تقارير

التحولات الدولية والإقليمية وانعكاساتها على مصر: قراءة في التقرير الاستراتيجي العربي 2025

post-img

د. حازم محفوظ - مركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية

يُعدّ التقرير الاستراتيجي العربي، الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية منذ عام 1986، أحد المراجع الرئيسية لفهم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي في تفاعلاته مع النظام العربي والإقليمي وانعكاساتها على مصر. ويستمد هذا التقرير، في نسخته لعام 2025 الصادرة في عدده الأربعين (إبريل 2026)، أهميته من كونه امتدادًا لتقليد بحثي راسخ يقوم على العمل الجماعي، إذ شارك في إعداده نحو 40 من الباحثين والخبراء من داخل المركز ومن خارجه، وقد توزعت إسهاماتهم على 27 دراسة متخصصة، بما يعكس تنوع الخبرات وتعدد الزوايا التحليلية، ويجسّد درجة عالية من التكامل المعرفي.

ويعتمد التقرير على منهج تحليلي متكامل لا يقتصر على رصد الأحداث والوقائع، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير الاتجاهات الرئيسية في التفاعلات الدولية والإقليمية واستشراف مساراتها المستقبلية. ويأتي هذا الإصدار في سياق مرحلة انتقالية تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين، وتزايد مظاهر السيولة، وتداخل مستويات الصراع، مع تراجع فاعلية الأطر التقليدية المنظمة للعلاقات الدولية.

وفي هذا الإطار، يطرح التقرير رؤية تحليلية مركّزة تقوم على الترابط بين ثلاثة مستويات رئيسية: تحولات النظام الدولي، وإعادة تشكيل النظام العربي والإقليمي، وتداعيات ذلك على الدولة الوطنية، ممثلة في الحالة المصرية. ويعكس هذا الإطار التحليلي إدراكًا لطبيعة المرحلة الراهنة، التي لم يعد من الممكن فهمها بشكل منفصل بين هذه المستويات، بل من خلال تحليل تفاعلاتها المتبادلة.

أولًا: النظام الدولي.. من إعادة التوازن إلى السيولة الاستراتيجية
يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة تحولًا بنيويًا يتجاوز مجرد إعادة توزيع القوة بين الفاعلين الدوليين، ليطال طبيعة النظام ذاته وقواعده الحاكمة. فلم يعد العالم يتجه نحو تعددية قطبية مستقرة، بقدر ما ينزلق إلى حالة من السيولة الاستراتيجية، تتآكل فيها الأطر المؤسسية الناظمة للعلاقات الدولية، وتتراجع فيها القدرة على ضبط التفاعلات بين القوى الكبرى.

ويعكس هذا التحول انتقال النظام الدولي من مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي اتسمت بهيمنة أمريكية واستقرار مؤسسي، إلى طور جديد يتسم باضطراب القواعد واختلال التوازنات. وفي هذا السياق، برز التحول في السياسة الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، بوصفه عاملًا دافعًا لإعادة تشكيل النظام الدولي، في إطار ما يمكن وصفه بـالظاهرة الترامبية، حيث جرى الانتقال من نمط القيادة متعددة الأطراف إلى منطق المصالح المباشرة والصفقات الثنائية، وهو ما أسهم في إضعاف مرتكزات النظام الليبرالي الدولي، وفتح المجال أمام تصاعد أنماط أكثر تصادمية في إدارة العلاقات الدولية.

ولا يقتصر هذا التحول على السياسة الخارجية، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث أسهم تسييس المؤسسات وتراجع التوافقات بين النخب في جعله أحد المتغيرات الأساسية المؤثرة في استقرار النظام الدولي، لا سيما مع بروز ملامح أقرب إلى السلطوية الإجرائية داخل السياسة الأمريكية، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمؤسسات والنخبة الحاكمة.

