موقع التلفزيون العربي
لم تكن الوثيقة مجرد ترتيب مؤقت لإدارة إقليم خرج من الحكم العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، بل حولت وعد بلفور، الذي أصدرته بريطانيا في 1917، إلى التزام دولي أصبح جزءًا من النظام القانوني الذي حكم فلسطين طوال فترة الانتداب. ولم يدخل الصك حيز التنفيذ رسميًا إلا في 29 سبتمبر/ أيلول 1923، بحسب الأمم المتحدة.
وبهذا القرار، انتقل وعد بريطاني أحادي إلى وثيقة أقرتها المنظمة الدولية القائمة آنذاك، فأصبح المشروع الصهيوني يحظى بهدف سياسي معلن، ووكالة تمثيلية معترف بها، وتسهيلات للهجرة والاستيطان والحصول على الجنسية.
في المقابل، لم يعترف الصك بالفلسطينيين بوصفهم شعبًا يتمتع بحقوق سياسية، بل أشار إليهم باعتبارهم "الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين"، مع التعهد بحماية حقوقهم المدنية والدينية فقط، رغم أنهم كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من سكان البلاد.
فكيف تحولت رسالة بريطانية قصيرة إلى برنامج حكم استمر أكثر من ربع قرن؟ وما الأدوات التي وضعها صك الانتداب في خدمة المشروع الصهيوني؟
وعد صدر قبل احتلال القدس
في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917، بعث وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد والتر روتشيلد، أعلن فيها أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين.
وستعمل الحكومة، وفق الرسالة، على تسهيل تحقيق هذا الهدف، مع التأكيد على عدم المساس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، من دون أي إشارة إلى حقوقها السياسية أو حقها في تقرير المصير، بحسب الأرشيف الوطني البريطاني.
وجاء الإعلان قبل احتلال القوات البريطانية القدس في ديسمبر/ كانون الأول 1917، وفي وقت كانت فيه فلسطين لا تزال جزءًا من الدولة العثمانية، كما صدر بالتوازي مع تعهدات متعارضة بشأن مستقبل المنطقة، من مراسلات الحسين بن علي وهنري مكماهون إلى اتفاقية سايكس-بيكو.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الحكم العثماني، لم يعد السؤال مقتصرًا على سيطرة بريطانيا على فلسطين، بل أصبح يتعلق بالإطار القانوني الذي يمنحها شرعية إدارة البلاد وتنفيذ تعهدها للحركة الصهيونية.
سان ريمو.. بداية الشرعنة الدولية
في أبريل/ نيسان 1920، اجتمعت الدول الحليفة المنتصرة في الحرب بمدينة سان ريمو الإيطالية لتوزيع الانتدابات على الولايات العربية السابقة التابعة للدولة العثمانية.
وحصلت بريطانيا على الانتداب على فلسطين والعراق، فيما مُنحت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان. ونص قرار سان ريمو المتعلق بفلسطين على أن تتولى الدولة المنتدبة تنفيذ وعد بلفور، مع الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، وفق الأمم المتحدة.
وبعد أشهر، بدأت بريطانيا الإدارة المدنية لفلسطين في 1 يوليو 1920، وعيّنت هربرت صموئيل أول مندوب سامٍ، أي قبل إقرار صك الانتداب بعامين، ما يعني أن سياسات الإدارة البريطانية بدأت تُطبق قبل اكتمال الغطاء القانوني الدولي، بحسب مشروع الأمم المتحدة لفلسطين.
واستغرقت صياغة الصك مفاوضات مطولة تناولت الحدود والأماكن المقدسة ووضع الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن، قبل أن يقره مجلس عصبة الأمم في 24 يوليو 1922، محددًا رسميًا صلاحيات بريطانيا والتزاماتها في فلسطين.
وطن قومي في المقدمة.. وحقوق مدنية للغالبية
استعاد صك الانتداب مضمون وعد بلفور، لكنه تجاوز الرسالة البريطانية بإضفاء صفة قانونية عليها. فقد أشار في مقدمته إلى ما وصفه بـ"الصلة التاريخية للشعب اليهودي بفلسطين"، وإلى مبررات إعادة إنشاء وطنه القومي فيها، بحسب الأمم المتحدة.

وجعلت المادة الثانية من الصك بريطانيا مسؤولة عن توفير الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية التي تضمن إقامة الوطن القومي اليهودي، إلى جانب تطوير مؤسسات الحكم الذاتي وحماية الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين.
