مقالات

هل تصبح "آسيان" نموذجاً لأمن الخليج العربي؟

post-img

د. أحمد قنديل (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

في تاريخ الأمم لحظات تفرض على صناع القرار أن يتوقفوا أمام الأسئلة الكبرى، لا أمام تفاصيل الأحداث اليومية. ولعل من بين هذه الأسئلة ذلك السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على منطقة الخليج العربي، وهو كيف يمكن بناء نظام أمني مستقر في منطقة أصبحت في آنٍ واحد أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وإحدى أكثر بؤر التوتر الاستراتيجي حساسية في العالم؟

فما جرى خلال الأشهر الأخيرة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى امتدادات الصراعات في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحر الأحمر، لم يكن مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، وإنما كان تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الأمني الذي حكم الخليج طوال العقود الماضية، ومدى قدرته على الاستمرار في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

وقد اكتسب هذا النقاش حول هذا السؤال المركزي زخماً خاصاً بعد الحوار الفكري المهم الذي دار على موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بين الدكتور إبراهيم عرفات في مقاله "نحو نموذج للأمن والتعاون في الخليج"، والدكتور كريم القاضي في مقاله "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا: هل تصلح نموذجاً لأمن الخليج العربي؟". فالمقالان لا يقدمان مجرد رؤيتين مختلفتين، بل يعكسان اتجاهين رئيسيين في التفكير بشأن مستقبل الأمن الخليجي.

إلحاح المعضلة الأمنية الخليجية

ينطلق الدكتور إبراهيم عرفات من ملاحظة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها شديدة الدلالة، وهي أن الأمن في الخليج لم يعد ملكاً لدولة بعينها، ولا يمكن إنتاجه داخل حدود وطنية منفردة. فالدولة، مهما بلغت قدراتها، لم تعد قادرة وحدها على تأمين بيئتها الاستراتيجية في منطقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية بهذا القدر من الكثافة.

ومن هنا يلفت النظر إلى أن الأمن الوطني لم يعد كافياً، وأن الأطر الإقليمية القائمة لم تنجح في بناء منظومة ردع مستقرة، كما أن المظلات الأمنية الخارجية التي اعتمدت عليها المنطقة لعقود لم تعد تتمتع بدرجة الثقة نفسها التي تمتعت بها في مراحل سابقة.

ولهذا يطرح فكرة إنشاء منظمة للأمن والتعاون في الخليج، مستلهماً تجربة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، باعتبارها إطاراً مؤسسياً واسعاً يضم القوى المعنية بأمن المنطقة واستقرارها.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من فهم عميق لطبيعة الخليج نفسه. فهذه المنطقة لم تكن يوماً شأناً محلياً صرفاً. فمنذ أن كانت السفن تعبر مياهها حاملة التجارة بين الشرق والغرب، وحتى أصبحت شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، ظل الخليج فضاءً تتقاطع فيه المصالح الدولية الكبرى.

في المقابل، يتفق الدكتور كريم القاضي مع تشخيص المشكلة، لكنه يختلف مع وصفة العلاج. فهو يذكرنا بحقيقة تاريخية مهمة، وهي أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لم تخلق الاستقرار الأوروبي، بل جاءت في ظل استقرار فرضته بالفعل معادلات الردع وتوازن القوى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.

وبالتالي، فإن محاولة استنساخ النموذج الأوروبي في الخليج قد تتجاهل اختلاف الظروف التي أنتجت التجربتين.

ويضيف القاضي أن المعضلة الخليجية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لأنها ترتبط بخلل بنيوي في توزيع القوة بين دول صغيرة الحجم السكاني لكنها كبيرة الثروة، وبين قوى إقليمية أكبر مساحة وسكاناً وقدرات عسكرية. وهذا الخلل هو الذي دفع دول الخليج، عبر مراحل مختلفة، إلى البحث عن ضمانات أمنية خارجية.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمقالين لا تكمن في اختلافهما بقدر ما تكمن في اتفاقهما الضمني على حقيقة واحدة، وهي أن النظام الأمني الذي حكم الخليج طوال العقود الماضية يقترب من نهاية صلاحيته التاريخية، وأن البحث عن بديل أصبح ضرورة استراتيجية لا ترفاً فكرياً.

أين تكمن حدود النموذجين الأوروبيين؟

غير أن اللافت للنظر أن الطرحين، رغم اختلافهما، يتحركان داخل الفضاء الأوروبي نفسه. فالدكتور إبراهيم عرفات يستلهم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بينما يعود الدكتور كريم القاضي إلى تجربة أقدم هي "الوفاق الأوروبي" الذي نشأ بعد الحروب النابليونية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا ننظر دائماً إلى أوروبا عندما نبحث عن حلول لمشكلاتنا؟

إن المشكلة الأساسية في نموذج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ليست في النموذج ذاته، وإنما في السياق الذي نشأ فيه. فهذا النموذج قام على أرضية من الثقة النسبية وتوازن القوى والردع المتبادل. أما الخليج فما زال يبحث عن هذه الأرضية. كما أن المنظمة الأوروبية تبنت مفهوماً شاملاً للأمن يضم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية، وهي قضايا لا تزال محل حساسيات واضحة داخل البيئة الإقليمية الخليجية.

