مقالات

الضفة الغربية المحتلة: هل بات الانفجار وشيكاً؟

post-img

ماهر الشريف (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

جرت يوم السبت في 25 تموز/يوليو الجاري مراسم تشييع أربعة فلسطينيين في قرية "تل"، الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة نابلس، استشهدوا على أيدي المستوطنين، وصرح وليد زيدان، رئيس مجلس القرية لـ "وكالة فرانس برس" قائلاً: "أقامت عائلات الشهداء الأربعة مراسم تشييع في وقت مبكر من صباح اليوم"، مضيفاً أن "حوالي ثلاثين شخصاً فقط تمكنوا من الحضور بسبب القيود التي يفرضها الجيش".

فقد عمار رمضان -الذي كانت عيناه محمرّتين من أثر البكاء- شقيقه عمران (37 عاماً) وثلاثة من أبناء عمومته (فاروق 41 عاماً، وإبراهيم 32 عاماً، وجواد 27 عاماً). يقول هذا الفلسطيني البالغ من العمر 34 عاماً، بلهجة يملؤها الألم: "هل تريدون معرفة شعوري؟ ليتني متُّ معهم!". وندد إسماعيل الصيفي، وهو أحد سكان القرية، بـ "تكرار الهجمات" التي يشنها المستوطنون، قائلاً: "لقد تصدى لهم الشبان بشجاعة دفاعاً عن منازلهم وأراضيهم". وأفاد وليد زيدان باعتقال 51 من سكان القرية لاستجوابهم، مشيراً إلى أنه لم يُفرج سوى عن ستة منهم حتى الآن. وقال سيف حمزة، الذي أُطلق سراحه بعد الاستجواب: "خُصص رقم لكل شخص تمّ اعتقاله، وكُتب هذا الرقم على جبينه؛ بقيتُ مكبل اليدين ومعصوب العينين حتى لحظة إطلاق سراحي". وداهمت قوات الاحتلال "مستشفى نابلس التخصصي" في مدينة نابلس واختطفت فلسطينيين اثنين من قرية "تل"[1].

الفلسطينيون يتصدون للمستوطنين في قرية "تل"

كان نحو عشرين مستوطناً من بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية المجاورة قد اقتحموا القرية في 24 تموز/يوليو الجاري. ووفقاً للروايات التي جمعتها "وكالة فرانس برس" من رئيس المجلس القروي، وليد زيدان، "كان الجنود الإسرائيليون موجودين، وأطلقوا النار جنباً إلى جنب مع المستوطنين... لقد اقتحم المستوطنون القرية بنية القتل والتخريب وإضرام النار في الممتلكات". وأفادت التقارير بأن القرويين تمكنوا من طرد المجموعة في البداية، لكنها عادت لاحقاً وهي مدججة بالسلاح وبصحبة جيش الاحتلال؛ وخلال الاشتباك الذي أعقب ذلك، انتزع فلسطيني سلاح رئيس أمن المستوطنة، بنياهو ميليت، وأطلق عليه النار من مسافة قريبة جداً، قبل أن يُقتل هو نفسه بالرصاص، إلى جانب ثلاثة من سكان القرية، كما قُتل مسؤول أمني محلي خلال الحادثة.

وبينما زعم جيش الاحتلال أن إسرائيليين كانوا "يتجولون" في المنطقة، وأن الفلسطينيين هم الذين اعتدوا عليهم، صرّح منذر اشتية، نائب رئيس مجلس قروي "تل" قائلاً: "لم يكن هناك أي هجوم مخطط له ضد المستوطنين الإسرائيليين؛ بل على العكس، كان المستوطنون هم من يهاجمون القرويين وقت وقوع الحادثة". وأشار اشتية إلى أن القرية تعرضت لهجمات خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك محاولة قام بها مستوطنون إسرائيليون لإضرام النار في منزل بينما كانت إحدى العائلات بداخله. ونقل الصحافي قاسم معادي عنه قوله: "كان القرويون في حالة تأهب تحسباً لأي هجوم جديد، ولهذا السبب تواجد العديد من الشبان عند أطراف القرية صباح يوم الجمعة؛ عندها وصل مستوطنون مسلحون، وبعد مواجهة، تصاعد الموقف، ما أسفر عن مقتل أحد المستوطنين؛ ثم فتح المستوطنون النار عشوائياً، فقتلوا أربعة رجال من القرية"[2].

