مازن الغول (180Post)
غالباً ما يقدّم الذّكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence/AI) بوصفه تقنيّة خفيفة تعيش في السّحابة: نماذج تكتب، وتتنبّأ، وتولّد الصّور، وتجيب عن الأسئلة في لحظات. تبدو هذه الصّورة نظيفة ومجرّدة، كأنّ الذّكاء الاصطناعي لا يحتاج إلا إلى خوارزميّة وبعض البيانات. لكن السّحابة ليست فضاءً خالياً من الوزن. إنّها بنية ماديّة ضخمة من المناجم، والرّقائق، ومراكز البيانات، ومحطّات الكهرباء، وأنظمة التّبريد، وشبكات الألياف البصريّة، والمياه، والعمل البشري. لذلك لا يكفي أن نسأل هل أصبح الذّكاء الاصطناعي أسرع وأرخص وأكثر كفاءة. السّؤال الأهم هو: من يملك هذه البنية؟ من يستفيد منها؟ ومن يتحمّل آثارها البيئيّة والاجتماعيّة؟
كما أخفت السّلعة في السوق علاقات العمل والطبيعة التي صنعتها، تخفي الخوارزميّة اليوم العلاقات الماديّة التي تجعلها ممكنة. هذا ما يمكن تسميته بفتشيّة الخوارزميّة: أن يظهر الجواب على الشاشة كما لو أنّه نتاج عقلٍ اصطناعيّ مستقلّ، بينما هو في الحقيقة نتيجة شبكة من العمل البشري، الطاقة، المياه، المعادن، البنية التحتيّة، والتلوّث المؤجّل. وهنا يبدأ الوهم الإيديولوجي للذكاء الاصطناعي: فهو لا يخفي ما يستهلكه فقط، بل يخفي أيضاً علاقات السلطة التي تنظّم هذا الاستهلاك.
من هذا المنظور، لا يبدو الذّكاء الاصطناعي مجرّد ثورة تقنيّة، بل يظهر كاقتصادٍ استخراجيّ جديد. فهو يحوّل المعادن والمياه والطّاقة والعمل والبيانات إلى قيمة سحابيّة، بينما يوزّع التّلوّث والمخاطر على مجتمعات أقلّ قدرة على الاعتراض. إنّه ليس فقط أداة رقمية، بل سلسلة مادّية وسياسيّة تبدأ في المنجم، تمرّ بالرّقاقة ومركز البيانات، وتصل إلى النّموذج، ثم تعود في النهاية على شكل نفايات إلكترونيّة، وتراكم ماليّ، وسلطة سحابيّة.
تساعدنا العدالة البيئيّة (Environmental Justice) على طرح السّؤال الأوّل: من يتحمّل الضّرر؟ وتساعدنا البيئة الماركسيّة (Marxist Ecology) على طرح سؤالٍ أعمق: لماذا يعامل النّظام الطّبيعة بوصفها مدخلاً رخيصاً ومكبّاً للتّكاليف الخارجيّة، أي الأضرار التي لا تظهر في ميزانيّة الشّركة بل يتحمّلها المجتمع، أو البيئة، أو الأجيال القادمة؟ أمّا فكرة التّكنو-إقطاعيّة (Technofeudalism) عند يانيس فاروفاكيس، فتضيف سؤالاً ثالثاً: من يملك البنية السّحابيّة التي صار الآخرون يعتمدون عليها، ومن يستخرج الرّيع من هذا الاعتماد؟ بهذه العدسات الثّلاث، يصبح الذّكاء الاصطناعي أكثر من تقنية؛ يصبح صورة مكثّفة عن علاقة جديدة بين الطّبيعة والسّلطة والرّبح.
العدالة البيئيّة والصّدع الأيضي
تقوم العدالة البيئيّة على مبدأٍ بسيط: لا ينبغي أن تتحمّل جماعة بشريّة، بسبب الفقر أو العرق أو الأصل أو ضعف السّلطة السياسيّة، نصيباً غير عادلٍ من التّلوّث والمخاطر البيئيّة. وعند تطبيق هذا المبدأ على الذّكاء الاصطناعي تظهر الأسئلة بوضوح: أين تُبنى مراكز البيانات؟ من يستهلك المياه والطّاقة؟ من يعيش قرب المولّدات وتوربينات الغاز؟ من تتلوّث أرضه بسبب استخراج المعادن؟ ومن يحصل في النهاية على الأرباح والقوّة؟
أعاد جون بيلامي فوستر، في قراءته البيئيّة لماركس، إظهار مفهوم الصّدع الأيضي (Metabolic Rift) بوصفه فكرةً مركزيةً في نقد الرأسماليّة. فماركس لم يفهم العمل البشري بوصفه إنتاجاً اقتصادياً فقط، بل بوصفه تفاعلاً أيضياً بين المجتمع والطبيعة: تبادلاً مادياً يأخذ فيه المجتمع من الأرض معادن ومياهاً وطاقةً وعملاً، ويعيد إليها نفاياتٍ وتلوّثاً وانبعاثات. وحين تفصل الرأسماليّة هذا التبادل عن شروط تجدّده الطبيعي، تظهر قيمةٌ تتراكم في المركز، وخصوبةٌ أو ماءٌ أو عملٌ أو صحّةٌ تُستنزف في الأطراف.