لكن النص لم يحدد لمن ستكون مؤسسات الحكم الذاتي، ولم يعترف للفلسطينيين بحق الاستقلال أو إقامة حكومة وطنية تمثل الغالبية، كما لم يضع جدولًا زمنيًا لإنهاء الانتداب أو يحدد شكل الدولة التي يفترض أن تقوم بعده.
وهنا برز التفاوت الجوهري في فلسفة الصك؛ إذ منح المشروع الصهيوني هدفًا سياسيًا واضحًا وآليات لتنفيذه، بينما حصر الحقوق المعلنة للفلسطينيين في المجالين المدني والديني، من دون الاعتراف بحقوقهم الوطنية.
اعتراف بالوكالة اليهودية
ولم يقتصر الصك على تحديد الهدف السياسي، بل وضع أيضًا الأدوات العملية لتنفيذه.
فقد اعترفت المادة الرابعة بـ"الوكالة اليهودية" هيئةً عامة تتولى تقديم المشورة لإدارة فلسطين والتعاون معها في القضايا الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المسائل المرتبطة بإقامة الوطن القومي.
واعتبر النص المنظمة الصهيونية الهيئة المناسبة للقيام بهذه المهمة إلى حين إنشاء وكالة أوسع، ما منح الحركة الصهيونية اعترافًا رسميًا داخل منظومة الانتداب، وأتاح لها التواصل المباشر مع الإدارة البريطانية والمشاركة في رسم سياسات البلاد، وفق الأمم المتحدة.
كما ألزمت المادة السادسة الإدارة البريطانية بتسهيل الهجرة اليهودية، مع مراعاة القدرة الاقتصادية للبلاد، وتشجيع الاستيطان اليهودي على أراضي الدولة والأراضي غير المخصصة للأغراض العامة.
ونصت المادة السابعة على وضع قانون للجنسية يسهّل حصول اليهود المقيمين بصورة دائمة في فلسطين على الجنسية الفلسطينية، بينما اعتمدت المادة الثانية والعشرون العربية والإنكليزية والعبرية لغات رسمية.
وبذلك لم يقتصر الانتداب على فتح باب الهجرة، بل ربط بين الهجرة والاستيطان والتجنس والاعتراف المؤسسي ضمن سياسة واحدة تشرف عليها الدولة المنتدبة.
أغلبية سكانية غائبة عن الاعتراف السياسي
بعد ثلاثة أشهر من إقرار الصك، أجرت الإدارة البريطانية أول تعداد رسمي لسكان فلسطين ليلة 22-23 أكتوبر/ تشرين الأول 1922.
وبلغ عدد السكان757,182 نسمة، بينهم 590,890 مسلمًا و73,024 مسيحيًا و83,794 يهوديًا، إضافة إلى مجموعات دينية أخرى، ما يعني أن المسلمين والمسيحيين شكلوا معًا نحو87.7 % من السكان، بينما بلغت نسبة اليهود قرابة 11 % بحسب الأمم المتحدة.
ورغم ذلك، لم يرد في صك الانتداب أي اعتراف بالفلسطينيين بصفتهم شعبًا أو أمة. فقد استخدم مصطلح "الشعب اليهودي"، واعترف بصلته التاريخية بفلسطين، وبحقه في وطن قومي، وبوكالة تمثله، بينما أشار إلى غالبية السكان باعتبارها "طوائف غير يهودية" ينبغي حماية حقوقها المدنية والدينية.
وتتضح المفارقة أكثر عند مقارنة ذلك بالمادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم، التي قام عليها نظام الانتداب.
فقد نصت على إمكان الاعتراف المؤقت بالمجتمعات التي كانت تتبع الدولة العثمانية أممًا مستقلة، تتلقى المشورة والمساعدة إلى أن تصبح قادرة على إدارة نفسها، كما اعتبرت رغبات هذه المجتمعات عاملًا أساسيًا في اختيار الدولة المنتدبة، وفق مكتب الأمم المتحدة في جنيف.
لكن هذه المبادئ لم تُطبق في الحالة الفلسطينية. فجاءت بريطانيا إلى فلسطين وهي تحمل التزامًا سابقًا تجاه الحركة الصهيونية، ثم أصبح تنفيذ ذلك الالتزام جزءًا من مهمتها الدولية.
رفض فلسطيني منذ البداية
قوبل وعد بلفور وصك الانتداب برفض فلسطيني منذ وقت مبكر. فقد طالبت المؤتمرات العربية الفلسطينية والوفود التي توجهت إلى لندن بإلغاء السياسة المؤيدة للحركة الصهيونية، ووقف الهجرة اليهودية، وإقامة حكومة وطنية تمثل سكان البلاد.
