مقالات

عائلات في غزة عالقة في انتظار المفقودين

post-img

عهود نصار (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

في اليوم العالمي للمفقودين، الذي يصادف 30 آب/أغسطس من كل عام، تتجه الأنظار إلى أولئك الذين غابوا من دون أن تملك عائلاتهم إجابة واضحة عن مصيرهم. ففي غزة، لا تنتهي معاناة بعض العائلات عند فقدان أحد أفرادها، وحين لا يكون هناك جثمان، ولا شهادة وفاة، ولا معلومة مؤكدة عن مكان الشخص، يتحول الفقد إلى انتظار مفتوح، لا تعرف العائلة كيف تنهيه أو متى تحصل على إجابة. 

منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فقدَ آلاف الفلسطينيين الاتصال بأقاربهم في أوضاع متنوعة. بعضهم يُعتقد أنه قُتل ودُفن تحت أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات، وبعضهم قد يكون بين الجثامين التي لم تتمكن الجهات المختصة من تحديد هويات أصحابها، بينما تخشى أُسر أُخرى من احتمال اعتقال أقاربها في ظل جهلهم بأماكن احتجازهم أو مصيرهم.

وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي للمفقودين من أجل التذكير بحق العائلات في معرفة مصير أحبائها، لا يزال هذا الحق بالنسبة إلى آلاف العائلات في غزة معلقاً بين احتمالات متعددة، فهُم في انتظار معلومة قد تنهي سنوات من الغياب. 

أكثر من 9500 مفقود أو مجهول المصير

تؤكد مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان[1] أن عدد الحالات التي وثقتها لفلسطينيين مفقودين أو مجهولي المصير في قطاع غزة تجاوز 9500 حالة حتى حزيران/يونيو 2026، بينهم نحو 4700 امرأة وطفل.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن جميع هؤلاء الأشخاص قد توفوا؛ إذ إن مصير المفقود يمكن أن يظل مجهولاً بسبب وجوده تحت الأنقاض، أو عدم التعرف إلى جثمانه، أو احتمال احتجازه، أو فقدان الاتصال به في أثناء النزوح والقصف.

وتُعرّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الشخص المفقود ‏بأنه الشخص الذي أصبح مصيره مجهولاً نتيجة نزاع مسلح أو أعمال عنف، ولا يُعرف ما إذا كان حياً أو محتجزاً أو متوفى.[2] 

يقول علاء الإسكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، إن عائلات المفقودين تعيش حالة من القلق المستمر بسبب عدم معرفتها بما حدث لأقاربها، في ظل غياب آلية موحدة وشاملة لتوثيق جميع حالات المفقودين والمختفين قسراً في غزة.

ولا تقتصر المخاوف التي تعيشها العائلات على إمكان وفاة أقاربها تحت الأنقاض. فبعض العائلات تخشى أن يكون أفرادها قد اعتُقلوا ونُقلوا إلى أماكن احتجاز لا تعرفها.

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الوصول إلى المحتجزين يمثل جزءاً أساسياً من عملها ‏الإنساني، لكنها قالت في كانون الثاني/يناير 2026 أنها لم تتمكن من الوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.[3]

وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح غياب المعلومات نفسه جزءاً من معاناة العائلات؛ فلا تعرف الأسرة ما إذا كان قريبها قد قُتل، أو دُفن تحت الأنقاض، أو أصبح جثمانه مجهول الهوية، أو ما زال على قيد الحياة في مكان احتجاز. 

عثمان وسامي.. خرجا بحثاً عن المساعدات ولم يعودا

بين هذه العائلات التي تعاني هذا الأمر: عائلة عبد العال التي تبحث منذ أكثر من عام عن ابنيها عثمان وسامي.

في صباح 29 حزيران/يونيو 2025، غادر الشقيقان مكان نزوح عائلتهما في مدينة غزة بحثاً عن المساعدات. كان عثمان يبلغ من العمر حينها ستة عشر عاماً، بينما كان سامي في الثانية عشرة من عمره.

لم يكونا على عِلم بأن خروجهما في ذلك الصباح سيكون بداية رحلة طويلة لعائلتهما بحثاً عن إجابة.