ينطبق هذا على الذّكاء الاصطناعي بوضوح. يرى المستخدم شاشة نظيفة واستجابة سريعة، لكنه لا يرى منجم الكوبالت، ولا مصنع أشباه الموصلات، ولا الماء المستخدم في التّبريد، ولا الكهرباء المطلوبة للتّشغيل، ولا النّفايات التي ستنتج عندما تصبح الأجهزة قديمة. بهذا المعنى، يعمّق الذّكاء الاصطناعي الصّدع الأيضي: فهو يفصل الذّكاء الظّاهر عن الاستخراج الخفي الذي يجعله ممكناً.
في الفكر البيئي الماركسي، يشير الأيض الاجتماعي إلى التبادل المادي بين المجتمع والطبيعة: ما يأخذه المجتمع من معادن، ومياه، وطاقة، وعمل، وما يعيده إلى البيئة من نفايات، وتلوّث، وانبعاثات. وعندما ينفصل هذا التبادل عن حدود الطبيعة وعدالة المجتمع، يظهر ما يسمّى الصّدع الأيضي. لذلك لا يكفي أن نقول إنّ الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الطبيعة؛ الأدقّ أنّه يحتاج إليها رخيصةً، وصامتةً، ومطواعةً. يحتاج إلى ماءٍ لا تُحسب كلفته البيئيّة كاملةً، وإلى كهرباء لا يظهر أثرها الصحي في سعر الاستعلام، وإلى معادن لا تتضمن أسعارها تلوّث الأنهار أو استنزاف المجتمعات، وإلى عمل بشريّ لا يظهر خلف الواجهة، وإلى بيانات لا يعترف النظام دائماً بأصحابها. بهذا المعنى، ليست السّحابة نقيضاً للطبيعة، بل طريقة جديدة لإعادة تسعير الطبيعة والعمل والمعرفة بأقلّ من قيمتها الحقيقيّة.
هنا يظهر ما يسمّيه فوستر وبريت كلارك “مصادرة الطبيعة” أو “سرقة الطبيعة”: أن يتعامل رأس المال مع الماء، والهواء، والتربة، والمعادن، وقدرة البشر على العمل، بوصفها هباتٍ مجانيّةً أو شبه مجانيّة. لا تظهر هذه الهبات في سعر الخدمة الرقميّة كما تظهر الأرباح في ميزانيات الشركات. ولذلك تبدو الاستجابة التي يولّدها النموذج رخيصةً أو مجانيّةً، مع أنّها مشبعةٌ بتكاليف لا يدفعها المستخدم ولا الشركة كاملةً: ماء مستنزف، وطاقة محروقة، ومعادن مستخرجة، وعملٌ مخفيّ، ونفاياتٌ مؤجّلة.
إنّ هذا الانفصال في استهلاك وتوزيع الموارد الحيويّة يعيد إلى الأذهان قضايا العدالة البيئيّة الكلاسيكيّة، المسجّلة في الولايات المتحدة، مثل أزمة مياه مدينة “فلينت” (Flint Water Crisis) وسياسات قطع المياه في ديترويت المأزومة بالديون؛ حيث جرى التضحية تاريخياً بحقّ المجتمعات ذات الأغلبيّة السوداء والمهمّشة في مياه الشرب النظيفة والآمنة لصالح سياسات التقشّف المالي ومصالح الشركات الكبرى. واليوم، يتكرّر النمط عينه جغرافياً؛ إذ تواجه المجتمعات المحليّة في مناطق الإجهاد المائي منافسة غير عادلة مع مزارع الخوادم الضخمة التي تلتهم ملايين الغالونات من المياه العذبة يومياً لمجرّد تبريد معالجات النماذج اللغوية، مضحيةً بالأمن المائي الإنساني في سبيل استمرارية “السحابة الرقمية”.