في المقابل، يُعد الصعود الصيني أحد أبرز ملامح التحول في بنية القوى العالمية، حيث تسعى بكين إلى إعادة تشكيل التوازنات الدولية من خلال أدوات اقتصادية وتكنولوجية متقدمة، في ظل تنافس استراتيجي متصاعد مع الولايات المتحدة. ويشير هذا التنافس إلى أن الصراع لم يعد مقتصرًا على النفوذ داخل النظام القائم، بل امتد ليشمل إعادة صياغة قواعده ذاتها. أما روسيا، فرغم سعيها إلى استعادة موقعها كقطب دولي من خلال توظيف القوة العسكرية والطاقوية، فإن محدودية قدراتها الاقتصادية وأزماتها البنيوية تجعلها أقرب إلى فاعل معطل للتوازنات الدولية، دون القدرة على قيادة نظام بديل.

وتنعكس هذه التحولات على بنية التحالفات الدولية، لا سيما حلف شمال الأطلسي، الذي يواجه اختبارًا حقيقيًا في ظل الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث برزت تباينات واضحة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن أولويات الأمن وتقاسم الأعباء، ما يكشف عن اتجاه نحو إعادة التفاوض حول أدوار القيادة داخل الحلف.

وبالتوازي، شهدت المؤسسات الدولية الغربية تراجعًا ملحوظًا في قدرتها على إدارة الأزمات العالمية. فقد أدى الاستخدام المتكرر لحق النقض داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى شلل وظيفي، أضاف إلى ما تعانيه الأمم المتحدة ووكالاتها من أزمات تمويلية متفاقمة، في ظل تراجع الالتزام الأمريكي والغربي عمومًا. كما أسهم تسييس العمل الإنساني وتآكل الإجماع الدولي في إضعاف فعالية هذه المؤسسات، ودفع الدول إلى تغليب الأطر الثنائية أو الإقليمية التي تُعد أكثر توافقًا مع مصالحها القومية. وفى هذا السياق، يبرز البعد التكنولوجي، خاصة الذكاء الاصطناعي، بوصفه أحد أهم محددات القوة في النظام الدولي، في ظل غياب أطر تنظيمية فعالة، بما يفتح المجال أمام سباق تسلح جديد، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب.

كما تعكس اضطرابات المضايق البحرية ونقاط الاختناق الاستراتيجية تعاظم البعد الجيو-اقتصادي لهذه التحولات، حيث بات تأمين سلاسل الإمداد والحركة التجارية جزءًا من معادلات الأمن القومي للدول. ورغم محاولات تنويع الممرات البديلة، فإن محدوديتها تؤكد استمرار مركزية الممرات البحرية التقليدية كأدوات ضغط استراتيجية في الصراعات الدولية.

ويكتمل مشهد التحول البنيوي في النظام الدولي ببروز المعادن النادرة بوصفها الأساس المادي للصراع الدولي؛ إذ انتقلت من مورد اقتصادي إلى أداة استراتيجية لإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. وتكشف سياسات إدارة الرئيس ترامب عام 2025 عن نمط من "الاستعمار الانتقائي"، القائم على توظيف الموارد الحيوية في إدارة الصراعات. وفي المقابل، عززت الصين موقعها عبر السيطرة على سلاسل الإمداد والتكرير والتحويل الصناعي، بما منحها قدرة متزايدة على توظيف الاعتماد المتبادل غير المتكافئ كسلاح جيو-اقتصادي، في انعكاس واضح لانتقال الصراع الدولي من التنافس على المؤسسات إلى التنافس على أسس القوة المادية ذاتها.

وبذلك، يتضح أن النظام الدولي يشهد تحولًا هيكليًا عميقًا، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، في إطار نمط صراعي مركب، بما يجعل عدم الاستقرار ليس مرحلة انتقالية عابرة، بل سمة بنيوية ودائمة في النظام الدولي المعاصر.

ثانيًا: النظام العربي والإقليمي.. تفكك التوازنات وإعادة تشكيل الإقليم
في ظل السياق الدولي والإقليمي المضطرب، يتجه النظام العربي والإقليمي نحو مرحلة أكثر تعقيدًا تتسم بتزايد تداخل الصراعات وتعدد بؤر التوتر، في إطار مسار عام يعكس تحولات عميقة في بنية الإقليم وتوازناته. ويأتي التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي تجاه إيران مطلع عام 2026 ليُضاف إلى هذه البيئة المتوترة، بوصفه عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، دون أن يعني ذلك حتمية الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