مستوطنون يضرمون النار في مسجدين

انتقاماً للأحداث التي وقعت في قرية "تل"، أضرم مستوطنون إسرائيليون النار في مسجدين بشمال الضفة الغربية وذلك خلال الليل الفاصل بين يومي السبت 25 تموز/يوليو والأحد 26 تموز/يوليو، وفقاً لمسؤولين فلسطينيين.

ففي قرية "قصرة"، جنوب نابلس، أضرم مستوطنون النار في مسجد قيد الإنشاء، حسبما صرح رئيس البلدية عبد العظيم وادي لـ "وكالة فرانس برس"، وقال وادي: "أتى الحريق على مدخل المسجد وألحق أضراراً حتى بالبناء الحجري"، مضيفاً أنه تم خطّ عبارات باللغة العبرية -بما في ذلك كلمة "انتقام"- على الجدران. وأفاد جيش الاحتلال بأن جنوده، الذين أُرسلوا إلى "قصرة" عقب تلقي بلاغ، قاموا بـ "البحث عن المشتبه بهم الذين كانوا قد لاذوا بالفرار قبل وصولهم"، و"عثروا على آثار إضرام نار وكتابات مسيئة في الموقع". ووقعت حادثة ثانية في قرية "كور" جنوب طولكرم، حيث استُهدف مسجد آخر بـ "إضرام نار وكتابات عنصرية"، وذلك وفقاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية[3].

كما سُجلت مواجهات في مناطق أخرى من شمال الضفة الغربية؛ إذ وفقاً لمصادر وشهود عيان، شن مستوطنون إسرائيليون هجمات على عدة قرى فلسطينية، وأشار الهلال الأحمر الفلسطيني إلى إصابة ثمانية فلسطينيين في قرية "فرعتا" قرب قلقيلية - بينهم عدد أصيبوا بأعيرة نارية - وإصابة فلسطينيين في قرية "صرة"، وذلك إثر هجمات شنها مستوطنون. وفي سياق متصل، فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً على مدينة نابلس، وشنت عمليات دهم في مدينة طوباس (شمال شرق الضفة الغربية) ومخيم الفارعة للاجئين الواقع جنوب المدينة، وفي مخيم "عقبة جبر" في أريحا وقرية "كوبر" في محافظة رام الله والبيرة. كما دارت اشتباكات بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال في قرية "سوسيا" في جنوب الضفة الغربية المحتلة[4].

ردود الأفعال الإسرائيلية على ما حدث في قرية "تل"

استغل بنيامين نتنياهو تصدي الفلسطينيين لهجوم المستوطنين في قرية "تل" كي يصعّد وتيرة القمع الذي تمارسه حكومته في الضفة الغربية المحتلة، ويسرّع وتيرة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، إذ شدّد، عقب اجتماع أمني طارئ عقده مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير ووزير الحرب يسرائيل كاتس، على أنه "لن يسمح للإرهاب بأن يرفع رأسه"، معلناً عن سلسلة من الإجراءات تشمل: هدم منزل الفلسطيني الذي أطلق النار على المستوطن الإسرائيلي في قرية "تل"، ومداهمة جميع القرى التي انطلقت منها الهجمات على المستوطنين، وإلغاء تصاريح العمل لجميع الفلسطينيين المقيمين فيها، وتسريع إجراءات شرعنة بؤر استيطانية جديدة. بينما دعا الوزيران إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش علناً إلى معاملة البلدات الفلسطينية "على غرار قطاع غزة"، مطالبين بشن غارات جوية وهدم المنازل بالجرافات، كما طالبا بتغيير جذري في العقيدة الأمنية في الضفة الغربية وبالتوسع الفوري في الاستيطان رداً على الأحداث، وصرّح بن غفير قائلاً: "مقابل كل يهودي يُقتل، يجب أن يخسر العدو منازل وأراضي"[5].