تقول والدتهما، أشجان عبد العال، أنها سمعت الشقيقين يتناقشان بشأن احتمال توجههما إلى منزل العائلة القديم في حي الشجاعية لإحضار بعض الأغراض، مر الوقت ولم يعد الطفلان.

وعندما عاد والدهما رفعت عبد العال بعد نحو يوم ونصف إلى منزلهم الذي ينزحون فيه، علِمَ أن ابنيه لم يعودا إلى المنزل، فبدأت الأسرة عملية البحث عنهما في المستشفيات ومراكز النزوح وبين الأقارب، لكن لم تصل إلى أي معلومة حاسمة.

وكان الشقيقان قد خرجا في فترة أصبح فيها البحث عن الغذاء والمساعدات من أكثر المخاطر التي تواجه سكان غزة؛ بحيث وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قتل ما لا يقل عن 1373 فلسطينياً في أثناء محاولتهم ‏الحصول على الغذاء[4] والمساعدات الإنسانية في الفترة 27 مايو/أيار-31 يوليو/تموز 2025، وذلك بحسب الحالات التي تمكن المكتب من توثيقها.

وتقول العائلة إن عثمان وسامي كانا يحاولان الحصول على الطعام للأسرة عندما اختفيا.

جثامين مجهولة تزيد الغموض

بعد أكثر من شهر على اختفاء الشقيقين، تلقى رفعت عبد العال معلومات من أحد سكان الشجاعية تفيد بأنه رأى أربعة جثامين بالقرب من منزل العائلة القديم في الشجاعية. وكان قد تم التعرف إلى اثنين منها، بينما بقي اثنان مجهولي الهوية.

يقول رفعت إن الأوصاف التي وصلته جعلته يعتقد أن الجثامين ربما تكون لابنيه، لكنه لم يتمكن من التأكد.

ثم وصلت إلى العائلة بعد أيام صورة لجثمان مجهول الهوية في مستشفى الأهلي العربي، وقيل لهم إنه يشبه عثمان، فذهب الأب إلى المستشفى بنفسه للتحقق من ذلك.

يقول رفعت: "عندما سمعت بمواصفات الجثث شعرت بأنهم أطفالي، لكن عندما وصلت اكتشفت بأنهم ليسوا أطفالي."

عاد الأب من المستشفى من دون إجابة، وبقي السؤال نفسه: أين عثمان وسامي؟

في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وبعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تمكن رفعت من الوصول إلى المنطقة القريبة من منزل العائلة في الشجاعية، وكان المنزل قد دُمر.

وبين الأنقاض، عثر على شظايا وبقايا عظام صغيرة، لكنه لم يتمكن من معرفة ما إذا كانت هذه البقايا تعود إلى ابنيه.

بالنسبة إليه، لم تكن تلك البقايا دليلاً على الوفاة، لكنها أيضاً لم تكن كافية لاستعادة الأمل.

يقول رفعت أنه تواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحثاً عن معلومات بشأن ابنيه، لكنه لم يحصل على إجابة؛ "تواصلت مع الصليب الأحمر وسألتهم عن أطفالي، لكن [اتضح أنهم] لا يعرفون أي معلومة." 

معلومة تعيد الأمل

بعد أشهر من البحث، تلقت العائلة، في أيار/مايو 2026، معلومة أعادت إليها الأمل، وذلك وفقاً لما قالته والدتهما بشأن وجود محامية تتابع قضايا المفقودين، تواصلت معها وأخبرتها أن عثمان وسامي على قيد الحياة وأنهما محتجزان في سجني عوفر والنقب، لكن المعلومة لم تكن مؤكدة.

لم تتمكن العائلة من التواصل مع المحامية مرة أُخرى للتحقق من هذه المعلومة، ولم تحصل على دليل رسمي يثبت أن الطفلين محتجزان أو أنهما على قيد الحياة.

ومع ذلك، فقد تمسكت الأم بهذه المعلومة باعتبارها احتمالاً يمنحها سبباً للاستمرار في انتظارها؛ إذ تقول أشجان: "قلبي يخبرني أنهما على قيد الحياة."

