تقارير

الذكاء الاصطناعي كعامل قوة: التدافع الأمريكي الصيني نموذجاً

post-img

مصر 360

بعد أن كانت القوة العسكرية والاقتصادية معيار النفوذ الدولي لعقود، بات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة عاملا مضافا، وبين أهم مؤشرات القوة في القرن الحادي والعشرين، في سباق تقوده الولايات المتحدة والصين باستثمارات، تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، وبتعدد جوانب التدافع والتنافس من مستلزمات التشغيل وجذب المواهب وبناء التحالفات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي كتكنولوجيا متقدمة في مختلف المجالات ومنها التسلح والتخابر وكافة قطاعات الاقتصاد.

ما يعني زيادة عناصر المنافسة الدولية وتوسعها من التركيز على الموارد التقليدية إلى السيطرة على المعرفة والبيانات والبنية التحتية الرقمية، باعتبارها ضمن ركائز القوة في الاقتصاد العالمي الجديد.

تُظهر سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى، إدراكاً متزايداً لهذا التحدي، عبر السعي إلى توسيع قدرات الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، وبناء التحالفات، وتشديد القيود على المنافسين.

وتوضح وثائق واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، التي أطلقتها الإدارة الأمريكية (2025) تحت شعار “الفوز بالسباق”، والتي تعدد جوانب ومرتكزات تحققه من البحث العلمي والاستثمارات والبنية التحتية والتحالفات.

ووفق تقرير AI Index 2025 بلغ حجم الاستثمارات الخاصة في القطاع داخل الولايات المتحدة نحو 109مليارات دولار خلال عام 2024، مسجلاً قفزة هائلة تعادل تقريباً 12 ضعف الاستثمارات الصينية، والتي بلغت 9.3 مليارات دولار.

 كما لا يقتصر التنافس على تطوير التطبيقات والنماذج الذكية، إذ يشمل كذلك السيطرة على البنية التحتية الرقمية والحوسبة، التي يتوقع أن تشكل أحد أسس القوة خلال العقود المقبلة.

ورغم التفوق الأمريكي في الاستثمار، حققت الصين تقدماً في مجال الإنتاج العلمي والابتكاري. حيث يشير تقرير AI Index 2026 إلى تصدر بكين العالم في عدد من مؤشرات البحث العلمي وبراءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

بالمقابل تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق نسبي في جودة بعض البراءات وتأثيرها التجاري والتقني، ما يعني تعدد نقاط الفجوة مع بقاء المنافسة محتدمة، ووجود رؤى لدى الصين وأمريكا، تستند إلى أدوات للتنفيذ، تتفاوت فيها قدرات الدولتين وفرص النجاح.

الرؤية الأمريكية وصراع الهيمنة

تنظر الولايات المتحدة والصين إلى الذكاء الاصطناعي، باعتباره ساحة تنافس، تتجاوز التكنولوجيا إلى الأمن القومي والاقتصاد والجغرافيا السياسية، بمعني آخر ترتبط بشكل حاسم بتحقيق تفوق في هذه المجالات بدرجة أعلى عما كان قبل عشر سنوات.

وتتفق دراسات غربية لمراكز أبحاث، على أن هذا التنافس قد يصبح أحد أبرز محاور الصراع الدولي خلال القرن الحادي والعشرين؛ لأنه يتعلق بمن يمتلك القدرة على صياغة قواعد النفوذ في النظام العالمي.

وفي هذا السياق، اعتبر تقرير “خريطة طريق القيادة الأمريكية في عصر الذكاء الاصطناعي” الصادر عن المجلس الأطلسي، أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً مركزياً في القوة الوطنية، ويوضح أن المنافسة تدور حول القدرة على تحويله إلى تفوق اقتصادي وعسكري طويل الأمد.

وأشار إلى أن التطور السريع للتكنولوجيا يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية، ويجعل الحفاظ على التحالفات والشراكات التقنية جزءاً من معادلة القوة، بما فيها البعد العسكري والاستخباراتي.

وفي ورقة أخرى للمجلس الأطلسي، رأى باحثون أن واشنطن تواجه منافسة متزايدة من قوى، تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة التكنولوجية العالمية، وفي مقدمتها الصين، وهى القوة الصاعدة في المجال .

