العميد دكتور محمد حجاب (المركز الديمقراطي العربي)
الملخص
تشهد البيئة الأمنية الدولية تحولاً متسارعاً في طبيعة القوة العسكرية نتيجة الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة منخفضة التكلفة. وقد أثارت التقارير التي تحدثت عن استهداف مروحية أمريكية من طراز “أباتشي” بواسطة مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد” تساؤلات مهمة حول مستقبل المنصات العسكرية التقليدية مرتفعة الكلفة. وتناقش هذه الدراسة التحول في فلسفة التسليح المعاصر، وتأثير معادلة الكلفة مقابل التأثير على العقائد العسكرية، وانعكاسات انتشار المسيّرات على توازنات القوة الإقليمية والدولية. وتخلص الدراسة إلى أن الحروب الحديثة تتجه نحو نمط جديد من الصراعات يعتمد على الكفاءة الاقتصادية والتشغيلية أكثر من اعتماده على التفوق التكنولوجي التقليدي وحده.
مقدمة
شهدت العقود الأخيرة تغيرات متسارعة في طبيعة الصراعات المسلحة، انعكست بصورة مباشرة على مفهوم القوة العسكرية وأدواتها. فبعد أن ارتبط التفوق العسكري لفترة طويلة بامتلاك المنصات القتالية الكبرى من طائرات ومروحيات وسفن حربية ومنظومات صاروخية متقدمة، برزت خلال السنوات الأخيرة فئة جديدة من الأسلحة منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ضوء التطورات التي شهدتها الحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات في الشرق الأوسط، والعمليات العسكرية في البحر الأحمر والخليج العربي، حيث أثبتت المسيّرات قدرتها على تنفيذ مهام استراتيجية كانت حكراً على أنظمة تسليح أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة. وفي هذا السياق، فإن الجدل الذي أثارته التقارير المتعلقة بإصابة مروحية أمريكية من طراز “أباتشي” بواسطة مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد” يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الحرب الحديثة، أكثر مما يعكس مجرد حادثة ميدانية منفردة.
أولاً: التحول في فلسفة القوة العسكرية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية اعتمدت القوى الكبرى على مفهوم التفوق النوعي القائم على امتلاك منصات قتالية متطورة ذات قدرات تكنولوجية عالية. وقد شكلت الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية وحاملات الطائرات الركائز الأساسية للقوة العسكرية الأمريكية والروسية والغربية عموماً.
غير أن التطور التكنولوجي المتسارع أدى إلى ظهور أنظمة قتالية أصغر حجماً وأقل تكلفة وأكثر قدرة على الانتشار. وأصبحت الطائرات المسيّرة تمثل أحد أهم مظاهر هذا التحول، حيث تمكنت من الجمع بين انخفاض التكلفة وسهولة التشغيل وإمكانية الإنتاج الكمي الواسع.(1)
وقد دفعت هذه المتغيرات العديد من الخبراء إلى الحديث عن بداية مرحلة جديدة من التطور العسكري تشبه في تأثيرها التحولات التي أحدثتها الدبابات والطائرات في النصف الأول من القرن العشرين.
ثانياً: اقتصاديات الحرب الجديدة ومعادلة الكلفة مقابل التأثير
أحد أهم المتغيرات التي فرضتها المسيّرات يتمثل في إعادة تعريف العلاقة بين تكلفة السلاح وتأثيره العملياتي. فالمعادلات العسكرية التقليدية كانت تقوم على افتراض أن التفوق يرتبط بامتلاك أنظمة أكثر تطوراً وأعلى تكلفة.
إلا أن الواقع العملياتي خلال السنوات الأخيرة أظهر أن أسلحة منخفضة التكلفة قد تتمكن من إحداث تأثير يفوق أحياناً تأثير منصات عسكرية باهظة الثمن. ويشير عدد من الباحثين إلى أن هذا التحول يمثل أحد أبرز مظاهر “الحرب غير المتماثلة الاقتصادية”، حيث يصبح الهدف الأساسي هو استنزاف الخصم مالياً وعسكرياً بدلاً من مواجهته بصورة مباشرة.(2)
وفي هذا الإطار، تبرز الطائرات المسيّرة الانتحارية باعتبارها أداة مثالية لتحقيق هذه المعادلة، إذ يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وتشغيلها ضد أهداف استراتيجية مرتفعة القيمة، ما يؤدي إلى إحداث خلل واضح في ميزان الكلفة والعائد.
وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في التحديات التي تواجهها أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، حيث قد تتجاوز تكلفة اعتراض المسيّرة الواحدة أضعاف تكلفة تصنيعها وتشغيلها.
ثالثاً: إيران واستراتيجية الردع غير المتماثل
منذ تسعينيات القرن الماضي، عملت إيران على تطوير مفهوم عسكري يعتمد على تعويض الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة وحلفائها عبر تبني استراتيجيات الردع غير المتماثل.