لا تعرف الأم إن كان عليها أن تنتظر عودتهما، أو أن تبحث عن جُثمانَيهما، أو أن تطالب بمعلومات عن احتمال احتجازهما.

وفي صدد ذلك، تكمن المأساة التي تعيشها عائلات المفقودين؛ فغياب الحقيقة لا يعني غياب الألم، إنما يجعل الألم مستمراً.

تقول أشجان إن الاحتمالات أمامها محدودة وقاسية: ربما دُفن ابناها تحت الأنقاض، وربما دُفنت جثتاهما من دون أن يتم التعرف إلى هويتهما، وربما ما زالا على قيد الحياة ومحتجزين. لا تستطيع العائلة استبعاد أي من هذه الاحتمالات؛ إذ تقول الأم أنها تريد فقط أن تعرف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

أمّا رفعت، فيصف حياته منذ اختفاء ابنيه بأنها انتظار لا ينتهي: "منذ أن غادرا، أشعر بأنني أعيش في دائرة ألم لا تنتهي"؛ إذ لا يستطيع الأب أن يعلن وفاتهما من دون دليل، ولا يستطيع أن يؤكد أنهما على قيد الحياة من دون معلومات موثوقة.

تتجاوز قضية عائلة عبد العال قصة شخصين مفقودين؛ فهي تكشف عن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً التي تواجه العائلات في غزة بعد سنوات من القصف والدمار والنزوح.

فحتى عندما تُنتشل الجثامين، قد لا تكون عملية التعرف إلى أصحابها سهلة. وفي سياق ذلك، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن محدودية القدرات الطبية والشرعية في غزة تجعل تحديد هوية بعض الجثامين أمراً في غاية الصعوبة.

يقول الإسكافي إن غياب المعلومات عن مصير المفقودين يترك العائلات في حالة من القلق الدائم، ويجعلها غير قادرة على اتخاذ الخطوة التالية في حياتها. 

"إذا كانا قد ماتا، أخبرونا"

بالنسبة إلى أشجان عبد العال، لا تتطلّب المسألة أكثر من إجابة.

هي لا تطلب وعداً بعودة ابنيها، ولا تريد أن تتمسك بأمل لا دليل أو أصل له.

كل ما تريده هو أن تعرف ما حدث.

تريد من المؤسسات الدولية والجهات المختصة بقضايا المفقودين أن تبحث عن عثمان وسامي، وأن تخبرها أين هما.

إذا كانا على قيد الحياة، تريد أن تعرف مكانهما، وإذا كانا قد قُتلا، تريد أن تعرف الحقيقة وأن تحصل على دليل يسمح لها بوداعهما.

في غزة، حيث يمكن أن يختفي شخص داخل منزل مدمر أو بين آلاف النازحين أو وراء أبواب السجون، يبقى المفقود حاضراً في حياة عائلته أكثر مما يمكن أن يظن الآخرون.

فالعائلة لا تستطيع أن تنعى شخصاً لا تعرف إن كان قد مات، ولا تستطيع أن تحتفل بعودته وهي لا تعرف إن كان حياً.

ولهذا، أنهت أشجان المقابلة بطلب بسيط وجّهته إلى المؤسسات الدولية والجهات المختصة بشؤون المفقودين: وهو أن يخبرها أحد بمصير ابنيها: "إذا كانا قد ماتا، أخبرونا. وإذا كانا على قيد الحياة، أخبرونا."

[1] “Al-Dameer Issues Report Entitled: ‘Missing Palestinians in the Gaza Strip Amid the Genocidal War',” Al Dameer Foundation for Human Rights, 3/6/2026.

[2] “Missing Persons and Their Families,” International Committee of the Red Cross, 5/12/2023.

[3] “ICRC facilitates transfer of 7 Gaza detainees al-Aqsa Martyrs Hospital,” Wafa News Agency, 25/1/2026.

[4] “OHCHR: Killings of Palestinians seeking food in Gaza continue as starvation deepens – Press Release,” United Nations, 31/7/2025.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.