من المنجم إلى الرّقاقة: كناري المنجم الرّقمي
لا يبدأ الذّكاء الاصطناعي عندما يكتب المستخدم أمراً في نافذة محادثة. يبدأ قبل ذلك بكثير، في الأرض نفسها. فالرّقائق والخوادم والشّبكات والبطّاريات وأنظمة التّبريد تعتمد على مواد مثل النّحاس، واللّيثيوم، والكوبالت، والنّيكل، والغرافيت، والعناصر الأرضيّة النّادرة. هذه المواد لا تظهر عادةً في خطاب الذّكاء الاصطناعي، لكنها جزء من بنيته الحقيقيّة. فالسّحابة ليست نقيضاً للمنجم، بل امتداداً له.
يمكن هنا استخدام صورة “كناري المنجم” الرّقمي. كان الكناري في المناجم القديمة إنذاراً مبكراً للخطر: إذا مات الطائر، عرف العمّال أنّ الهواء صار سامّاً. واليوم، يمكن النظر إلى مجتمعات التعدين في الجنوب العالمي بوصفها كناري المنجم في عصر الذّكاء الاصطناعي. فما يحدث في مناجم الكوبالت في الكونغو، أو في مناطق اللّيثيوم في جبال الأنديز، أو قرب مناطق معالجة العناصر الأرضيّة النّادرة، ليس تفصيلاً خارجيّاً؛ إنّه إنذارٌ مبكّرٌ بأن الذّكاء الاصطناعي، إذا تُرك لمنطق السّوق وحده، سيعيد إنتاج الاستخراج نفسه بأسماء جديدة.
تاريخيّاً، شرح ماركس هذا الصّدع من خلال الزراعة الرّأسماليّة. فالغذاء والألياف كانت تُنقل من الريف إلى المدن، حاملةً معها مغذيات التربة مثل النّيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم. لكن هذه المغذيات لم تكن تعود إلى الأرض لتجديد خصوبتها، بل كانت تتراكم في المدن على شكل نفاياتٍ وتلوّثٍ. هكذا أصبحت المدينة مركزاً لتراكم القيمة، والريف موقعاً لاستنزاف شروط الحياة. وعندما واجهت أوروبا أزمة خصوبة التربة، عالجتها عبر نقل الغوانو والنترات من بيرو وتشيلي، أي عبر توسيع الصّدع المحلي إلى صدعٍ إمبرياليٍّ عالميٍّ.
ما يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم ليس بعيداً عن هذا النمط. فبدلاً من مغذيات التربة، تُنقل معادن اللّيثيوم والكوبالت والنّحاس والعناصر الأرضيّة النّادرة من أطراف العالم إلى مراكز الحوسبة والربح. وبدلاً من أن تعود القيمة إلى المجتمعات التي تتحمّل التلوّث والاستنزاف، تتراكم في شركات السّحابة والرّقائق والنّماذج. هكذا يصبح المنجم المعاصر امتداداً رقميّاً للصّدع الأيضي القديم: المركز يراكم الذكاء والرّيع، والأطراف تتحمّل الاستنزاف والمخلّفات.
إنّ هذا النمط يعيد إنتاج بنى تمييزيّة واستعماريّة ظهرت تاريخيّاً في حالات كثيرة، منها تعدين اليورانيوم في أراضي شعب “النافاهو” (Navajo Nation) الأصلي في الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة؛ حيث جرى استنزاف أراضيهم لتمويل النهضة النووية وبناء شبكات الطاقة الحديثة للمراكز الحضرية، ثم تُركت بيئتهم ملوّثة ومسرطنة بالإشعاعات فيما عُرف بمفهوم (Wastelanding)؛ أي تحويل جغرافيا المجتمعات المهمّشة سياسيّاً إلى مساحاتٍ عادمةٍ أو ميتةٍ لتبرير التضحية بها. واليوم، يتحول “مثلث اللّيثيوم” في جبال الأنديز ومناجم الكونغو إلى مناطق عوادم جديدة تحت الذريعة نفسها: التضحية بالبيئة المحليّة للأطراف من أجل إنعاش الرفاهية التكنولوجيّة للمراكز السّحابية الجديدة.
فاتورة الحساب الخوارزمي: كلفة النقر بالأرقام المادية
لكي نخرج من “تعمية الكربون”، أي اختزال الاستدامة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وحدها، لا بدّ من فحص الفاتورة الحقيقيّة لتشغيل هذه البنية الحاسوبيّة. فالإنفاق البيئي للذكاء الاصطناعي ينقسم إلى دورتين متكاملتين: دورة التخليق والتدريب لمرة واحدة (Training)، ودورة التشغيل والاستعلام المستمر عبر نقرات المستخدمين (Inference & Prompting).
