوعاً هي التي تستخدم "إسقاط مركاتور". وتُعرف إسقاطات الخرائط بأنها الطريقة التي يستخدمها رسامو الخرائط لتحويل الأرض ثلاثية الأبعاد إلى خريطة ثنائية الأبعاد. ولعل ما يثير الاستغراب حقاً أن جزيرة غرينلاند التي أضحت محور جدل سياسي مؤخراً، تتمتع بمكانة متضخمة في رسم الخرائط الأوروبية المركزية. فهي تعبير عن أعراض المركزية الذاتية المبالغ فيها لأوروبا والشمال العالمي في الشؤون العالمية وتاريخ البشرية. وفي الخرائط التي تستخدم "إسقاط مركاتور"، تبدو غرينلاند كبيرة مثل حجم إفريقيا، على الرغم من أن إفريقيا في الواقع أكبر بأربع عشرة مرة من غرينلاند. ويُضخّم هذا الرسم المُسطّح مساحة الدول القريبة من القطبين الشمالي والجنوبي، ويُبالغ في تصوير مساحة أمريكا الشمالية وأوراسيا، بينما يُقلل من مساحة جزء كبير من أمريكا الجنوبية وإفريقيا. وباعتبارها أكبر قارة في الجنوب العالمي؛ فإن إفريقيا تقع ضحية لهذا التفاوت الجغرافي.
ومن المعلوم أن الخرائط ليست محايدة بالضرورة، فهي لا تخلو من القيم أبداً؛ إذ تستبطن دوماً نيات وتحيّزات مُصمّميها. فمن خلال إبراز أوروبا وأمريكا الشمالية وجعل إفريقيا تبدو هامشية؛ حملت خريطة "مركاتور" تعبيرات بصرية تُعبر عن الصور النمطية السائدة في الحقبة الاستعمارية، والتي تؤكد دونية الأفارقة في سلم الاستعلاء الحضاري الغربي.
وفي ذلك السياق، اُستخدمت الخرائط كأداة للهيمنة في مؤتمر برلين (1884-1885) الذي رسم حدوداً اصطناعية لإفريقيا على الورق. وقد دفع ذلك مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى وصف "إرث مركاتور" صراحة بأنه أطول حملة تضليل في العالم. وما يزال هذا التشويه، الذي يعود إلى قرون مضت، يؤثر في وسائل الإعلام والكتب المدرسية والسياسات العامة. وليس من قبيل المصادفة أن تتعلم الأجيال الصاعدة في إفريقيا رسم خرائط تقزم قارتها وتضخم قارات أخرى؛ أي إنه من خلال التقليل من شأن إفريقيا بصرياً، تدعم إسقاطات الخرائط السائدة روايات الدونية الإفريقية وتضع القارة في موقع هامشي.
وفي الواقع، إفريقيا التي تبلغ مساحتها نحو 30.4 مليون كيلومتر مربع هي ثاني أكبر قارة بعد آسيا (44.6 مليون كيلومتر مربع)، تليها أمريكا الشمالية (24.7 مليون كيلومتر مربع)، وأمريكا الجنوبية (17.8 مليون كيلومتر مربع)، وأوروبا (10.2 مليون كيلومتر مربع)، وأستراليا (8.5 مليون كيلومتر مربع).
وليس من المستغرب أن المثقفين الأفارقة وفي بلاد المهجر يدعون منذ فترة طويلة إلى إنهاء ما وصفوه باستعمار الأوهام المعرفية الأوروبية المركزية. وفي هذا الإطار، شعر الاتحاد الإفريقي بأنه مضطر للانضمام إلى النضال في رسم الخرائط؛ حيث أيد حملة "تصحيح الخريطة"، واستبدال "إسقاط مركاتور" بـ"إسقاط الأرض المتساوية"، الذي يحافظ على الحجم النسبي الحقيقي لكتل اليابسة.
تداعيات إفريقية:
في علم رسم الخرائط، توجد عشرات الإسقاطات التي ينظر كل منها إلى خريطة العالم بطريقة مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن "إسقاط غال-بيترز" اُستخدم في الماضي لتجاوز أخطاء "إسقاط مركاتور". ويمكن توضيح أهم التداعيات المعرفية والسياسية والاقتصادية التي ترتبت على الترويج لأوهام الخرائط الأوروبية بالنسبة لتطور إفريقيا ومكانتها في النظام الدولي، على النحو التالي:
1- التشوهات الإدراكية والمعرفية: تُظهر التداعيات العملية لتشويه "مركاتور" بوضوح زيف هذا التشويه؛ إذ تبدو غرينلاند، كما ذكرنا آنفاً، وكأنها تساوي إفريقيا، بينما يُظهر "إسقاط الأرض المتساوية" غرينلاند صغيرة جداً مقارنة بمساحة إفريقيا الحقيقية. وتتيح الأدوات الرقمية الحديثة مثل موقع (TheTrueSize) لأي شخص مقارنة حجم أي دولة أو منطقة بإفريقيا؛ مما يكشف زيف هذا الخطأ الذي يعود إلى قرون عديدة.