يعكس هذا الطرح رؤية أمريكية، تعتبر الصراع على الذكاء الاصطناعي ضمن منافسة بين نموذج تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، وآخر تمثله الصين وروسيا، مرتبطا بتداعيات ذلك على الاقتصاد والأمن والنظام الدولي.

 أي أن التطور التكنولوجي في صورته المتمثلة في الذكاء الاصطناعي يُولد ساحة جديدة للصراع الدولي، ويساهم في تحديد نقاط القوة.

الصين: رؤية تكنولوجية لبناء القوة الوطنية ودعم التحالفات

أطلقت الصين رؤيتها خلال عام 2017 تحت عنوان “خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي”، واضعة هدفًا يتمثل في التحول إلى المركز العالمي الأول للابتكار في هذا المجال بحلول عام 2030.

وبحسب دراسة صادرة عن “تشاتام هاوس” بعنوان “هل تستطيع الصين أن تصبح قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي؟” فإن الهدف يتجاوز كونه قطاعًا اقتصاديًا واعدًا، وأقرب إلى مشروع استراتيجي أوسع؛ يهدف إلى تعزيز الاستقلال التكنولوجي وتقليص الاعتماد على الغرب.

ومن هذا المنطلق، ضخت بكين استثمارات كبيرة في البحث العلمي والحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات، وربطت بين التطبيقات المدنية والعسكرية، ضمن ما يعرف بسياسة “الاندماج العسكري- المدني”.

ويعكس التوجه الصيني نحو الذكاء الاصطناعي طبيعة النموذج التنموي، الذي يتبناه الحزب الشيوعي منذ إصلاحات أواخر السبعينيات، والقائم على توظيف أدوات السوق والتكنولوجيا الحديثة، ضمن إطار ما تسميه بكين “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”.  وضمن هذا السياق، يُنظر إلى التكنولوجيا المتقدمة، باعتبارها أداة لتعزيز القوة الوطنية وضمان الاستقلال الاستراتيجي.

ويرتبط الاهتمام الصيني بالتقنية ومؤخرا الذكاء الاصطناعي بمسار من السياسات الصناعية والتكنولوجية، بدا واضحا منذ عام 2005، حين أطلقت خطة وطنية لتطوير العلوم والتكنولوجيا، حددت أهدافاً لتحديث القطاعات الإنتاجية.

ويمكن تتبع ذلك عبر مسار أحد محطاته المبكرة، مبادرة الصناعات الاستراتيجية الناشئة عام 2010، التي ركزت على سبعة قطاعات رئيسية، من بينها تكنولوجيا المعلومات المتقدمة والتكنولوجيا الحيوية والطاقة الجديدة والمعدات المتطورة، قبل أن تُضاف التكنولوجيا الرقمية المبتكرة كقطاع ثامن عام 2016، وجاء الذكاء الاصطناعي امتداداً لتراكم استراتيجي استمر سنوات، أي ليس سياسة طارئة.

ويمكن فهم رؤية الصين في تكاملها مع باقي السياسات الأخرى، التي اعتمدتها، ومنها الاندماج المدني العسكري، وهي ضمن جدل وتفاعل مع الواقع والتطورات المستحدثة.

ويبرز في السياق، مفهوم “السيادة الرقمية”، القائم على حق الدولة في التحكم ببياناتها وبنيتها التحتية الرقمية وتقنياتها الاستراتيجية، والتعاون وبناء أحلاف مع شركاء ودول صديقة ضمن مفاهيم السلام العالمي، الذي تتبناه الصين، وهو يتصل بوحدة الأمن السيبراني الذي قامت بتأسيسه مبكرا.

وتنظر بكين ضمن الصراع على حيازة نفوذ في مجال الذكاء الاصطناعي إلى توسيع وتقدم وحيازة أدوات الإنتاج وزيادة عائدها، وهي حريصة على امتلاك الرقائق الإلكترونية وأنظمة التشغيل والمنصات الرقمية والنماذج الذكية، باعتبارها جزءًا من السيادة الوطنية وأحد مقومات القوة في النظام الدولي.