تعزيز البؤر الاستيطانية في المنطقة "ب"

تزامنت موجة العنف المتصاعدة التي يقف وراءها المستوطنون مع توسع المستوطنات وإقامة البؤر الاستيطانية، وذلك في ظل عدم إخفاء قطاع من الطبقة السياسية الإسرائيلية رغبته في ضم الضفة الغربية.

كان تسريع شرعنة بؤر استيطانية جديدة من التدابير العقابية التي اقترحها بنيامين نتنياهو للرد على ما حدث في بلدة "تل"، وقد سارع مستوطنون الليل الفاصل بين يوم الجمعة في 24 تموز/يوليو ويوم السبت في 25 تموز/يوليو، إلى إقامة أربع بؤر استيطانية جديدة.

ومنذ فترة، صارت هذه البؤر الاستيطانية تُقام كذلك في المنطقة "ب"، الخاضعة بالكامل للولاية المدنية الفلسطينية، بما في ذلك شؤون التخطيط والبناء. فبحسب حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، أقام فيها المستوطنون، على مدار العامين ونصف العام الماضيين، ما لا يقل عن 21 بؤرة استيطانية، تواصل التكاثر والرسوخ والتوسع، إذ بات بعضها يؤوي عائلات، والبعض الآخر يضم الآن كُنساً يهودية، وفي حالة واحدة على الأقل، أُقيم كشك لبيع القهوة لاستقبال الزوار الكثر القادمين إلى الموقع.

بحلول نهاية سنة 2024، كان فريق "مراقبة الاستيطان" التابع لحركة "السلام الآن" قد رصد سبع بؤر استيطانية جديدة أُقيمت في المنطقة "ب" - وهي الأولى من نوعها منذ توقيع "اتفاقيات أوسلو". ومنذ ذلك الحين، توسعت هذه البؤر وظهرت بؤر أخرى عديدة. وقد أُقيمت خمس بؤر جديدة على الأقل في شرق بيت لحم وجنوبها؛ وهي منطقة أصبحت محوراً لجهود الحكومة والمستوطنين الرامية إلى طرد الوجود الفلسطيني. كما ظهرت بؤر أخرى في منطقة رام الله، وتلال جنوب الخليل، ومنطقة نابلس، وشرق مدينتي بيت لحم والخليل. ويكتسب معظم البؤر تدريجياً بنية تحتية دائمة، تشمل أساسات خرسانية ومباني ثابتة. وكما هو الحال مع البؤر الاستيطانية الأخرى في أنحاء الضفة الغربية، فإن وجود عدد قليل من عائلات المستوطنين يكفي لفرض سيطرة فعلية على مساحات شاسعة من أراضي الرعي ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها.

وتُشرف هذه البؤر على مساحات شاسعة من الأراضي. وفي بعض الحالات، كما هو الحال في البؤرة القريبة من قرية "بيتيلو"، استولى المستوطنون على منشآت مملوكة لفلسطينيين وضمّوها إلى البؤرة الاستيطانية. وفي المناطق التي أُقيمت فيها هذه البؤر الاستيطانية، وثّق فريق "مراقبة الاستيطان" التابع لمنظمة "السلام الآن" حالات عشرات المنازل والمجمعات السكنية الفلسطينية التي هُجرت بسبب عنف المستوطنين المستمروالضغوط المتواصلة. وفي بعض الحالات، انتقل المستوطنون لاحقاً للسكن في تلك المنازل الفلسطينية المهجورة.

ويتزامن إنشاء البؤر الاستيطانية في "المنطقة ب" مع قرارات حكومية أوسع تهدف إلى توسيع صلاحيات إنفاذ القانون الإسرائيلي في المنطقتين "أ" و"ب"[6].