في مرحلة التخليق الأولي، تمثّل عملية تدريب النماذج اللغوية العملاقة ضغطاً بيئياً مركّزاً جغرافياً وزمنياً. تشير التقارير الموثقة لمعهد ماساتشوستس للتقانة (MIT) ومعهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي إلى أن تدريب نموذج كلاسيكي مثل GPT-3 قد استهلك وحده قرابة 1,287 ميجاوات-ساعة من الطاقة الكهربائية، مخلّفاً وراءه ما يزيد عن 502 طنّاً من انبعاثات الكربون التشغيلية؛ وهي كلفة تكفي لإمداد 120 منزلاً أمريكياً بالطاقة لعام كامل، أو تعادل انبعاثات قيادة سيارة عادية صعوداً إلى القمر والعودة منه. ومع احتدام سباق التسليح الخوارزمي، قفزت الأرقام بشكلٍ كبير؛ حيث تشير وثائق إطلاق نموذج (Llama 3) (نسخة 70B) إلى أن انبعاثات تدريبه كسرت عتبة 1,900 طن من مكافئ الكربون، وهو رقم يتجاوز الانبعاثات الناتجة عن العمر التشغيلي لـ 30 سيارة تجارية مجتمعة.
إلا أنّ جبل الجليد الحقيقي يستتر تحت سطح الاستخدام اليومي اللامركزي. فمرحلة التشغيل الفعلي والإجابة المباشرة على أسئلة المستخدمين (Inference) قد تستأثر بحصة كبيرة من إجمالي الطاقة التي يستهلكها النموذج طوال دورة حياته، خصوصاً عندما يصبح الاستخدام واسعاً ومستمراً. وهذا النزيف التراكمي يترجم فكرة “العنف البطيء” عند روب نيكسون: ضرراً بيئيّاً لا يظهر ككارثةٍ مفاجئة، بل كاستنزافٍ تدريجي يتراكم بعيداً عن الأضواء. فعندما يطلب مستخدم ما وصفة طعام أو صياغة بريد إلكتروني، يبدو الأمر مجانياً وفورياً، لكن كل استعلام يحتاج إلى كهرباء، وتبريد، وبنية شبكية. والقياسات الدقيقة تبيّن أن الاستعلام الواحد يستهلك في المتوسط 2.9 واط-ساعة من الكهرباء، وهو ما يعادل عشرة أضعاف كلفة البحث التقليدي عبر محركات غوغل (والذي يستهلك 0.3 واط-ساعة فقط). إن الاستهلاك الخفي لكل نقرة، والذي قد يُطلق ما يصل إلى 68 غراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2eq) تبعاً لنوعية الشبكة الطاقويّة المغذيّة للمركز، يتراكم بمليارات المرّات يومياً، محوّلاً ضغطات الأصابع الناعمة إلى جبهة عريضة من الاحتباس الحراري الذي تدفع كلفته مجتمعات بعيدة جغرافياً عن غرف الحوسبة المكيّفة.
ليست هذه الأرقام قياساتٍ تقنيّة فقط، بل قياساتٌ للأيض الاجتماعي الجديد الذي يخلقه الذكاء الاصطناعي. فالماء لا يذهب إلى التبريد فحسب؛ إنّه يتحوّل إلى قدرة حسابيّة. والقدرة الحسابيّة تتحوّل إلى خدمة سحابيّة. والخدمة السحابيّة تتحوّل إلى ريع. والريع يتحوّل إلى تقييماتٍ ماليّة وسلطةٍ احتكاريّة. هنا تكمن المسألة السياسيّة: الطبيعة لا تُستهلك فقط، بل تُترجم إلى قيمةٍ ماليّة تملكها شركات قليلة. إنّ قطرة الماء، وذرة الليثيوم، وساعة العمل، وجزء البيانات، تصبح جميعاً عناصر في عمليّة تحويل الحياة نفسها إلى قيمةٍ قابلة للاحتكار.
من القدرة الحسابيّة إلى الرّيع السّحابي
إذا كانت البيئة الماركسيّة تكشف كيف تتحوّل الطبيعة إلى قيمة، فإنّ التّكنو-إقطاعيّة تكشف من يحتكر البنية التي تمرّ عبرها هذه القيمة. فملاك السّحابة لا يملكون الخوادم فقط؛ يملكون القدرة على تنظيم الوصول إلى الحوسبة، والبيانات، والنّماذج، والأسواق، والمعرفة. بهذا المعنى، يصبح الرّيع السّحابي شكلاً جديداً من الرّيع البيئي: ريعاً مبنيّاً على طاقة، ومياه، ومعادن، وأراضٍ، وعمل، وبيانات لا تظهر كلفتها الكاملة في سعر الخدمة. إنّ السّحابة لا تستخرج القيمة من المستخدم وحده، بل من الأرض التي تجعل الاستخدام ممكناً.
