مالك زيلح - مؤسسة الدراسات الفلسطينية
ملخص
يتناول هذا المقال التحول الذي أحدثته منصّات الخرائط الرقمية في مدينة القدس، بصفته انتقالاً من إدارة المكان مادياً إلى إدارة "ظهوره الرقمي" عبر التسمية، والتصنيف، والإرشاد، ونتائج البحث. ويقترح مفهوم {سيادة العنوان} لتحليل الكيفية التي تتحول بها أسماء الأحياء، والطرقات، والمعالم من مؤشرات مكانية إلى أدوات سلطة ناعمة تؤثر في الوصول إلى الخدمات، والتنقل، وتمثيل الذاكرة المكانية. ويجادل المقال بأن الخرائط الرقمية لا تعمل كوسائط تقنية محايدة، إنما كبنى معرفة تُضمِّن اختلالات القوة في إجراءات تبدو معيارية، مثل "توحيد الأسماء" أو "تحديث البيانات"، كما يناقش المخاطر المترتبة على هذا التحول، ولا سيما الإقصاء الرمزي وتطبيع التسمية المفروضة، ويقترح مساراً عملياً لاستعادة الاسم كحق، عبر التوثيق المنهجي، والخرائط المفتوحة، والضغط الحقوقي، والتثقيف المكاني الرقمي داخل المجتمع المقدسي.
تمهيد نظري ومنهجي
ينطلق هذا المقال من مقاربة تحليلية – مفاهيمية تستند إلى تقاطعات الجغرافيا النقدية ونظريات المعرفة والسلطة، التي تنظر إلى الخريطة بصفتها أداة لإنتاج المعنى والسيادة، لا مجرد وسيط تقني محايد، ويعتمد المقال على قراءة نقدية لوظائف التسمية، والتصنيف، والظهور في منصّات الخرائط الرقمية، بصفتها ممارسات قابلة للرصد والتحليل عبر آثارها على الحركة اليومية، والوصول إلى الخدمات، وتمثيل المكان في الفضاء الرقمي. ولا يقدّم المقال دراسة ميدانية مغلقة، إنما يسعى لبناء إطار تحليلي يمكن اختباره وتوسيعه لاحقاً عبر دراسات حالة مقارنة، وتوثيق منهجي للأخطاء والانحيازات الرقمية في القدس.
سيادة العنوان: من المؤشر المكاني إلى سلطة الظهور
يكشف التحول الرقمي في القدس ما يمكن تسميته بـ{سيادة العنوان}، فحين يصبح الوصول إلى البيت، أو المدرسة، أو العيادة مشروطاً بتطبيق خريطة، وحين تتحول أسماء الأحياء والطرق إلى بيانات تُستدعى بنقرة في الحياة الحضرية اليومية، تغدو الهوية قابلة للترجمة الخوارزمية: تُكتب، وتُحذف، وتُستبدل بصمت؛ عند هذه النقطة، لا تعود الخرائط الرقمية مرآةً محايدة للمكان، بل بنية معرفة تُقرر ما الذي يُرى، وما الذي يُسمّى، وما الذي يُترك خارج الإطار.[1]
ويُقصد بـ{سيادة العنوان} هنا مجموعة مترابطة من الممارسات الرقمية تشمل: سلطة التسمية، وسلطة التصنيف الإداري، وسلطة الظهور في نتائج البحث، وسلطة الإرشاد والمسار، وهذه الممارسات، وإن بدت تقنية في ظاهرها، إلاّ إنها تحمل آثاراً سياسية ورمزية مباشرة، ولا سيما في مدينة كالقدس، حيث يشكّل الاسم جزءاً من الصراع على المعنى والاعتراف.
الخريطة بصفتها حكماً ناعماً
تبني الخرائط الرقمية فضاءً افتراضياً لا يقل تأثيراً عن المكان الفيزيائي، فالموقع الذي لا يظهر، أو يظهر باسم آخر، أو يُدرج ضمن فئة مختلفة، يتراجع إمكان الوصول إليه، ويقل ظهوره في نتائج البحث، وتتأخر خدمات التوصيل عنه، وتغدو الإرشادات إليه أكثر التباساً، وبذلك، يتحول المكان إلى نقطة بلا سردية واضحة.