شهد عام 2025 تصاعدًا لافتًا في حدة التنافس بين النظام العربي والنظام الشرق أوسطي، في ظل اتساع نطاق تدخلات القوى الإقليمية داخل الدول العربية، سواء عبر الأدوات العسكرية المباشرة أو من خلال دعم مكونات داخلية على حساب الدولة الوطنية. وقد تزامن ذلك مع تكريس اختلال في التوازن الاستراتيجي داخل الإقليم، وازدياد الدور الإسرائيلي في محاولة إعادة تشكيل معادلات القوة، بما يتجاوز التفوق العسكري إلى السعي لإعادة صياغة بنية الشرق الأوسط ضمن تصورات مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

وفي هذا السياق، برزت ملامح اصطفاف إقليمي غير مكتمل، يمكن قراءته في إطار محورين رئيسيين: محور معلن تقوده إسرائيل يقوم على التفوق العسكري والتحالفات الدولية وإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤية هجومية، ومحور آخر كامن يعكس حالة حذر وترقب دون أن يتبلور في صيغة تحالف واضح. كما اتسع نطاق الصراع ليشمل البعد الحضاري والثقافي، من خلال محاولات إعادة إنتاج السرديات التاريخية وإعادة تشكيل الوعي والهوية في الإقليم.

وقد تجلّت في هذا الإطار ما يمكن تسميته بـ"أزمة المكونات"، حيث تعزز دور الفاعلين من غير الدول، واستمرت حالة الفاعلين المتوازيين في التمدد مقابل تراجع مركزية الدولة الوطنية. وأسهم هذا التحول في إضعاف قدرة الدول العربية على إدارة توازناتها الداخلية، في ظل توظيف متزايد للمكونات الطائفية والمناطقية من قبل أطراف إقليمية ودولية، بما يعمّق هشاشة البنية الداخلية ويعيد إنتاج أنماط جديدة من الصراع.

وفي السياق ذاته، شهدت دول الصراع العربية مثل السودان وليبيا واليمن ولبنان حالة من التعقيد المتصاعد، اتسمت بتداخل عناصر الاستمرارية مع التحول داخل بنية الصراع. فقد استمرت حالة توازن الضعف بين الأطراف المتصارعة، بالتوازي مع تصاعد الانقسامات داخل الفصائل والقوى المسلحة نفسها، وتزايد تشابك المصالح بين الفاعلين المحليين والقوى الإقليمية والدولية. كما ساهمت هشاشة اتفاقات السلام، واتساع اقتصاديات الحرب، واستمرار نشاط الجماعات المسلحة، وضعف إمكانات إعادة الإعمار، في تغذية استمرار هذه الأزمات وتعميق تعقيداتها.

وعلى مستوى الجوار الإقليمي، شهدت العلاقات العربية مع كل من إيران وتركيا وإثيوبيا تحولات مهمة. فقد اتجهت إيران، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالتصعيد الأمريكي–الإسرائيلي في 2026 وتداعيات بيئتها الإقليمية، إلى إعادة ضبط أدوات نفوذها بأساليب أكثر حذرًا وأقل تكلفة، وهو ما انعكس على الموقف العربي الذي أصبح أكثر تحفظًا وانتقائية تجاهها. أما تركيا، فقد انتقلت في أدوات سياستها الإقليمية من الاعتماد على دعم الفصائل المسلحة إلى بناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد، مع تعزيز حضورها عبر الأطر القانونية والسياسية. في حين تبنت إثيوبيا نهجًا أكثر براجماتية وحذرًا، في ظل هشاشة أوضاعها الداخلية وتفاقم الانقسامات البنيوية في الداخل والإقليم.

كما برز المجال الرقمي بوصفه أحد التحولات الجوهرية في بنية التفاعلات العربية، حيث لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء بديل للتعبير السياسي وتشكيل الرأي العام. وقد اكتسب هذا الفضاء قدرة عالية على التأثير في اتجاهات النقاشات العربية، وأصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل العلاقات بين الدول والمجتمعات، بل وامتد تأثيره إلى إعادة إنتاج الاستقطابات الإقليمية ذاتها، بما يجعل الصراع على الوعي جزءًا مكمّلًا للصراع الجيوسياسي التقليدي.