عمالة الأشباح: البعد الإنساني المستتر
خلف واجهات الذكاء الاصطناعي اللامعة، توجد طبقة من “عمالة الأشباح” (Ghost Work) التي تمنح الآلة مظهر الاستقلاليّة والذكاء. هؤلاء العمال ليسوا مجرد مدخلي بيانات، بل هم “الفلاتر البشرية” التي تمنع سموم الإنترنت من الوصول إلى المستخدم النهائي. لكي تبدو النماذج اللغوية “مهذبة” و”محايدة” وآمنة للاستخدام، تمر هذه النماذج بعمليات تنقية دقيقة يقوم بها بشر حقيقيون يقعون في قاع سلسلة التوريد الرقمية، حيث يُجبرون على التعرض لمواد عنيفة ومؤذية نفسياً بشكلٍ يومي ومستمر.
تتجلى قسوة هذا الواقع في نماذج عمل مثل تلك التي تتبناها شركة “Sama” في كينيا؛ حيث كشفت تحقيقات صحفية أن عمالاً متعاقدين أُوكِلت إليهم مهمة تصنيف محتوىً صادم ومؤذٍ، يتضمن مشاهد تعذيب، واعتداءات وحشية، وخطابات كراهية متطرفة، لضمان عدم تسربها إلى نماذج مثل (ChatGPT). الصادم هنا ليس فقط المحتوى، بل المقابل المادي لهذا الاستنزاف العصبي؛ فقد تقاضى هؤلاء العمال أجوراً زهيدة تراوحت بين 1.46 و3.74 دولار في الساعة فقط. هذا التفاوت الطبقي الصارخ يجعل من هؤلاء الشباب خط الدفاع الأول عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الغرب، بينما يُتركون هم أنفسهم عرضةً لاضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب الحاد دون رعاية نفسية كافية.
إنّ هذه الممارسة تكشف وجهاً آخر من أوجه الاستعمار الاستخراجي؛ فكما تستخرج الشركات المعادن من أراضي الجنوب العالمي، فإنها تستخرج الآن الاستقرار النفسي من عقول شباب هذه المجتمعات. إن استغلال العمالة الرخيصة في ظروف عمل مسمومة نفسياً لخدمة رفاهية المستخدمين في المراكز الحضرية المتقدمة هو تطبيق صارخ لمفهوم مناطق التضحية (Sacrifice Zones)؛ حيث يُنظر إلى الصحة العقلية لهؤلاء العمال كتكلفة خارجيّة لا تظهر في ميزانيات الشركات، بينما يدفع العمال ثمن ذكاء الآلة من توازنهم العصبي وأمنهم النفسي.
بهذا المعنى، يعود الذكاء الاصطناعي إلى المفارقة التي صاغها ماركس: تراكم الثروة يتم غالباً عبر استنزاف مصدرَيها الأصليين، الأرض والعمل. وما يتغير اليوم هو أن الأرض تشمل المناجم والمياه والطاقة، والعمل يشمل أيضاً عمالة البيانات والتصنيف والمراجعة النفسية الخفية.
التلوّث الضوضائي واغتيال السكينة المحلية
إنّ اختزال الأثر البيئي في الأبعاد غير المرئية، مثل الكربون والماء، يحجب شكلاً آخر من الأشكال الحسيّة والمباشرة للعنف البيئي الذي يمارسه الذكاء الاصطناعي: التلوّث الضوضائي (Noise Pollution). مراكز البيانات التي تدعم الحوسبة الخوارزمية ليست مجرد مستودعات صامتة للرقائق، بل مصانع ثقيلة تعج بالحركة؛ فالشراهة الحرارية لمعالجات (GPUs) تتطلب تدفقاً هوائياً وصناعياً هائلاً لمنع ارتفاع الحرارة. هذا يعني خوادم تبريد، وأبراج تبريد، ومكيّفات صناعية، ومولّدات كهربائية قد تعمل على مدار الساعة.
ينتج عن هذه البنية طنين ميكانيكي مستمر منخفض التردّد (Low-frequency Hum) يمتد أحياناً خارج أسوار المركز. ويتجلّى بعد العدالة البيئية هنا في جغرافيا اختيار المواقع؛ إذ قد تُبنى المراكز قرب أحياء سكنية فقيرة أو مجتمعات مهمشة سياسياً، مستفيدة من ضعف قوانين الضوضاء المحلية التي كُتبت غالباً لتنظيم مصادر عابرة لا لمواجهة طنين صناعي دائم. يعيش السكان المحليون تحت ضغط سمعي مستمر قد يؤثر في النوم، والتوتر النفسي، والصحة، وقيم العقارات المحلية.