ولم يقتصر الاعتراض على الفلسطينيين، بل وصل إلى البرلمان البريطاني. ففي يونيو/ حزيران 1922، ناقش مجلس اللوردات مشروع الانتداب، ووافق على اقتراح اعتبره مخالفًا لرغبات الغالبية العظمى من سكان فلسطين، ودعا إلى تأجيل اعتماده وإعادة النظر فيه. لكن الحكومة البريطانية واصلت سياستها، وأُقر صك الانتداب بعد نحو شهر، بحسب برلمان المملكة المتحدة.
وحاولت بريطانيا لاحقًا إنشاء مجلس تشريعي محدود الصلاحيات يضم أعضاء منتخبين، غير أن الفلسطينيين قاطعوا الانتخابات لأن المشاركة كانت تعني، في نظرهم، القبول بنظام يقوم على الانتداب ووعد بلفور.
وانتهت المحاولة من دون قيام مؤسسة تمثيلية حقيقية، بينما ظل المندوب السامي البريطاني يحتفظ بمعظم السلطات التشريعية والتنفيذية.
وفي المقابل، واصلت الحركة الصهيونية بناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية والتعليمية والنقابية، مستفيدة من الاعتراف الرسمي الذي منحها إياه صك الانتداب، ومن توسع الهجرة وتدفق رؤوس الأموال.
كيف غيّر الانتداب فلسطين؟
لم يُؤدِّ إقرار صك الانتداب مباشرة إلى قيام دولة يهودية، كما لم تتطابق السياسات البريطانية دائمًا مع مطالب الحركة الصهيونية. فقد شهدت العلاقة بين الطرفين خلافات متكررة، وفرضت بريطانيا في بعض المراحل قيودًا على الهجرة، ولا سيما في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.
لكن الإطار الذي وضعه الصك بقي ثابتًا؛ إدارة استعمارية تتولى تهيئة الظروف لإقامة الوطن القومي، ووكالة يهودية تحظى باعتراف رسمي، وهجرة تتوسع تدريجيًا، ومؤسسات يهودية تنمو بصورة موازية لمؤسسات السلطة.
وخلال سنوات الانتداب ارتفعت نسبة اليهود من سكان فلسطين من نحو 11 % في تعداد 1922 إلى قرابة ثلث السكان في 1946، بحسب الأمم المتحدة.
وفي المقابل، تصاعدت المقاومة الفلسطينية، وبلغت ذروتها في الثورة الكبرى بين 1936 و1939، التي طالبت بإنهاء الانتداب ووقف الهجرة اليهودية وتحقيق الاستقلال. وقمعت بريطانيا الثورة بالقوة، ما ألحق أضرارًا كبيرة بالبنية السياسية والعسكرية الفلسطينية.
وعندما أحالت لندن قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة في 1947، كانت المؤسسات الصهيونية أكثر تنظيمًا وتسليحًا واستعدادًا للمرحلة التالية، في حين كانت الحركة الوطنية الفلسطينية قد خرجت من سنوات المواجهة في وضع أضعف.
انتهى الانتداب البريطاني في مايو/ أيار 1948، بالتزامن مع إعلان قيام إسرائيل واندلاع الحرب ووقوع النكبة، التي هُجّر خلالها مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وفق الأمم المتحدة.
حين أصبح الوعد نظامًا للحكم
لم يبدأ المشروع الصهيوني في 24 يوليو 1922، كما لم يبدأ الاحتلال البريطاني لفلسطين في ذلك اليوم. غير أن هذا التاريخ شكّل نقطة تحول قانونية؛ إذ منحت عصبة الأمم وعد بلفور غطاءً دوليًا، وحولته من رسالة سياسية إلى سياسة رسمية تديرها سلطة الانتداب.
فأصبح الوعد أساسًا لقواعد الهجرة والاستيطان والجنسية والتمثيل المؤسسي، بينما ظلّ الفلسطينيون، الذين كانوا يُشكّلون الغالبية الساحقة من السكان، خارج أي اعتراف بحقوقهم السياسية، وحضروا في الصكّ باعتبارهم جماعات تُصان حقوقها المدنية والدينية، لا شعبًا يملك حق تقرير المصير.
ولم يكن صك الانتداب وحده سبب النكبة، لكنه وضع الإطار القانوني والسياسي الذي أعاد تشكيل موازين السكان والمؤسسات والقوة في فلسطين طوال ربع قرن.
ولهذا لم يبق وثيقة محفوظة في أرشيف عصبة الأمم، بل أصبح أحد أهم الأسس التي تشكلت عليها القضية الفلسطينية الحديثة، وما تزال آثاره السياسية والقانونية حاضرة حتى اليوم.