وفيما يتعلق بدول الخليج، واصلت هذه الدول مسار التحول الاقتصادي بعيدًا عن النموذج الريعي، عبر سياسات تنويع اقتصادي عززت من قدرتها على بناء نماذج تنموية أكثر استدامة. وقد انعكس ذلك في صعود دورها الاقتصادي والسياسي على المستويين الإقليمي والدولي، وتنامي حضورها في مجالات الوساطة وتسوية النزاعات، إضافة إلى توسيع شبكة شراكاتها مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند. كما امتد هذا الدور ليشمل علاقات مع أطراف إقليمية ومكونات محلية غير تقليدية، في إطار محاولة دقيقة للموازنة بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي في بيئة شديدة التقلب.

أما دول المغرب العربي، فقد وجدت نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد بين التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية. فقد تزامنت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية مع تداعيات الحرب في أوكرانيا والتنافس الدولي المتصاعد، ما زاد من هشاشة المشهد العام. وفي هذا السياق، برزت القضية الفلسطينية باعتبارها عاملًا مركزيًا في تشكيل المزاج السياسي والشعبي في المنطقة، مع عودة النقاش حول مشاريع توسعية إسرائيلية وسرديات "إعادة تشكيل الإقليم"، الأمر الذي وضع مسألة التطبيع في قلب الجدل السياسي. وقد تباينت المواقف المغاربية بين الانخراط التدريجي في التطبيع في حالة المغرب، والرفض القاطع في الجزائر وتونس وموريتانيا، في حين ظلت ليبيا غير قادرة على بلورة سياسة خارجية مستقرة نتيجة أوضاعها الداخلية.

وفي سوريا، تتواصل مرحلة انتقالية معقدة منذ سقوط النظام السابق، حيث تواجه الإدارة الجديدة تحديات جوهرية تتعلق بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها. وقد أفرزت هذه المرحلة مشكلات هيكلية مرتبطة بالتركيب الاجتماعي المتعدد والمعقد للمجتمع السوري، بما يحمله من طوائف وأعراق وأقليات، ما انعكس على المشهد الأمني والمناطقي. كما يظل العامل الإقليمي والدولي حاضرًا بقوة في تشكيل مسار المرحلة الانتقالية، في ظل بيئة إقليمية مرشحة لمزيد من إعادة التشكل بفعل التصعيدات الكبرى، الأمر الذي يجعل مستقبل الدولة السورية مرهونًا بقدرة السلطة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في آن واحد.

وفي الداخل الإيراني، كشفت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية في يونيو 2025 عن تحولات عميقة في بنية النظام، وأظهرت قدرًا من الهشاشة في بعض مكوناته العسكرية والسياسية. ومع تصاعد الضغوط الإقليمية في 2026، سعت القيادة الإيرانية إلى تعزيز التماسك الداخلي عبر التركيز على البعد القومي وتجميد بعض الملفات المثيرة للجدل داخليًا. في المقابل، شهدت البنية السياسية والعسكرية تغييرات واسعة، خاصة بعد استهداف قيادات بارزة وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل النظام. كما تصاعدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وبرزت المعارضة في الخارج بشكل أكثر حضورًا، في ظل جدل داخلي متصاعد حول البرنامج النووي ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، بين تيار يدفع نحو التصعيد وآخر يفضل مسار التفاوض.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد عاد مفهوم "إسرائيل الكبرى" إلى الواجهة مجددًا بعد تصريحات سياسية إسرائيلية في 2025، في سياق أوسع من الطرح المرتبط بإعادة تشكيل الإقليم، ما أعاد إحياء مخاوف تاريخية مرتبطة بمشاريع توسعية سابقة. وقد أسهم ذلك في تعزيز حالة القلق الاستراتيجي في المنطقة، في ظل تداخل السرديات الدينية والسياسية، وتحوّل الصراع إلى مستوى مركب يجمع بين الجغرافيا والهوية والوعي. وفى السياق الميداني، يستمر المشهد الفلسطيني في حالة شديدة التعقيد، مع استمرار الحرب في غزة وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، وتراجع الثقة في السلطة الفلسطينية، مقابل استمرار حضور حركة حماس رغم ما تعرضت له من خسائر كبيرة.