ويكشف مزج مصادر البيانات: بلديات، وشركات خاصة، ومساهمات مستخدمين، ومزودين تجاريين، كيف تُترجم الاختلالات السياسية إلى قرارات تقنية من دون إعلان، فحين تُعتمد حدود بلدية أو تقسيمات أحياء تخدم سردية واحدة، لا تُقدَّم المسألة بصفتها موقفاً سياسياً، إنما باعتبارها "تحديثاً"، وحين تُستبعد تسمية فلسطينية لمعلم أو حي، تُوصَف العملية بأنها "توحيد للأسماء" أو "معيار جودة"، هنا تحديداً تُخفي اللغة التقنية القرار السياسي داخل إجراءات تبدو محايدة.[2]
من الذاكرة إلى قاعدة البيانات
يتجسد هذا الإخفاء في تفاصيل يومية: اسم حي يُكتب بصيغة عبرية فقط، أو يُختزل إلى ترجمة صوتية تبتلع معناه، أو يُعاد تصنيفه ضمن نطاق إداري أوسع يفقده خصوصيته التاريخية، في المقابل، يُعاد إنتاج أسماء استعمارية أو دينية بصفتها الأصل، بينما تُدرج الأسماء العربية الحاملة لذاكرة المكان في الهامش.
ويظهر البحث عن بعض الأحياء المقدسية تفاوتاً في التسمية والظهور الرقمي، فقد يظهر الحي بتسمية واحدة دون أُخرى، أو يُدمج ضمن تصنيف إداري عام، ما ينعكس على نتائج البحث ودقة الإرشاد وإمكان الوصول إلى الخدمات، ولا يقتصر الخلل على الاسم ذاته، بل أيضاً يمتد إلى شبكة الاستخدام اليومية للمدينة.
ويشير تاريخ القدس إلى أن الاسم لطالما شكّل طبقة من السيادة الرمزية، إذ تُظهر دراسة أصول التسمية في المصادر التاريخية كيف كان تغيّر الأسماء تعبيراً عن صراع الروايات،[3] غير أن الخرائط الرقمية تختزل هذا الصراع اليوم في خانة داخل قاعدة بيانات، تُقرر أي تسمية تُعرض للمستخدم، وأيها تُحجب.
حين يتحول الخلل إلى نمط مُطبَّع
لا يعني الخطأ في الخريطة اسماً غير دقيق فحسب، بل أيضاً يعني خللاً في شبكة الوصول اليومية: كيف نصل، وإلى أين نُوجَّه، وما الذي يُعد قريباً أو بعيداً، مرئياً أو مهمشاً، وحين يتكرر هذا الخلل، ويُهمل تصحيحه، ويُعاد إنتاجه عبر التحديثات المتعاقبة، يمكن النظر إليه كمؤشر على انحياز بنيوي أكثر منه مجرد عطب تقني.
يحمل هذا المسار ثلاثة أنواع مترابطة من المخاطر: أولاً، تفكيك الذاكرة المدنية عبر تحويلها إلى بيانات قابلة للاستبدال، وثانياً، تعميق التفاوت في الوصول إلى الخدمات والتنقل، وثالثاً، تطبيع خريطة تُقدَّم باعتبارها "الحقيقة" الرقمية الوحيدة، فتغدو الرواية الأكثر ظهوراً هي الرواية الأكثر قوة.[4]
استعادة الاسم بصفته حقاً
يستدعي فهم هذه المخاطر استعادة دور الخرائط الفلسطينية بصفتها عملاً معرفياً وأداة مساءلة، لا مجرد وثيقة، فوجود خرائط مرجعية عن القدس، تتبع الحدود البلدية، والأحياء، وخطط الاستيطان والجدار، يؤكد أن إنتاج المعرفة المكانية كان تاريخياً جزءاً من مقاومة الإخفاء.[5]
ويقترح المقال ثلاث أدوات معالجة قابلة للبناء التراكمي:
التوثيق المنهجي والمصادر المفتوحة: عبر جمع بيانات القدس بصورة قابلة للتحقق، ما يخلق ذاكرة رقمية مرجعية للنقاش الحقوقي والبحثي والإعلامي.[6]
الخرائط المفتوحة والتسمية بصفتها حقاً: عبر دعم مبادرات تسمح بإضافة التسميات العربية التاريخية وربطها بالأرشيف والشهادات الشفوية.[7]
الضغط الحقوقي والشفافية: عبر توثيق الأخطاء؛ لقطات شاشة وإحداثيات ومقارنات، وتقديم شكاوى منظمة، ونشر تقارير تربط الخلل بأثره على الحركة والسلامة والوصول إلى الخدمات.
