لواء/ د. أسامة إبراهيم (صحيفة الاهرام)
تعد الصين من أوائل القوى التي سارعت للاعتراف بالنظام الإيراني الجديد في عام 1979، مدفوعة برؤية استراتيجيّة ترى أن تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة مصلحة ضرورية، وأن سقوط نظام الشاه يُعد انحسارًا للنفوذ الأمريكي، الأمر الذي قد يعكس رغبة صينية مبكرة في إيجاد شريك إقليمي يشاركها التوجّس من الهيمنة القطبية الواحدة. وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، تطوّرت هذه العلاقة بين البلدين وبلغت ذروتها في عام 2021، بتوقيع مذكرة تفاهم استراتيجية تمتد لربع قرن، وانتقلت تبعًا لذلك إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
مع بداية الحرب (الضربات الأولى) في 28 فبراير 2026، وصفت الصين الحرب بأنها فعل غير مفوض أمميًا، ومخالف للقانون الدولي، ومهدد لأمن الخليج والطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي؛ وذلك في ظل أن بكين قوة كبرى اقتصاديًا ولها دور فعال في أعمال الوساطة، لكنها لم تتحول بعد إلى قوة ضامنة أمنيًا على نحو يوازي اتساع مصالحها.
إن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران جاءت في مُناخ دولي شديد الهشاشة، وفي لحظة يواجه فيها النظام الدولي منعطفًا تاريخيًا حاسمًا، وفى ظل اختبارات متعاقبة فرضتها الأزمات والتحديات الكبرى مع انحسار سيادة القانون الدولي أمام تغوّل منطق القوة (حرب غزة - الحرب الأوكرانية). كما أن الحرب لم تبدُو كأزمة شرق أوسطية معزولة، بل تجلّت بوصفها تعبيرًا عن لحظة عالمية تداخلت فيها الأزمات وتراجعت فيها الضوابط، وتزايدت فيها احتمالات تحوّل النزاع الإقليمي إلى صدمة دولية واسعة تمسّ أمن الطاقة، وانسياب التجارة، وشرعية النظام الدولي ذاته.
الموقف الصيني من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران
تبنت الصين، منذ الأيام الأولى للحرب موقفًا رسميًا واضحًا يجمع بين الإدانة القانونية والرؤية السياسية الأوسع للأزمة، كما أكد وصاغ وزير خارجية الصين وانج يي، في لقائه الصحفي في 8 مارس، الموقف الصيني في صورة أكثر شمولًا، معتبرًا أن "هذه حرب ما كان ينبغي أن تندلع أصلًا" وأنه "لا رابح فيها"، مؤكدًا أن الحل الصحيح للملف الإيراني ولأزمة الشرق الأوسط يقتضي الالتزام بخمسة مبادئ مترابطة هي (احترام سيادة الدول - رفض الاستخدام التعسفي للقوة - التمسك بعدم التدخل في الشئون الداخلية - حل القضايا الساخنة سياسيًا عبر الحوار - قيام الدول الكبرى بدور بنّاء قائم على العدل وحسن النية). وبهذا المعنى، لم يكن الموقف الصيني مجرد اعتراض ظرفي على ضربة عسكرية محددة، بل طرح نفسه بوصفه دفاعًا عن الشرعية الدولية، وعن استقرار الإقليم، وعن مبدأ أن الأمن لا ينبغي أن يُعاد تشكيله بالحرب أو بفرض تغيير الأنظمة من الخارج.
كما أوضح أن الصين "لا توافق على الهجمات ضد دول منطقة الخليج وتدين الهجمات العشوائية على المدنيين والأهداف غير العسكرية"، مؤكدًا أن الأولوية العاجلة هي الوقف الفوري للعمليات العسكرية ومنع انتشار الحرب.
ويكشف ذلك أن بكين سعت إلى الجمع بين ثلاثة اعتبارات متلازمة (رفض الحرب على إيران من حيث المبدأ القانوني والسياسي - رفض امتدادها إلى الجوار الخليجي - الحيلولة دون انزلاقها إلى استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية)، وبذلك لم يظهر الموقف الصيني في صورة اصطفاف أحادي مع إيران، بل في صورة محاولة لاحتواء الحرب ومنع تحولها إلى انفجار إقليمي أوسع.
ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية، انتقلت بكين من مستوى التصريح السياسي إلى مستوى الدبلوماسية النشطة عبر جولة المبعوث الخاص للشرق الأوسط جاي جون، حيث تضمنت السعودية والإمارات والبحرين والكويت ومصر، والتقى أيضًا الأمينين العامين لمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، وأجرى اتصالًا هاتفيًا مع الجانب القطري، وقد شدد المبعوث الصيني على أن الوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية يمثلان الحل الجوهري وعلى ضرورة احترام سيادة دول مجلس التعاون وأمنها وسلامة أراضيها، وعدم استهداف الأهداف غير العسكرية، وعدم تعطيل سلامة الممرات البحرية.
تدير الصين هذه الأزمة وفق محددات اقتصادية واستراتيجية وأمنية، حيث يحكم السلوك الصيني شبكة معقّدة من التوازنات، أبرزها حماية أمن الصين الطاقوى المعتمد على الإمدادات الإيرانية، والحفاظ على موقع طهران كـعقدة جيوسياسية وجسر "أوراسي" حيوي لاستدامة مشروع "الحزام والطريق"، بالتوازي مع تجنّب استعداء الشركاء الاستراتيجيين في الخليج العربي.
وعلى صعيد الأداء الديبلوماسي والعملياتي، تسعى بكين من خلال تحركها في مجلس الأمن والأمم المتحدة، لمنع تكريس سوابق دولية تُشَرِّع "الضربات الاستباقية" أو "تغيير الأنظمة بالقوة" إلى جانب سعيها لتدويل الأزمة وتحويل قضية الحرب من صراع "ثنائي" إلى قضية "دولية" عبر منصات (بريكس ومنظمة شنغهاي)، مع توفير غطاء فعال من الدعم التقني والمالي للالتفاف على سلاح العقوبات الغربية لإيران.
ترى الصين اليوم الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران تهديدًا مباشرًا لمشاريعها الاستراتيجية، ومصالحها الحيويّة، وتمس شريكًا أساسيًا في أمن الطاقة الصيني؛ حيث باتت بكين تستورد نحو 90% من صادرات النفط الإيراني في ظل نظام العقوبات، إضافة إلى كونها تستهدف ضخ استثمارات استراتيجية واسعة النطاق في قطاعات البنية التحتية والطاقة الإيرانية، ومن هنا تصوغ بكين علاقتها الحالية مع إيران وفق معادلة الحفاظ على النظام ومنع سقوطه، ودون الدعم العسكري المباشر، مع تجنب المواجهة المباشرة والصدام مع الولايات المتحدة، وهي معادلة تسمح لها بالبقاء لاعبًا مؤثّرًا دون أن تصبح طرفًا في المواجهة، وبما يسمح لها بالحفاظ على علاقة متوازنة مع إسرائيل، لحماية مصالحها التكنولوجية والاقتصادية الحسّاسة، مع استخدام أدوات "القوة الناعمة" للالتفاف على العقوبات، والتجارة بالعملات البديلة للحفاظ على شريان الحياة الاقتصادي لطهران دون التورّط العسكري.
تضع الصين علي الجانب الآخر ضرورة الحفاظ على شبكة مصالحها الواسعة مع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن محددات تعاطيها مع الحرب الحالية، وتستمر في سياساتها القائمة على تجنّب تحويل شراكتها مع طهران إلى عامل قد يستفز شركائها الاقتصاديين الرئيسيين في الخليج.
وفي حين تُفضِّل الصين توظيف الأزمة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت تركيزها عن شرق آسيا، فإنّ اقتراب النظام الإيراني من حافة الانهيار يمثل خطًا أحمر يهدد صميم الأمن القومي الصيني، وهو ما قد يدفع بكين قسريًا للانزلاق نحو مستويات أعلى من الانخراط الاستراتيجي المباشر لمنع سقوط النظام الايراني وحماية مصادر الطاقة التي تمنحها لها إيران بشروط تفضيلية بعيدًا عن سيطرة الدولار، وفي الوقت ذاته، ترى الصين في الحرب استنزافًا للقدرات العسكرية الأمريكية، بما قد يمنحها الفرصة التاريخية لإعادة تشكيل النظام الدولي متعدّد الأقطاب من خلال بوابة الشرق الأوسط.
تدرك الصين أن كلفة الانحياز المطلق لإيران قد تؤدي إلى خسارات اقتصادية لاستثماراتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي يتجاوز حجم تبادلها التجاري حاجز الـ (300) مليار دولار، وتعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شريكين تجاريين وتكنولوجيين يفوقان في وزنهما الاقتصادي بالنسبة لبكين السوق الإيرانية المثقلة بالعقوبات، كما أن دول الخليج العربي، وخصوصًا السعودية، تظل المصدر المستقر والأكبر للطاقة بالنسبة إلى الصين، وأي زعزعة لاستقرار الممرات المائية في الخليج نتيجة الحرب ستضرب عصب الصناعة الصينية، لذلك تحاول بكين لعب دور الوسيط كما حدث في اتفاق بكين في مارس 2023، لاستئناف العلاقات السعودية الإيرانية، والذي كان يهدف بالأساس إلى تصفير المخاطر الجيوسياسية المحيطة بمصادر الطاقة الصينية.