وتبرز منشأة “كولوسوس” (Colossus) التابعة لشركة (xAI) في ممفيس، تينيسي، بوصفها مثالاً على تداخل الطاقة، والضوضاء، والعدالة البيئية. أصبحت المنشأة القريبة من حي “بوكس تاون” (Boxtown) التاريخي ذي الأغلبية الأفريقية-الأمريكية محوراً لانتقادات تتعلق بالطنين الصناعي، والتوربينات الغازية، والعبء البيئي التراكمي. وفي سياق أوسع، بدأ سكان في مدن مختلفة يرفعون دعاوى أو اعتراضات ضد مراكز بيانات بسبب الضوضاء والانبعاثات، ما يثبت أن الطنين الصناعي للذكاء الاصطناعي لم يعد أثراً ثانوياً، بل جبهة مواجهة بيئية حيّة على الأرض.
النّفايات الإلكترونيّة: النهاية السّامة للجسد الرّقمي
إذا بدأ الذّكاء الاصطناعي في المنجم، فإنه لا ينتهي في النّموذج. ينتهي أيضاً في النّفايات الإلكترونيّة (E-Waste). فالتّسابق على النّماذج الأكبر والأسرع يعني دوراناً سريعاً للأجهزة: وحدات معالجة الرسوميات، والخوادم، وأنظمة التخزين، ومعدات الشبكات، والبطاريات، ومكونات التبريد. ما يبدو اليوم أحدث بنية حاسوبية قد يصبح بعد سنوات قليلة عتاداً قديماً يحتاج إلى استبدال.
العالم ينتج أصلاً جبالاً من النّفايات الإلكترونيّة. في عام 2022 بلغ حجمها العالمي نحو 62 مليون طن، ومن المتوقع أن يصل إلى 82 مليون طن بحلول 2030، بينما لم يوثّق جمع وإعادة تدوير سوى نحو 22% منها بصورة رسمية. وتقدّر دراسة في مجلّة (Nature Computational Science) أن الذّكاء الاصطناعي التّوليدي وحده قد يضيف بين 1.2 و5 ملايين طن من النّفايات الإلكترونيّة بحلول 2030، وهو ما قد يصل في السيناريوهات العليا إلى ما يقارب 1% من إجمالي النفايات الإلكترونية المتراكمة عالمياً خلال هذه الفترة الممتدة.
هنا تظهر حالة أجبوجبلوشي في غانا بوصفها رمزاً قوياً، مع ضرورة عدم تحويلها إلى كاريكاتور عن الجنوب العالمي. فقد اشتهرت المنطقة كموقع لتفكيك وحرق النّفايات الإلكترونيّة واستخراج النحاس والمعادن من الأجهزة القديمة في ظروف خطرة. تشير تقارير ودراسات عن أجبوجبلوشي إلى تلوّث التربة والمياه والهواء بالرصاص والديوكسينات ومركّبات أخرى ناتجة من الحرق غير الآمن. لكن الأهم ليس أن نستخدم المكان كصورة للبؤس، بل أن نفهمه كجزء من سلسلة عالمية: جهاز ينتج في مكان، يُستخدم في مكان ثانٍ، ثم يُتخلّص منه في مكان ثالث.
هذا التوزيع اللامكاني للمخلّفات يمثل امتداداً معولماً للحدث المفصلي الذي فجّر حركة العدالة البيئية في أصلها التاريخي: قضية مقاطعة “وارين” (Warren County) في كارولاينا الشمالية عام 1982؛ عندما قرّرت السلطات دفن تربة ملوّثة بمواد سامة في واحدة من أفقر مقاطعات الولاية، وكانت ذات أغلبية سوداء. واليوم، يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج “مقاطعة وارين دولية” ممتدة؛ حيث تُلقى مخلفات المعالجات والخوادم التي تُستبدل بوتيرة متسارعة في أماكن بعيدة عن مستخدميها ومراكز أرباحها، ليتحوّل الصّدع الأيضي إلى حقيقة بيولوجية وصحية تدفع ثمنها الشعوب الأكثر تهميشاً.
الذّكاء الاصطناعي الأخضر ليس كافياً
تتحدّث شركات كثيرة عن الذّكاء الاصطناعي الأخضر (Green AI): نماذج أكثر كفاءةً، ورقائق أقلّ استهلاكاً للطّاقة، ومراكز بيانات تستخدم طاقة متجدّدة، وبرامج لتعويض المياه أو الكربون. هذه الخطوات مهمّة، لكنها تبقى محدودة إذا لم تمسّ السّؤال الأساسي: من يملك البنية، ومن يقرّر حجمها ومكانها، ومن يدفع ثمنها البيئي؟
الكفاءة وحدها لا تعني العدالة. قد يؤدّي جعل النّموذج أرخص وأسرع إلى توسيع استخدامه بدرجة تزيد الاستهلاك الكلي للطّاقة والمياه والمعادن. كما أنّ مركز بيانات يعمل بالطّاقة المتجدّدة قد يبقى معتمداً على معادن استخرجت في ظروف ملوّثة، أو على رقائق صنعت بعمليات كثيفة المياه والمواد الكيميائيّة، أو على بيانات جمعت من دون موافقة كافية.