كما شهدت السردية الفلسطينية تطورًا ملحوظًا على المستوى الدولي، خاصة بعد حرب غزة، حيث ساهمت التطورات الميدانية في كشف الانتهاكات الإسرائيلية على نطاق واسع، ما عزز من حضور القضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي. وقد أسهم ذلك في توسيع نطاق التعاطف الدولي مع الحقوق الفلسطينية، وإعادة إدراج القضية على أجندات سياسية ودبلوماسية متعددة، رغم استمرار ضعف البنية السياسية والإعلامية المقابلة مقارنة بالخطاب المضاد الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا.

وفي المحصلة، يتجه النظام العربي والإقليمي نحو مرحلة إعادة تشكيل عميقة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية، في سياق مفتوح على سيناريوهات متعددة، تبقى نتائجها مرهونة بتطورات التوازنات الإقليمية والدولية.

ثالثًا: جمهورية مصر العربية.. التكيف الاستراتيجي في بيئة مضطربة
شهدت مصر خلال عام 2025 تحولات مهمة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تأثرت بالتطورات الداخلية، إلى جانب عوامل خارجية فرضها السياق الإقليمي والدولي المتسم بقدر عالٍ من الاضطراب وعدم الاستقرار. فقد استمرت حالة الحروب والصراعات الإقليمية والدولية الممتدة منذ أكثر من عامين، لتدخل عامها الثالث بالزخم نفسه، الأمر الذي انعكس على السياق الداخلي للدولة المصرية ومجمل خياراتها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، برزت الحاجة إلى تبني نهج شامل في إدارة الشأن العام، يقوم على تعزيز قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، ودعم مستويات الاستقرار الداخلي.

على الصعيد السياسي الداخلي، جرت في مصر خلال العام انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، التي أسفرت عن برلمان جديد اتسم بملامح خاصة. وكان من أبرز ما شهدته هذه الانتخابات البيان الرئاسي الصادر في 19 نوفمبر 2025، الذي أكد حق الهيئة الوطنية للانتخابات في إلغاء المرحلة الأولى من انتخابات المجلس كليًا أو جزئيًا عند ثبوت المخالفات. وقد سعى التقرير لتفسير أسباب اتخاذ التدخل الرئاسي الشكل العلني السريع والحاسم الذي ظهر به. كما حلل تأثير الاستجابة الرئاسية في تصحيح جوانب الخلل في المشهد الانتخابي، وتناول الأداء المتوقع للبرلمان الجديد في ظل ظروف تكوينه والمسئوليات المنوطة به. ورصد التقرير أهمية إجراء إصلاحات تسمح بأن يكون للأحزاب حضور قوي في المجالين العام والسياسي، مع تقييم التجربة الانتخابية وانعكاساتها على الحياة السياسية وعملية الإصلاح بأبعادها المتعددة، لا سيما قبل أن تشرع الدولة في تنظيم الانتخابات الرئاسية عام 2030.

كما شهدت البيئة التشريعية إقرار عدد من القوانين التي أثارت جدلًا وطنيًا واسعًا، وقد شملت قطاعات حيوية مثل الإسكان والإيجارات القديمة، والعمل، والتعليم، والصحة. ويتمثل ما يجمع بين هذه القوانين في سعيها إلى معالجة مشكلات متراكمة نتجت إما عن ثغرات في التشريعات السابقة أو عن تداخل في المرجعيات القانونية، وهو ما أسهم في ظهور اختلالات اقتصادية واجتماعية متعددة، خاصة مع ما شهده المجتمع المصري من تحولات ممتدة عبر عقود. ويعكس تزامن هذه التدخلات التشريعية أن الهدف لا يقتصر على التنظيم القانوني والإداري فحسب، بل يمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحو أكثر توازنًا.