السيناريوهات المستقبليّة للموقف الصيني
لا يمكن صياغة سيناريوهات مستقبلية ثابتة لسلوك بكين دون ربطها بحجم التهديد الذي يمس مصالحها الحيوية ومشاريعها الاستراتيجية ويؤثر على صعودها كقوة عالمية، وبناءً على طبيعة تطور الحرب ضد إيران يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتدرج وفقًا لمستوى ونوع الانخراط الصيني على النحو التالى:
السيناريو الأول: "عدم الانخراط" (المرجح)
اكتفاء الصين بعدم الانخراط المباشر في الأزمة وتجنب الصدام العسكري والحفاظ على دعمها الدبلوماسي لإيران في مجلس الأمن، مع الاستمرار في تقديم الدعم لطهران عبر استمرار شراء النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، ويتحقق هذا السيناريو إذا ظلت الحرب في حدودها الحالية وفي حدود الضربات المتبادلة، ولم تصل إلى مرحلة تدمير البنية التحتية الشاملة لإيران أو الغزو البري، مما لا يشكل تهديدًا وجوديًا لسلاسل الإمداد الصينية.
السيناريو الثاني: "الانخراط المتوسط"
تعمل الصين على رفع مستوى الدعم التكنولوجي لإيران، مثل فتح شبكة الملاحة الفضائية الصينية (بيدو) بالكامل لتوجيه الصواريخ والمُسيرات الإيرانية، وتوفير صور أقمار اصطناعية، ودعم وحدات الحرب السيبرانية، كما قد تلجأ الصين للضغط عبر بريكس ومنظمة شنغهاي لاتخاذ إجراءات اقتصادية.
السيناريو الثالث: "الانخراط الأقصى": (مستبعد)
تخلّى الصين عن سياستها الهادئة والمتوازنة وتنخرط بثقلها في الحرب، وهذا لا يعني بالضرورة مشاركة عسكرية مباشرة، بل ربما يشمل نشر قطع بحرية في بحر العرب والمحيط الهندي ومضيق هرمز، تحت حجة "مرافقة وحماية السفن التجارية الصينية"، وتفعيل بنود التعاون الأمني المباشر، واتخاذ إجراءات اقتصادية في مسعى لفرض إيقاف سريع للحرب.
حالات تنفيذ السيناريوهات
سيناريو "عدم الانخراط"، هو المفضّل لبكين، لأنه يستنزف الموارد الأمريكية ويؤثر في صورتها دوليًا، بينما تحافظ الصين على علاقاتها مع دول الخليج العربي وإسرائيل دون انهيار النظام الإيراني.
أما سيناريو "الانخراط المتوسط"، فقد تضطر الصين إليه إذا اتجهت واشنطن وتل أبيب نحو تغيير النظام أو شل القطاع النفطي الإيراني بالكامل، وهو ما تراه الصين ضربة مباشرة لمشروع "الجسر الأوراسي" ومؤثر مباشر على مشاريعها الاقتصادية وأمن الطاقة.
في حين قد تلجأ الصين إلى سيناريو "الانخراط الأقصى" في حالة تضرر مصالحها الاقتصادية بشكل كبير، كأن تندلع حرب شاملة تؤدي إلى إغلاق كلي وطويل الأمد لمضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب، مما يعني انقطاع أكثر من 50% من إمدادات الطاقة الصينية، وانهيار أسواق المال، وتهديد الأمن القومي الداخلي الصيني بانقطاع الكهرباء وانهيار الصناعة.
ختامًا، سوف تتجنب الصين الانخراط المباشر في الحرب، غير أن مسار العمليات العسكرية والمشهد
ما زال في تقلب مستمر، وهو ما قد يفرض ديناميكية تصاعدية واضحة في طبيعة السلوك الاستراتيجي لجمهورية الصين الشعبية حيال الأزمة.
بناءً على ذلك، فإنّ الموقف الصيني من الحرب الحالية محكوم بضرورة منع انهيار إيران دون استعداء الخليج، لضمان تدفق النفط الإيراني الرخيص، مع الحفاظ على الاتفاقيات التجارية والاستثمارية العملاقة في دول الخليج.