وتزداد المفارقة عندما تستخدم أدوات الذّكاء الاصطناعي نفسها لتحسين استخراج الوقود الأحفوري. فقد أشارت تقارير إلى استخدام الذّكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء في تفسير البيانات الزلزاليّة وتسريع قرارات الاستكشاف والإنتاج في قطاع النفط والغاز. هنا يصبح “الذّكاء الأخضر” مزدوجاً: قد يساعد على مراقبة المناخ من جهة، ويساعد على استخراج المزيد من الوقود الأحفوري من جهة أخرى. لذلك لا يكفي أن نسأل هل الخوارزمية كفؤة؛ يجب أن نسأل أيضاً: في خدمة أيّ اقتصاد تعمل؟
بهذا المعنى، يمكن أن يصبح الخطاب الأخضر شكلاً من التّبييض البيئي (Greenwashing) إذا نظّف الواجهة وترك البنية الاستخراجيّة كما هي. الذّكاء الاصطناعي المستدام لا يقاس فقط بعدد الغرامات من الكربون لكل عملية حوسبة، بل بقدرته على احترام الأرض والمياه والعمل والبيانات والمجتمعات التي تجعله ممكناً.
نحو حوكمة عادلة وديمقراطيّة
من منظورٍ ماركسيّ بيئيّ، ليست حوكمة الذّكاء الاصطناعي مجرّد إدارةٍ أفضلَ للمخاطر، بل محاولةً لإعادة تنظيم العلاقة الماديّة بين التكنولوجيا والطبيعة. فالسؤال ليس فقط كيف نقلّل الانبعاثات، بل كيف نقرّر ديمقراطيّاً حجم الحوسبة التي نحتاجها، ومكان بنائها، ومصادر طاقتها، وحدود استهلاكها للمياه والمعادن، ومن يملك قيمتها وثمارها.
بهذا المعنى، تستعيد حوكمة الذّكاء الاصطناعي سؤالاً ماركسيّاً قديماً: كيف يمكن للمجتمع أن ينظّم تبادله المادي مع الطبيعة تنظيماً عقلانياً وجماعياً، بدلاً من أن يتركها لقوّة السوق العمياء؟ في سياق الذّكاء الاصطناعي، يعني ذلك ألّا تُترك قرارات الحوسبة والمياه والطاقة والمعادن والبيانات لمنطق التوسّع والربح وحده، بل أن تخضع لمساءلة ديمقراطيّة تراعي حدود الأرض وحقوق المجتمعات والأجيال القادمة.
لذلك، لا ينبغي أن تكون الحوكمة مجرّد تحسينات تقنيّة أو تعهدات طوعيّة، بل نظاماً ملزماً للمساءلة يتتبّع الذّكاء الاصطناعي في كلّ مراحله الماديّة والسياسيّة. ويمكن أن يقوم هذا النظام على المبادئ الآتية:
أوّلاً: ينبغي إلزام شركات الذّكاء الاصطناعي بالإفصاح عن البصمة الكاملة لدورة الحياة: مصادر المعادن، واستهلاك المياه والطّاقة، والانبعاثات، والمواد الكيميائيّة، وعمر الأجهزة، والنّفايات الإلكترونيّة. لا تكفي تقارير الكربون الجزئيّة، لأنّها قد تجعل النّظام يبدو أنظف ممّا هو عليه فعلاً.
ثانياً: يجب أن تخضع مراكز البيانات والبنية الطّاقويّة المرتبطة بها لمراجعة عدالة بيئيّة تراكميّة. أي ألّا ينظر التّرخيص إلى المنشأة وحدها، بل إلى تاريخ المكان أيضاً: هل تعاني المنطقة من تلوّث سابق؟ هل المياه شحيحة؟ هل السّكان يتحمّلون أصلاً أعباءً صحيّة أو صناعيّة؟ وهل يملك المجتمع المحلّي قدرة حقيقيّة على القبول أو الاعتراض؟
ثالثاً: لا بدّ من إخضاع سلاسل توريد المعادن لمعايير صارمة في حقوق الإنسان والبيئة. فلا معنى لذكاء اصطناعيّ “أخضر” إذا كان قائماً على تعدين ملوّث، أو عمل غير آمن، أو نزع للأراضي، أو انتهاك لحقوق الشّعوب الأصليّة في الموافقة الحرّة والمسبقة والمستنيرة.