كما يقترح المقال مأسسة التثقيف المكاني الرقمي داخل المجتمع المقدسي، بتدريب الطلبة والباحثين والناشطين على تحرير البيانات المفتوحة، وإنتاج معاجم محلية للأسماء، وربط الروايات الشفوية بأرشيفات عامة.
خاتمة
إن استعادة القدس لا تمر فقط عبر الخطاب السياسي أو الشعار الثقافي، بل أيضاً عبر تفاصيل تبدو ثانوية في ظاهرها وحاسمة في أثرها: اسم شارع، كتابة حي، ظهور مدرسة أو عيادة في نتائج البحث، أو دقة المسار إلى بيت، ومع انتقال إدارة المكان جزئياً إلى الفضاء الرقمي، لم تعد الخرائط مجرد أدوات إرشاد تقني، بل تحولت إلى بنى معرفية تنظّم الظهور المكاني وتعيد تعريف ما يُرى وما يُسمّى وما يُترك خارج الإطار، وفي هذا السياق يبرز مفهوم {سيادة العنوان} بصفته أداة لفهم كيفية تشكّل الاعتراف بالمكان داخل المنصات الرقمية، حيث يصبح الاسم نقطة التقاء بين المعرفة والسلطة والواقع الاجتماعي.
لذلك لا ينبغي التعامل مع الخرائط الرقمية في القدس كمسألة تقنية محضة، بل باعتبارها قضية معرفية ومؤسساتية تتصل بالحق في التسمية والتمثيل المكاني، ويقتضي ذلك توثيق الأسماء والأماكن بصورة منهجية، ودعم مبادرات الخرائط المفتوحة، وتعزيز الثقافة المكانية الرقمية داخل المجتمع المقدسي لإعادة إدراج الرواية المحلية في فضاء البيانات العالمي، ومن هذا المنظور تغدو سيادة العنوان امتداداً معاصراً للصراع على الذاكرة والمكان، حيث يصبح الدفاع عن الاسم جزءاً من الدفاع عن الحق في تعريف المدينة ورواية تاريخها داخل الفضاء الرقمي.
[1]"رسم خريطة الفصل - خرائط 'جوجل‘ وحقوق الإنسان للفلسطينيين"، حملة - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي.
[2]محمد عبد الله، "جوجل تعيد رسم الضفة الغربية: تغييب مناطق 'ج‘ والقدس يثير قلقاً حقوقياً ورقمياً"، "بال غراف".
[3]"بلدية الاحتلال تُهوّد أسماء شوارع تاريخية بالقدس"، المركز الفلسطيني للإعلام، 4/9/2021.
[4]إبراهيم محمد، "إسرائيل تغيّر أسماء الشوارع في القدس: الباب والحرّاس والأجراس لي"، مدونة حفريات، 28/10/2021.
[5]"خرائط غوغل تُخلّف تحديات جديدة للفلسطينيين في الضفة الغربية"، "الجزيرة نت"، 12/1/2025.
[6]"إطلاق الموقع الإلكتروني لمدينة القدس بتقنية ثلاثية الأبعاد"، معهد الأبحاث التطبيقية - القدس (ARIJ)، 20/8/2025.
[7]"المشاريع الرقمية"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.