وما من شك أن هذه التشويهات تترك آثاراً نفسية على الأجيال المتعاقبة. هب أن طالباً إفريقياً يفتح أطلساً ليجد قارته صغيرة جداً مقارنة بأيسلندا أو ولاية تكساس الأمريكية. فهذا يعني أن الأطفال في إفريقيا وفي جميع أنحاء العالم يفتحون كتبهم المدرسية ويرون قارتهم على غير حجمها الحقيقي. وبهذا الشكل، تُصبح الخرائط غير محايدة، ولم يُقصد لها أن تكون كذلك. إنها تُشكّل طريقة تعلّمنا، وكيف نتصور القوة، وكيف نرى أنفسنا. وربما تُعد الخرائط شكلاً من أشكال السرد القصصي، فضلاً عن كونها مصدراً للمعلومات. حتى الخطوط والألوان والرموز وأحجام المناطق والبلدان الموضحة على الخرائط، تحمل دلالات اجتماعية؛ فهي تُثقف الناس، من تلاميذ المدارس إلى قادة العالم، بطريقة غير مباشرة؛ لكنها مؤثرة حول الإجابة عن سؤال من نحن وما هو مهم. ومن المُرجح أن اهتمام الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشراء بلاده لجزيرة غرينلاند، مُستشهداً بمساحتها الشاسعة، قد تأثر بأوهام الخرائط الأوروبية.
2- الآثار السياسية والاقتصادية: إن اختيار الخريطة ليس مجرد مسألة أكاديمية؛ بل هو أساس لكيفية تقييم الدول. فعندما يعتمد صانعو السياسات والمعلمون على خرائط "مركاتور"؛ فإنهم يُرسّخون دون قصد روايات مُشوّهة؛ إذ تبدو إفريقيا صغيرة ونائية؛ مما قد يؤدي إلى تدني التوقعات بشأن الأسواق أو النفوذ.
وتُظهر الأبحاث أن استراتيجيات التجارة والتنمية تتأثر بمثل هذه التحيزات الجغرافية. فعلى سبيل المثال، قد يُعزز إخفاء وجود إفريقيا على الخريطة الصور النمطية الإعلامية عن التبعية والأزمة، بدلاً من التركيز على الفاعلية والإمكانات الواعدة. إضافة إلى ذلك، فإن رمزية الخريطة ذات بُعد سياسي قوي. لنأخذ المفاوضات التجارية كمثال، قد يجد المسؤولون الأفارقة الساعون إلى تحقيق العدالة أنفسهم في وضع نفسي غير مواتٍ؛ إذا كانت المحافل الدولية تُهيمن عليها فعلياً كتل أرضية غربية ضخمة. إن عكس الخريطة وتصحيحها قد يُساعد على إعادة صياغة المشهد، فتبني أوروبا لخريطة متساوية المساحة، كما تسعى حملة "صححوا الخريطة"، من شأنه أن يُعزز رؤية عالمية تُقدّر التوازن والعدالة وشرعية جميع المناطق.
وفي الواقع، انضم حلفاء منطقة الكاريبي بالفعل إلى هذه الحملات، فقد أشادت لجنة التعويضات التابعة للجماعة الكاريبية (كاريكوم) بخريطة "الأرض المتساوية" باعتبارها رفضاً لأيديولوجية "مركاتور" القائمة على القوة والهيمنة. في الوقت نفسه، تروج الصين لإسقاطات تركز على الصين، حتى إن الكتب المدرسية الصينية تضع بلادها في المركز. في المقابل، من شأن إسقاط يركز على إفريقيا أن يرمز إلى دور القارة الفاعل في عالم جديد متعدد الأقطاب.
دعم الاتحاد الإفريقي:
يُعد دعم الاتحاد الإفريقي لحملة استبدال "إسقاط مركاتور" ذا أهمية بالغة؛ لأنه يُضفي ثقلاً مؤسسياً على نقد إفريقي قديم لانحياز الخرائط. ففي أغسطس 2025، أيد مسؤولو الاتحاد الإفريقي دعوات موجهة للحكومات والمنظمات الدولية لتبني "إسقاط الأرض المتساوية"؛ وهي خريطة متساوية المساحة مصممة لإظهار القارات بأبعادها الحقيقية. ولا يقتصر موقف الاتحاد الإفريقي على الجانب الجمالي فحسب؛ بل يرتبط بحجة أن الخرائط المشوّهة تُسهم في تشويه مواقع السلطة العالمية من خلال تصوير إفريقيا أصغر حجماً وأقل أهمية مما هي عليه في الواقع.
وقد صاغت منظمات المجتمع المدني الإفريقية القضية بشكل أكثر وضوحاً، واصفة "إسقاط مركاتور" بأنه "ظلم بصري" يُعيد إنتاج إرث الاستعمار من خلال تطبيع التقليل من شأن إفريقيا في النظام العالمي؛ لهذا السبب، تحوّل النقاش حول الخرائط إلى جدل مناهض للاستعمار؛ فهو يسعى إلى تحدي ليس فقط التشويه الجغرافي؛ بل أيضاً النظام الرمزي الذي جعل إفريقيا تاريخياً في مرتبة ثانوية؛ لذا فإن تأييد الاتحاد الإفريقي مهم؛ لأنه يحوّل النقد الخرائطي إلى مطالبة مؤسسية وقارية بشأن التمثيل والاحترام والمكانة العالمية.
