مقالات

إيران تجدد موقعها في الجغرافيا والتاريخ

post-img

أنور الهواري (مصر 360) 

كُنتُ على خطأ، عندما تصورتُ أن إيران من الوارد أن يجري عليها من الأحكام ما قد جرى على عدد كبير من الدول الإسلامية والعربية في الربع الأول من القرن الحالي، حيث قررت أمريكا بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، أن تعيد بناء شرق أوسط جديد، اضطرت لأجله أن تقوم بإسقاط عدد كبير من أنظمة الحكم وترويض البعض الآخر، أسقطت النظم في أفغانستان والعراق في الموجة الأولى، ثم أسقطت حلفاءها الكبار في تونس ومصر وليبيا واليمن في موجة الربيع العربي، التي سبقها تمهيد أمريكي مكثف، يقترب من عقد كامل من الزمن، ثم في الموجة الثالثة تساقط الإسلاميون في السودان ثم البعث في سوريا، ثم تصورت أن الدور جاء على إيران، يوم تعرضت لحرب نظامية أمريكية صهيونية مشتركة- مع تسهيلات خليجية- في اليوم الأخير من فبراير 2026، كُنتُ أتخيل أن النظام في إيران، ليس أكثر من نموذج للاستبداد العربي الإسلامي المتعفن، الذي يأكله الصدأ وينخر فيه السوس، ويخر راكعاً ثم جاثياً ثم منبطحاً في أول مواجهة مع أي تدبير أمريكي لإسقاطه، ربما ساعدني على الوقوع في هذا التصور- الذي ثبت خطؤه فيما بعد- أن الغرب له تجربة سابقة في العبث داخل إيران وتدبير الانقلابات وشراء العملاء وإسقاط النظام الوطني بقيادة الدكتور مصدق عند منتصف القرن العشرين وتنصيب حكومة عميلة موالية لمن دبر الخطة ومولها ونفذها: بريطانيا وأمريكا. كُنتُ أقول- وكُنتُ على خطأ- سوف يسقط النظام الإيراني في غلوة، كما سقط نظام بن علي في تونس، أو يسقط مثل ثمرات التوت الناضجة، بمجرد أن تمسك بالغصن القريب منك، وتهزه برفق ثلاث مرات، مثلما تساقط نظام مبارك في مصر، أو يسقط بعد مقاوحة يائسة مثل، نظام علي صالح في اليمن، أو يسقط بعد مشقة، تستدعي تدخلاً جراحياً عبر عمل عسكري مثل نظام القذافي في ليبيا، أو يتم إمهاله إلى وقت تسيطر فيه الغفلة وسكرة البقاء الطويل في السلطة، ثم تُرخي له الحبل؛ فيقع من شاهق مثل نظام البشير في السودان، أو تقود النظام إلى حرب أهلية، تستنزف النظام والشعب والبلد، فلا تترك فيها بشراً ولا شجراً ولا حجراً إلا وقد أصابه الدمار، ثم يقع الجميع في إعياء تام، فيهرب النظام وتنهد قوى المعارضة، ثم يتم تنصيب قوى إسلامية سُنِّية، جرى تمويلها وتسليحها وتجهيزُها وتدريبُها طوال سنوات الحرب الأهلية، كما جرى في سوريا.

لكن السؤال: لماذا وقعتُ في هذا الخطأ؟ لماذا تخيلت أن مصير النظام في إيران لن يختلف عن مصائر الأنظمة في أفغانستان ثم العراق ثم تونس ثم مصر ثم ليبيا ثم اليمن ثم السودان ثم سوريا؟

وهذا هو الجواب: وقعتُ في الخطأ؛ لأني اتبعتُ المنهج الخطأ في التفكير، وهو قياس شيء على أشياء مختلفة عنه تماماً. وهنا أشرح وأقول: كافة الأنظمة التي أسقطها الأمريكان في ربع القرن الأخير كلها دون استثناء، جربت قدراً من العمالة أو المهادنة أو التبعية للأمريكان، كل الوقت في بعض الأنظمة، وبعض الوقت في أنظمة أخرى، سواء في العلن أو في الخفاء، والقاسم المشترك بين كافة الأنظمة التي أسقطها الأمريكان هي إما التعاون أو العمالة أو التبعية لهم وتحت أمرهم، ولو لبعض الوقت ولو في بعض الأمر.