وهنا تتضح الصلة مع الحرب التجارية، التي تقودها الولايات المتحدة ضد الصين، خاصة فيما يتعلق بمستلزمات التصنيع التكنولوجي، أي أن قطاع التكنولوجيا قد دمج أشكال التنافس بين واشنطن والصين، الأولى كإمبريالية، والثانية كقوة صاعدة اقتصاديا وتكنولوجيا، تحاول بالتعاون مع شركاء تحدي عصر الهيمنة الأمريكية.

ميادين التنافس الرئيسية

الرقائق الإلكترونية: قلب المنافسة التكنولوجية

إذا كان النفط هو وقود الاقتصاد الصناعي، فإن الرقائق الإلكترونية تمثل وقود الاقتصاد الرقمي حاليا، هكذا تستنتج تقارير عدة، مشيرة إلى أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يعتمد بصورة مباشرة على امتلاكها، فهي القادرة على تدريب النماذج الضخمة وتشغيلها.

فى هذا السياق، يرى عدد من الخبراء، أن الصراع الحقيقي في مجال الذكاء الاصطناعي بين أكبر قوتين عالميتين، الصين وأمريكاـ، لا يشمل فقط نماذج كما ChatGPT أ DeepSeek، حيث يتركز بشكل كبير على من يسيطر على سلسلة مستلزمات إنتاج الموصلات المتقدمة، وبدونها لا يمكن تدريب النماذج الكبرى، ولا تشغيل مراكز البيانات العملاقة، ولا تطوير الأنظمة العسكرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

هذا يفسر لماذا فرضت الولايات المتحدة منذ عام 2022 سلسلة من القيود على تصدير الموصلات المتطورة ومعدات تصنيعها، حيث ترى واشنطن، أن تمكين الصين من الوصول إلى الرقائق قد يسرّع تطوير قدراتها العسكرية والاستخباراتية، فهي أحد أدوات التخزين والحصول على المعلومات وتحليلها، ويمكنها مساعدة حلفاء ودول، قد تكون مناوئة لواشنطن، بجانب حضورها في مشهد التنافس التجاري أو ما سمي الحرب التجارية بجانب المعادن، وخلالها تتضح الصلات بمفهوم المنافسة العسكرية، وارتباطها بالأمن القومي وتقاطعها مع الاقتصاد السياسي للهيمنة الامريكية.

وضمن جهودها لتحقيق قدر أكبر من التقدم، ضخت بكين عشرات المليارات من الدولارات في برامج دعم صناعة أشباه الموصلات، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، والبحث الدائم عن بدائل، توفر بنية تحتية للتطبيقات والوسائل، وتجعل استدامة عملها ممكنة وتطويرها مستمر، لا يتعطل بسبب أدوات التصنيع والتشغيل.

بذلك فإن التنافس يشمل بجانب التطبيقات والنماذج، وجود البنية التحتية التي تجعل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ممكنة ومستدامة.

إجمالا، تنظر بكين إلى الذكاء الاصطناعي، باعتباره جزءا من مشروع استراتيجي؛ يهدف إلى تحقيق الاستقلال التكنولوجي وتعزيز مكانتها دوليا، ارتباطا أيضا بمفاهيم السيادة الرقمية و”صنع في الصين 2025″ وسياسة الاندماج العسكري ـ المدني، التي تجعل التكنولوجيا المتقدمة جزءاً من أدوات القوة.

وترى بكين وواشنطن على السواء، أن التنافس في الذكاء الاصطناعي أحد مسارات إعادة تشكيل توازن القوى العالمي خلال العقود المقبلة

البيانات والحوسبة: حيازة الوقود والمحرك

يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى عنصرين أساسيين: البيانات والقدرة الحاسوبية أو التقنية، وفى الوقت الذي تمتلك الصين واحدة من أكبر القواعد السكانية الرقمية في العالم، فإن ذلك يوفر كميات هائلة من البيانات اللازمة لتدريب الأنظمة الذكية. بالمقابل الولايات المتحدة تستفيد من هيمنة شركاتها التقنية الكبرى على جزء كبير من الاقتصاد الرقمي العالمي.

وقد أصبحت القدرة الحاسوبية أحد أهم محددات القوة في عصر الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت مراكز البيانات العملاقة والبنية التحتية للحوسبة، زادت القدرة على تطوير نماذج أكثر تقدماً.