ونظراً لأهداف الاتحاد الإفريقي الأوسع، يُعد دعم "إسقاط الأرض المتساوية" الخطوة الأولى في دفع المجتمع الدولي نحو رؤية العالم بمزيد من الإنصاف، وإعادة صياغة كيفية تقدير العالم لإفريقيا. ويمكن لحشد الدعم الاجتماعي للإسقاط الجديد، من خلال ورش عمل مع التربويين، والجهود الدبلوماسية، والمنتديات مع ناشري الكتب المدرسية، والصحفيين، والشركاء من الشركات الإفريقية؛ أن يُسهم في تحويل العالم بعيداً عن استخدام "إسقاط مركاتور" في الحياة اليومية. ويشير أدباء وباحثون من أمثال تشينوا أتشيبي وغيره من المثقفين المعاصرين، إلى أن الخرائط تُشكل التاريخ ضمنياً. وعليه، تصبح عملية تصحيح خريطة إفريقيا هي عملية استعادة معرفية، وجزءاً من تفكيك التصورات الاستعمارية التي قيّدت تطلعات الأفارقة.
ويشير التربويون الأفارقة إلى أن قيماً مثل العدالة والمعاملة بالمثل والإنسانية - التي لطالما كانت جوهرية في التقاليد الإسلامية والإفريقية - تدعو بالفعل إلى معاملة عادلة لجميع الشعوب. وكما أكد الجغرافيون الأوائل في الإسلام المعاملة المنصفة حتى في الحرب (احترام المعاهدات، ورعاية الأسرى، وتفضيل التقوى على القوة)، يمكن للتعليم الحديث أن يعكس الجغرافيا الأخلاقية. في الواقع، يمكن اعتبار أي رؤية جديدة تتمحور حول إفريقيا استمراراً لتقليد رسم الخرائط الذي لم يفرضه الغرباء؛ بل الأفارقة أنفسهم، والمتجذر في الكرامة والاحترام المتبادل. وقد بدأت قمم الاتحاد الإفريقي في تأييد استبدال خريطة "مركاتور" صراحة وتبني خريطة "الأرض المتساوية".
ممارسات الأمم المتحدة:
لطالما أقرت الأمم المتحدة والهيئات الدولية ذات الصلة بأنه لا توجد خريطة عالمية واحدة قادرة على تمثيل الشكل والمساحة معاً تمثيلاً كاملاً؛ ولهذا السبب تُستخدم إسقاطات مختلفة لأغراض مختلفة في رسم الخرائط الرسمي. وعملياً، هذا يعني أن "إسقاط مركاتور" ليس معياراً عالمياً محايداً؛ بل هو واحد من بين عدة إسقاطات، وأن استمرار هيمنته في الفصول الدراسية ووسائل الإعلام العامة هو مسألة عرفية وليست ضرورة. وهذا الأمر مهم لإفريقيا؛ لأن المؤسسات العالمية غالباً ما تعتمد على أُطر بصرية تؤثر في الدبلوماسية وخطاب التنمية والفهم العام.
لذلك، يجادل دعاة إصلاح الخرائط الأفارقة بأنه على المنظمات الدولية اعتماد إسقاطات بديلة مثل "الأرض المتساوية" في السياقات التعليمية والتمثيلية؛ تحديداً لأن الخرائط متساوية المساحة تعكس بشكل أفضل المقياس المكاني الحقيقي للقارة. وتُظهر ممارسات الأمم المتحدة في رسم الخرائط، إلى جانب الانتقادات الإفريقية لـ"إسقاط مركاتور"، أن اختيار الخريطة ليس بريئاً سياسياً؛ فالإسقاط المُختار قد يُعزز التسلسلات الهرمية القديمة أو يُسهم في تصحيحها؛ ومن ثم فإن خريطة أكثر دقة لإفريقيا تُعد أيضاً خريطة أكثر مسؤولية من الناحية الأخلاقية؛ لأنها تتجنب تضمين عدم المساواة بصرياً في الصورة الجغرافية الأكثر شيوعاً في العالم.
ختاماً، يمكن القول إن الخرائط ليست مجرد صور؛ لكنها قوة. ألم تسهم الخريطة المرسومة على خطوط "مركاتور"، في تهميش إفريقيا زمناً طويلاً؟! لكن الأمور تتغير؛ فالأصوات الإفريقية ترسم الآن مساراً مختلفاً. ومع ذلك، لن يحل استبدال "إسقاط مركاتور" بخريطة متساوية المساحة تتمحور حول إفريقيا جميع المشكلات بشكل سحري؛ لكنه سيكون بمثابة خطوة عملية قوية في تحرير المعرفة من الاستعمار، وسيمنح الأطفال الأفارقة الرؤية التي يستحقونها لقارتهم، ويُعيد تشكيل التصورات العالمية، ويُلهم خطاباً أكثر صدقاً حول التجارة والمعونة والجغرافيا السياسية.