انعكست التحولات السياسية والقانونية على قضايا المجال العام، التي أفرزت بدورها تحولات نوعية في بنيتها وفي آليات تشكّل النقاش المجتمعي حولها، مع انتقال مركز الثقل من المساحات المؤسسية التقليدية كالأحزاب والنقابات والصحف إلى الفضاء الرقمي، الذي أصبح ساحة رئيسية لتداول الرأي وصياغة الأولويات المجتمعية. كما أسهمت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في إعادة تشكيل المزاج العام، بما دفع نحو تصاعد النقاش حول قضايا قيمية مرتبطة بالهوية والثقافة والعنف الأسري وحقوق المرأة وحدود التعبير الرقمي. وفي هذا السياق، يُعدّ الوعي النقدي للمواطنين شرطًا أساسيًا للمشاركة الرشيدة في المجال العام، بما يضمن الحفاظ على التوازن بين الانفتاح الرقمي والضبط المؤسسي، وهو ما يستلزم جهودًا مؤسسية مستمرة ومتكاملة لإدارة هذا المجال المتغير.

على الصعيد الاقتصادي، سجل العام 2025 تحسنًا نسبيًا في مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي والنمو القطاعي، إلى جانب انخفاض معدلات التضخم وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار، رغم استمرار التحديات التي انعكست على الميزان التجاري. وقد ارتبط ذلك بإطلاق مبادرة "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية" بهدف إعادة صياغة أولويات السياسات الاقتصادية وتعزيز تكاملها مع برنامج عمل الحكومة.

وفي هذا الإطار، برز التحول الرقمي كأحد المحاور الاستراتيجية في الدولة المصرية، حيث سعت الدولة إلى تدعيم بنية التحول الرقمي واقتحام مجالات الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد روافد الاقتصاد الوطني. وتجسد ذلك في تطوير حوكمة المحتوى الرقمي وتأكيد الهوية الرقمية الوطنية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، فضلًا عن التوسع في إنشاء الكليات والأكاديميات والأقسام والتخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل الجامعات المصرية، بما يسهم في دعم السيادة السيبرانية وتعزيز الأمن القومي. وفى هذا السياق، تبرز أهمية تطوير استراتيجية وطنية شاملة تتيح بناء بدائل رقمية محلية للخدمات الحيوية، وتعزيز قدرات الاستجابة في أوقات الطوارئ والأزمات، إلى جانب تحديث استراتيجية الأمن السيبراني، ودمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية ضمن منظومة الأمن القومي، بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة التكنولوجية العالمية.

على الصعيدين العسكري والأمني، واصلت مصر تطوير قواتها المسلحة وتحديث قدراتها عبر إدخال التكنولوجيات العسكرية الحديثة، في ظل تنامي التهديدات التي تواجه الأمن القومي على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة، خاصة مع التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة انتشار الشائعات والأخبار المضللة التي تستهدف زعزعة استقرار الدول والمجتمعات. وفي هذا السياق، استمرت جهود تطوير القدرات العسكرية والدفاعية، مع تبني مفهوم شامل للأمن القومي يتجاوز الأبعاد التقليدية ليشمل الجوانب الاقتصادية والمعلوماتية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية ورفع مستوى الوعي المجتمعي بالمخاطر المستجدة، بما يسهم في دعم التماسك الوطني وحماية المجتمع من التهديدات المختلفة.

أما على مستوى السياسة الخارجية والأمن القومي، واصلت مصر اتباع مقاربة "الاتزان الاستراتيجي"، التي تقوم على تنويع الشراكات مع القوى الكبرى والتكتلات الدولية، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني. كما أولت اهتمامًا خاصًا بدوائرها العربية والأفريقية بهدف دعم الأمن القومي وتعزيز مسارات التنمية والتكامل الإقليمي، إلى جانب السعي إلى تسوية النزاعات والأزمات بالوسائل الدبلوماسية.

يتضح من ذلك، أن مصر تتبنى نمطًا من التكيف الاستراتيجي مع البيئة المحيطة، يقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الداخلي والانخراط الخارجي، بما يتيح لها الحفاظ على استقرارها وتعزيز دورها في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.

وهكذا، تكشف القراءة المتكاملة لمستويات التحليل أن العالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، تبدأ من اضطراب بنية النظام الدولي، وتمر بإعادة رسم ملامح النظام العربي والإقليمي، وتنتهي عند كيفية استجابة الدول، وعلى رأسها مصر، لهذه التحولات. وفي هذا السياق، لا يتمثل التحدي الرئيسي فقط في فهم هذه التحولات، بل في القدرة على التكيف معها وإدارة تداعياتها، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وتعظيم المصالح الوطنية في بيئة دولية وإقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.