لكن النماذج المتطورة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، ما جعل خبراء يتحدثون عن ظهور علاقة جديدة بين الذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة، ما يعيد التأكيد على أهميتها في المجال التقني.

هنا لدى الصين، التي توسعت في الطاقة المتجددة ميزة، حيث نصف احتياجاتها توفرها عن طريق المصادر المتجددة، وتصدر هذه التكنولوجيا، وهي أكبر مستثمر عالمي في الطاقة المتجددة، وهو ما يمنحها ميزة إضافية في دعم البنية التحتية اللازمة.

المواهب والعقول

تعد معركة العقول واستقطاب الباحثين جزءا أساسيا من التنافس، تشير دراسة لمركز أبحاث تشاتام هاوس (2021)، إلى أن الولايات المتحدة ما تزال تتفوق في استقطاب الباحثين والخبراء من مختلف أنحاء العالم، مستفيدة من جامعاتها الرائدة وشركاتها العملاقة.

في المقابل، تعمل الصين على زيادة أعداد الخريجين والباحثين في المجالات التقنية بصورة غير مسبوقة، مع تقديم حوافز مالية وبحثية كبيرة.

وهنا يظهر أحد دروس ومرتكزات المنافسة الحالية: القدرة على جذب وتطوير الكفاءات البشرية القادرة على إنتاج هذه التكنولوجيا وتحسينها باستمرار.

بالمقابل، فان رغم انخفاض عدد الباحثين والمطورين في مجال الذكاء الاصطناعي، الذين ينتقلون إلى الولايات المتحدة منذ عام 2017. لا تزال موطناً لأكبر عدد من المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، مقارنة بأي دولة أخرى.

البعد العسكري:

في مقال بعنوان “كيف نتعامل مع لحظة أوبنهايمر الخاصة بالذكاء الاصطناعي العسكري، تجري المقاربة  بحالة العالم،  الذي يقترب من نقطة تحول شبيهة باللحظة، التي دخل فيها السلاح النووي إلى المعادلة الدولية، حيث بات الذكاء الاصطناعي يستخدم في مجالات تحليل المعلومات الاستخباراتية، إدارة الطائرات المسيّرة، أنظمة القيادة والسيطرة، والحرب السيبرانية، غير الدعم اللوجستي العسكري.

وتتمثل المخاوف الرئيسية، في أن يؤدي الاستخدام غير المنظم لهذه التكنولوجيا إلى تسريع سباقات التسلح ورفع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.

 كما يفتح مجال الذكاء الاصطناعي الباب أمام القوى المتوسطة، بل وقوى من دون الدول من تحسين قدراتها الهجومية والاشتباك والمشاركة في الصراعات،

وأظهرت حروب السنوات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، ومنها الحرب ضد إيران، أن تقنيات الطائرات المسيّرة والتحليل الآلي للبيانات والأنظمة شبه الذاتية بدأت تغير طبيعة العمليات العسكرية، وتمنح فاعلين أصغر حجماً قدرات كانت حكراً على الجيوش الكبرى.

وفى مواجهة سعى الصين لقيادة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ترى مجموعة من الخبراء في المجلس الأطلسي، أن التحالفات الدولية هي السلاح الأمريكي الأكثر أهمية في هذا المجال، وفي ورقتهم المعنونة بالحلفاء والشركاء في مجال الذكاء الاصطناعي، يؤكدون أهمية شبكة التحالفات، التي تمتلكها واشنطن. فهي بجانب قدراتها الهائلة تعمل منذ سنوات على بناء منظومة واسعة، تضم أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا.

فوفق الخبراء يتضح أن المنافسة مع الصين ترتبط في جانب منها بقدرة واشنطن في تنسيق الجهود مع حلفائها في مجالات البحث العلمي والرقائق والمعايير التقنية وسلاسل الإمداد.