رابعاً: يجب أن تصبح المياه جزءاً مركزيّاً من سياسة الذّكاء الاصطناعي. فلا يجوز أن تحصل مراكز البيانات أو مصانع الرّقائق على وصول مميّز إلى مياه شحيحة من دون شفافيّة، وحدود واضحة، وخطط للجفاف، ومشاركة فعليّة من المجتمعات المحليّة.
خامساً: ينبغي احترام سيادة البيانات، خصوصاً في المشاريع البيئيّة التي تعتمد على معرفة محليّة، أو بيانات مجتمعات مهمّشة، أو معارف شعوب أصليّة. فلا ينبغي أن تتحوّل حماية البيئة إلى باب جديد لاستخراج المعرفة من دون موافقة، أو ملكيّة واضحة، أو منفعة مشتركة.
سادساً: يجب الاعتراف بعمالة البيانات والتّصنيف والمراجعة بوصفها عملاً حقيقيّاً لا ظلّاً تقنيّاً. فالآلة التي تبدو مستقلة تعتمد غالباً على عمّال يراجعون، ويصنّفون، وينقّون، ويتعرّضون أحياناً لمحتوى مؤذٍ أو صادم. وهذا يقتضي أجوراً عادلة، وحماية نفسيّة، وحقّاً في التّنظيم، وشفافيّة في العقود.
سابعاً: ينبغي تنظيم أجهزة الذّكاء الاصطناعي وفق مبادئ الاقتصاد الدّائري: إطالة عمر الأجهزة، وقابليّة الإصلاح، وإعادة الاستخدام، وإعادة التّدوير المسؤولة، وتحميل المنتجين مسؤوليّة النّفايات التي يخلقونها. فالنموذج لا ينتهي عندما يتوقف الخادم عن العمل؛ إنّه يستمر في المعادن والبلاستيك والسّموم التي يتركها خلفه.
ثامناً وأخيراً، يجب طرح سؤال الملكيّة نفسه. فإذا بقيت النّماذج الكبرى، والحوسبة، والبيانات، والبنية السّحابيّة، في يد عددٍ قليل من الشّركات، فإنّ الاستدامة ستبقى خاضعة لمنطق الرّيع والتّوسّع. لذلك لا تكفي حلول تقنيّة ضيّقة. نحن بحاجة إلى تنظيم عامّ قويّ، وبنىً تحتيّة ذات مصلحة عامّة، وحوكمة ديمقراطيّة للبيانات، وقدرة حقيقيّة للمجتمعات على القبول أو الرّفض.
خاتمة: لا ذكاء بلا مساءلة
من المنجم إلى النّموذج، يكشف الذّكاء الاصطناعي أن السّحابة ليست خارج الطّبيعة، بل مبنيّة عليها. فهي تحتاج إلى معادن تستخرج من الأرض، ومياه تبرّد الخوادم، وطاقة تشغّل مراكز البيانات، وبيانات تُجمع من البشر والمجتمعات. لكن القيمة لا تتوزّع كما تتوزّع الأضرار. يحصل البعض على الذّكاء والريع والسلطة، بينما يحصل آخرون على التلوث، واستنزاف المياه، والنّفايات، وفقدان السيطرة على بيئاتهم.
الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي ليس دائماً انفجاراً مرئياً، بل غالباً شكل من أشكال العنف البطيء (Slow Violence): استنزاف تدريجي للماء والطاقة والهواء والعمل والبيانات، يحدث بعيداً عن المستخدم الذي يرى فقط سرعة الاستجابة. ولذلك لا يكون الذّكاء الاصطناعي عادلاً أو مستداماً لمجرد أنه أكثر كفاءة. يصبح كذلك فقط عندما تخضع بنيته المادية والسياسية للمساءلة: من المنجم، إلى الرقاقة، إلى مركز البيانات، إلى النموذج.
العدالة البيئية تكشف من يتحمّل الضرر.. والبيئة الماركسية تكشف منطق الاستخراج. والتكنو-إقطاعية تكشف شكل السلطة الجديد في عصر السحابة. أما السؤال الأخلاقي والسياسي الأخير فهو بسيط: هل نريد ذكاءً اصطناعياً يعيد إنتاج مناطق التضحية، أم ذكاءً يخضع لحدود الأرض وحقوق سكانها؟
لا يمكن للذّكاء الاصطناعي أن يُسمّى ذكيّاً إذا كان مبنيّاً على مناطق تضحية بيئيّة.