وقد ركزت طهران على تطوير ثلاثة مجالات رئيسية: الصواريخ الباليستية، والصواريخ المجنحة، والطائرات المسيّرة. وشكلت المسيّرات أحد أهم أركان هذه الاستراتيجية نظراً لانخفاض تكلفتها وسهولة نشرها ومرونتها العملياتية.(3)
وتُعد عائلة “شاهد” من أبرز نماذج هذه المنظومة، إذ طُورت لتوفير قدرة هجومية بعيدة المدى بتكاليف محدودة نسبياً، مع إمكانية استخدامها بأعداد كبيرة لإرباك أنظمة الدفاع الجوي المعادية.
كما ساهمت التجارب الميدانية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز مكانة هذه المنظومات ضمن العقيدة العسكرية الإيرانية، وفي إظهار قدرتها على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
رابعاً: الحرب الروسية الأوكرانية وإثبات فعالية المسيّرات
مثّلت الحرب الروسية الأوكرانية نقطة تحول رئيسية في تاريخ استخدام الطائرات المسيّرة. فقد أظهرت المعارك أن المسيّرات لم تعد مجرد أدوات استطلاع، بل أصبحت وسيلة فعالة للاستهداف الدقيق وتوجيه النيران وجمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ الهجمات المباشرة.(4)
كما كشفت الحرب عن أهمية الإنتاج الكمي للمسيّرات مقارنة بالاعتماد الحصري على المنصات التقليدية مرتفعة الكلفة. وأدى ذلك إلى إعادة تقييم العديد من العقائد العسكرية الغربية بشأن طبيعة القوة العسكرية المستقبلية.
وقد دفعت هذه الدروس المستفادة عدداً من الدول إلى زيادة استثماراتها في برامج الطائرات غير المأهولة وأنظمة مكافحة المسيّرات والحرب الإلكترونية.
خامساً: انعكاسات التحول التكنولوجي على مستقبل الحروب
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن الحروب المستقبلية ستشهد تزايداً ملحوظاً في دور الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل.
ومن المرجح أن تركز الجيوش الكبرى خلال العقد القادم على تطوير أنظمة قادرة على مواجهة أسراب المسيّرات، بما في ذلك أسلحة الليزر والطاقة الموجهة وأنظمة التشويش الإلكتروني المتقدمة.(5)
كما ستتجه المؤسسات العسكرية إلى تبني مفهوم “القوة الموزعة”، الذي يقوم على توزيع القدرات القتالية على عدد كبير من المنصات الصغيرة بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من المنصات الاستراتيجية الكبرى.
ويعني ذلك أن ميزان القوة العسكري العالمي قد يصبح أقل ارتباطاً بحجم الإنفاق الدفاعي التقليدي، وأكثر ارتباطاً بقدرة الدول على الابتكار التكنولوجي والإنتاج السريع والتشغيل المرن للأنظمة غير المأهولة.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن العالم يشهد تحولاً تاريخياً في طبيعة القوة العسكرية وفي مفهوم التفوق الاستراتيجي. فلم تعد المنصات القتالية الكبرى تتمتع بالمكانة الاحتكارية التي احتفظت بها طوال العقود الماضية، بل أصبحت تواجه تحديات متزايدة من أنظمة قتالية صغيرة ومنخفضة التكلفة قادرة على تحقيق تأثيرات استراتيجية كبيرة.
ولا يعني ذلك نهاية عصر المقاتلات أو المروحيات الهجومية أو حاملات الطائرات، لكنها لم تعد وحدها العامل الحاسم في تحديد موازين القوة. فالحروب الحديثة تتجه بصورة متزايدة نحو الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والكفاءة الاقتصادية والمرونة التشغيلية.
ومن ثم، فإن النقاش الدائر حول قدرة مسيّرة منخفضة التكلفة على تهديد منصة عسكرية متطورة لا يتعلق بحادثة منفردة بقدر ما يعكس تحولات هيكلية عميقة في طبيعة الصراع المسلح العالمي، قد تعيد رسم خرائط القوة العسكرية خلال العقود القادمة.
الهوامش
(1) Paul Scharre, Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War, W. W. Norton & Company, New York, 2018, pp. 25-37.
(2) Lawrence Freedman, The Future of War: A History, Public Affairs, New York, 2017, pp. 312-328.
(3) Anthony H. Cordesman, Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities, Center for Strategic and International Studies (CSIS), Washington D.C., 2020, pp. 44-58.
(4) Jack Watling and Nick Reynolds, Meatgrinder: Russian Tactics in the Second Year of Its Invasion of Ukraine, Royal United Services Institute (RUSI), London, 2023, pp. 17-29.
(5) Michael C. Horowitz, The Diffusion of Military Power: Causes and Consequences for International Politics, Princeton University Press, Princeton, 2010, pp. 189-214.
المراجع
Cordesman, Anthony H., Iran’s Military Forces and Warfighting Capabilities, Center for Strategic and International Studies (CSIS), Washington D.C., 2020.
Freedman, Lawrence, The Future of War: A History, Public Affairs, New York, 2017.
Horowitz, Michael C., The Diffusion of Military Power: Causes and Consequences for International Politics, Princeton University Press, Princeton, 2010.
Scharre, Paul, Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War, W. W. Norton & Company, New York, 2018.
Watling, Jack and Reynolds, Nick, Meatgrinder: Russian Tactics in the Second Year of Its Invasion of Ukraine, Royal United Services Institute (RUSI), London, 2023.