صبر الفلسطينيين بدأ ينفد

هذا ما تعتقده الصحافية الإسرائيلية المختصة بشؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة، عميرة هاس، في مقال نشرته في صحيفة "هآرتس"، في 25 تموز/الجاري، ونقلته نشرة "مختارات من الصحف العبرية"؛ ففي تقديرها، أن الفلسطينيين الذين أظهروا "قدراً كبيراً من ضبط النفس في مواجهة ازدياد الاعتداءات والجولات الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون في مناطقهم"، راح صبرهم ينفد، وهو ما بيّنته أحداث قرية "تل"، بعد أن حاول سكانها "منع مجموعة من المستوطنين المسلحين، الذين كانوا يتجولون، من دخول أراضي القرية"، معتبرة أن الاستفزازات المدروسة التي يقوم بها المستوطنون، حتى قبل دخول إسرائيل في الحملة الانتخابية، "تستهدف أهدافاً تتجاوز كثيراً نتائج صناديق الاقتراع؛ فكل جولة مخطط لها مسبقاً على الطرقات الواقعة بين القرى، وكل مزرعة أغنام تستولي على مزيد من أراضي الرعي الفلسطينية، تقرّب إسرائيل من تنفيذ "خطة الحسم" التي يتبناها الوزير بتسلئيل سموتريتش"، وهي الخطة التي تهدف "إلى إخضاع الفلسطينيين، ودفعهم إلى الهجرة" الجماعية، وإيقاع القتل، وتفكيك كل أشكال التماسك الاجتماعي الداخلي". وتعدد عميرة هاس العوامل التي جعلت صبر الفلسطينيين ينفد، فتشير إلى أن معظم الفلسطينيين أصبح "أكثر فقراً، بعد أن صادرت وزارة المالية الإسرائيلية عائدات السلطة الفلسطينية، ومنعتهم من العمل داخل إسرائيل؛ وفي الوقت نفسه، أدى توسّع البؤر الاستيطانية وإصدار أوامر بإغلاق المناطق إلى القضاء على مصادر رزق أُخرى، مثل رعي الأغنام والزراعة"[7].

وختاماً، فقد وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، في 25 تموز/يوليو الجاري، الهجمات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية المحتلة بأنها "مذابح جماعية" داعيةً إلى فرض حظر فوري على الأسلحة ووقف التجارة مع إسرائيل، وكتبت على منصة "إكس": "مذابح ضد مدنيين عزل في جميع أنحاء الضفة الغربية، بينما تتعرض غزة للقصف"، واتهمت المدنيين الإسرائيليين والجيش بـ "تضافر الجهود" في هذه الهجمات، مؤكدة "أن المسؤولية لا تقتصر على نتنياهو أو على قلة من العناصر المارقة"[8].

 

[1] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20260725-cisjordanie-enterrement-quatre-palestiniens-tu%C3%A9s-affrontements-avec-colons-isra%C3%ABl; https://www.liberation.fr/international/moyen-orient/en-cisjordanie-occupee-deux-villages-palestiniens-attaques-par-des-colons-israeliens-on-ne-les-avait-jamais-vus-si-nombreux

[2] https://www.chroniquepalestine.com/terreur-sioniste-en-cisjordanie-occupee

[3] https://www.lemonde.fr/international/article/2026/07/26/en-cisjordanie-deux-mosquees-incendiees-par-des-colons-israeliens-sur-fond-de-vives-tensions-apres-les-affrontements-de-vendredi

[4] https://blogs.mediapart.fr/totobeloeil/blog/250726/cisjordanie-arrestations-militaires-et-attaques-de-colons-se-multiplient

[5] https://www.latribune.fr/article/la-tribune-dimanche/dans-le-monde/11468607199502/chaos-en-cisjordanie-netanyahou-durcit-le-ton

[6] https://www.france-palestine.org/Israel-autorise-l-expansion-et-le-renforcement-des-avant-postes-de-colonisation

[7] https://mukhtaraat.palestine-studies.org/ar/node/39720

[8] https://www.liberation.fr/international/moyen-orient/en-cisjordanie-occupee-deux-villages-palestiniens-attaques-par-des-colons-israeliens-on-ne-les-avait-jamais-vus-si-nombreux

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.