لكن الصورة مختلفة في حالة إيران، فهي منذ نجاح ثورتها الإسلامية، وهي خارج المعسكر الأمريكي والصهيوني، خارجه وتحاربه، خارجه وتحايده، خارجه وتهادنه، خارجه وتتعاون معه، لكنها ثم لكنها ثم لكنها كانت خارجه دائماً وخارجه أبداَ، فقد اختارت إيران الثورة ليس فقط الاستقلال السياسي والوطني، لكن الاستقلال بأوسع معانيه الثقافية والحضارية، وحتى في أنماط المعيشة واللباس والذوق العام إلى آخره.

الخلاصة: من السهل إسقاط الحلفاء أو الموالين أو التابعين أو العملاء، وهذا هو ما جربته أمريكا بوضوح شديد في إسقاط حشد هائل من الأنظمة من أفغانستان حتى سوريا.

لكن ثم لكن ثم لكن من الصعب إسقاط الأنظمة، التي تعتصم بقدر من العزة والأصالة والكرامة الوطنية، وهو ما حدث في حالة إيران، لم يسقط النظام رغم ديكتاتوريته الأكيدة، ولم يسقط النظام رغم طابعه الديني الخاضع لقبضة أقلية من الفقهاء، ولم يسقط النظام رغم انخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي، ليكون قريباً من دخل المواطن في دول تعيسة بائسة مثل مصر وتونس، لم يسقط النظام رغم كثرة العملاء من الإيرانيين المستعدين لبيع أنفسهم للشيطان لأجل التخلص من النظام، ووفرة من العملاء في الداخل، ووفرة من العملاء في الخارج، رغم هؤلاء وأولئك صمد وثبت ولم يسقط النظام. لم يسقط النظام رغم إحكام الخطة: قصف أمريكي، قصف إسرائيلي، تسهيلات ممتازة من عدد من دول الخليج، وتسهيلات من دول خارج الخليج، صمدت ثم ثبتت إيران بأعصاب من حديد أمام كل هؤلاء، الذين جاؤوها من فوقها، ومن أسفل منها فما زاغت الأبصار، وما بلغت القلوب الحناجر. لم يسقط النظام رغم تساقط الأغلبية الساحقة من قياداته في مشاهد تراجيدية مروعة، كان من شأنها أن تبث الرعب والهلع ثم القنوط واليأس في أشد القلوب صلابةً وفي أقوى الأرواح بأساً، عضت إيرانُ على جراحها النازفة، وقاتلت قتال أسلافها الأقدمين، الذين حاربوا الإغريق وسجلوا الملاحم العظمى كما حاربوا الرومان حتى وقع الإمبراطور نفسه أسيراً بين أيديهم.

لقد ساعدني الدرس الإيراني في إعادة فهم النظام الناصري 1952- 1970: لماذا لم يسقط ناصر 1956، وكانوا ينوون إسقاطه؟ لماذا لم يسقط ناصر 1967 وكانوا ينوون إسقاطه؟  لم يسقط ناصر وهو ديكتاتور نجمه صاعد، كما لم يسقط وهو ديكتاتور نجمه في أفول، ولم يسقط رغم التوقعات، التي لم تتوقف طوال حكمه عن سقوطه القريب، ولم يسقط رغم كثرة المستعدين في الداخل والخارج للمساعدة في إسقاطه.

السؤال إذن: لماذا لم يسقط ناصر؟

الجواب: لم يسقط ناصر؛ لأنه لم يكن من العملاء ولا المهادنين ولا المتعاونين، لم يسقط لأن نظامه كان على مقدار كبير من الاستقلال الوطني والعزة القومية والكرامة الإنسانية، لم يسقطه الأمريكان؛ لأنه لم يصنعه الأمريكان.

وهنا يلزم استدراك: نجحت أمريكا وبريطانيا عند منتصف القرن في إسقاط حكومة الدكتور مصدق في إيران، الدكتور مصدق كان مجرد رئيس وزراء منتخب، لم يكن يمثل السيادة ولا الشرعية العليا، فقط رئيس وزراء وطني محبوب، كان الشاه رضا بهلوي الألعوبة مثل أبيه، هو ممثل الشرعية الإمبراطورية في إيران.

الخلاصة: في الشرق الأوسط الناصري صمد ثم ثبت ناصر في وجه مشاريع لا نهاية لها لإسقاطه.

في الشرق الأوسط الراهن، أراده الأمريكان والصهيونية وحلفاؤهما بلا إيران الفقهاء، لكنها جددت حضورها، وفرضت نفسها، وصححت صورتها، وأعادت بعث نفسها من جديد، فهل تستمر أم تتعثر؟

هذا موضوع مقال الأربعاء المقبل بإذن الله تعالى.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.