الشرق الأوسط: سوق وتمويل وساحة نفوذ

حتى الآن لا يُعد الشرق الأوسط طرفاً رئيسياً في سباق الذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه، منطقة ذات أهمية متزايدة، نظرا لامتلاكه عناصر وإمكانيات ضخمة، أبرزها الطاقة، ومورد رأس المال وتدفقات استثمارية بفضل الفواض المالية، بجانب الموقع الجغرافي، غير الكثافة السكانية المرتفعة في بعض الدول ومنها مصر

كما شهدت دول الخليج استثمارات متسارعة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، والتوسع في التدريبات التقنية.

وتسعى كل من واشنطن وبكين إلى تعزيز حضورها التكنولوجي، سواء عبر الاستثمارات أو الشراكات أو برامج نقل المعرفة، ولم يكن غريبا أن تكون زيارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخليج، تتناول الاستثمار في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والتسليح.

بينما تمثل مصر حالة خاصة داخل المشهد الإقليمي، فهي لا تمتلك الاحتياطيات المالية الضخمة لبعض الدول الخليجية، لكنها تمتلك ميزة الكتلة البشرية، ومع تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة ووجود قاعدة كبيرة من خريجي الجامعات والكليات الهندسية، تمتلك البلاد مقومات التحول إلى مركز إقليمي للبرمجيات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.

وعمليا، يساهم مصريون في برامج تدريب وتعليم تقني في دول الخليج وبحكم عدد سكانها الهائل، تمتلك آلاف التقنين المهرة في مجالات متنوعة، لكن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائياً إلى قوة فعلية وذاتية للدولة، حيث تتجه كتلة منهم للعمل في الخارج، لكن على الرغم من ذلك الكتلة الموجودة في البلاد، تستطيع أيضا العمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وتستطيع الدولة الاستفادة من هذا الوضع عبر تطوير التعليم التقني والرقمي.

وتحتاج إلى زيادة الإنفاق على البحث العلمي، وجذب الاستثمارات في مراكز البيانات وبناء ودعم الشركات الناشئة، خاصة مع دول الخليج، فضلا عن تطوير التشريعات المنظمة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

وإذا نجحت القاهرة في هذه الملفات، يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي، يخدم أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا. أما إذا تأخرت عملية بناء القدرات المحلية، فستظل البلاد مستورداً للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجاً لها.

خلاصة

إجمالا، يكشف التنافس الأمريكي الصيني في الذكاء الاصطناعي عن حقيقة جوهرية، مفادها أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة. وجزء من المشهد حاليا ومستقبلا يدور حول مدي القدرة على امتلاك المعرفة والبيانات والرقائق.

وتبدو الولايات المتحدة حتى الآن في موقع متقدم بفضل تفوقها البحثي وشبكة تحالفاتها العالمية، بينما تواصل الصين تقليص الفجوة من خلال استثمارات ضخمة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.

أما الشرق الأوسط، فيقف أمام فرصة للاستفادة من هذا التحول العالمي، فهو خزان الطاقة ورأس المال في معادلة الذكاء الاصطناعي.

وتملك مصر، على وجه الخصوص، فرصة حقيقية لتثبيت موقعها كمركز إقليمي للمعرفة الرقمية، إذا نجحت في تحويل رأس مالها البشري إلى قوة إنتاج معرفي وتكنولوجي خلال العقد المقبل، وتدعيم عوامل قوة الدولة، من الموارد الطبيعية أو القوة الدفاعية، وتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي والتعليمي، وتحويل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى برامج عمل فاعلة، مع توسع قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بجانب صادرات خدمات التعهيد التي تتوسع.

أي القدرة على تحويل الإمكانيات، ومنها رأس المال البشري إلى رأس مال معرفي قادر على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها واستيرادها، خاصة مع موقع مصر بين إفريقيا والشرق الأوسط والمبادرات المنخرطة فيها، تعد أرضية مهمة لمصر لشغل دور قيادي إفريقيا وعربيا.

ومستقبلا سيصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من عوامل القوة الشاملة، والقدرة على التأثير خلال العقود القادمة، وإذا كانت القوة في القرن العشرين تقاس بعدد المصانع وحاملات الطائرات، فسيضاف إلى ذلك عامل من يملك الخوارزمية والبيانات والرقاقة والقدرة على تحويل المعرفة في أحد صورها المتطورة المتجسدة في الذكاء الاصطناعي إلى عامل نفوذ مؤثر.

 

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.