أما نموذج الوفاق الأوروبي الذي يطرحه د. القاضي، فرغم ما يتمتع به من واقعية في التركيز على توازن القوة وعدم التدخل في الشئون الداخلية، فإنه يبقى نموذجاً لقوى كبرى متقاربة نسبياً في قدراتها العسكرية والسياسية. كما أنه نشأ بعد هزيمة طرف مهيمن ومحاولة إعادة دمجه في النظام الإقليمي الجديد.

لكن الخليج لا يعيش اليوم لحظة "ما بعد نابليون"، كما أن إيران ليست فرنسا القرن التاسع عشر، ولا دول الخليج تمثل بريطانيا والنمسا وروسيا القيصرية. وبالتالي فإن إسقاط هذا النموذج على الخليج يظل محدود الصلاحية.

والأهم من ذلك أن النموذجين الأوروبيين ينطلقان من فكرة بناء الاستقرار بعد تحقيق توازن القوة، بينما تحتاج منطقة الخليج إلى نموذج يساعدها على إدارة التنافس قبل الوصول إلى توازن مستقر. وهنا تحديداً تبرز أهمية الخبرة الآسيوية.

لماذا قد تكون آسيان النموذج الأقرب لأمن الخليج؟

إذا كانت أوروبا قد قدمت للعالم نماذج لإدارة الاستقرار بعد الحروب الكبرى، فإن آسيا قدمت نموذجاً مختلفاً لإدارة التنافس أثناء استمراره. فعندما تأسست رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) عام 1967، لم تكن المنطقة تعيش ظروفاً أفضل من الخليج اليوم. إذ كانت الحرب الباردة في أوجها، وحرب فيتنام مشتعلة، والصين في طور الصعود، والنزاعات الحدودية والعرقية حاضرة في كل مكان. ومع ذلك، لم تحاول دول آسيان حل جميع خلافاتها أولاً. بل بدأت من هدف أكثر تواضعاً وأكثر واقعية وهو منع الخلافات من التحول إلى حروب.

وفي هذا السياق، قامت "الطريقة الآسيوية" لبناء نظام أمني إقليمي على أربعة مبادئ أساسية، وهي احترام السيادة، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والتوافق في اتخاذ القرار، وبناء الثقة تدريجياً. وهذه المبادئ تبدو أقرب بكثير إلى البيئة الخليجية من المبادئ الأوروبية.

لكن أهمية آسيان لا تتوقف عند هذا الحد. فقد نجحت دولها في التعامل مع صعود الصين دون أن تدخل معها في مواجهة، ودون أن تتحول إلى تابع لها. كان الهدف هو إدارة الصعود الصيني لا مقاومته أو الاستسلام له. وهنا يبرز الدرس الأكثر أهمية للخليج. فإيران، مهما اختلفت الرؤى تجاهها، ليست حقيقة سياسية عابرة، وإنما حقيقة جغرافية واستراتيجية ثابتة. ومن ثم فإن السؤال ليس كيف يمكن استبعادها من معادلة الأمن الخليجي، وإنما كيف يمكن دمجها في إطار إقليمي يجعل سلوكها أكثر قابلية للتوقع وأقل ميلاً إلى التصعيد.

ومن أسرار نجاح آسيان أيضاً أنها رفضت أن تتحول إلى مجرد ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن وبكين وموسكو تتنافس على النفوذ في آسيا، أصرت دول جنوب شرق آسيا على أن تكون هي مركز النظام الإقليمي، لا موضوعاً له. أما الخليج العربي فما زال، في كثير من الأحيان، يُنظر إليه باعتباره ساحة تتقاطع فيها الاستراتيجيات الأمريكية والصينية والروسية والإسرائيلية والتركية والإيرانية. ومن هنا، فإن أحد الأهداف الرئيسية لأي نظام أمني جديد ينبغي أن يكون تحويل الخليج من موضوع للتنافس إلى مركز لإدارته.

كما أن التجربة الآسيوية تقدم أيضاً درساً آخر لا يقل أهمية. فآسيان لم تنجح لأنها استبدلت الردع بالحوار. بل لأنها جمعت بين الاثنين. فالحوار وحده لا يمنع الحروب، كما أن القوة وحدها لا تضمن الاستقرار. ولذلك قامت التجربة الآسيوية على معادلة دقيقة تجمع بين بناء الثقة من جهة، والحفاظ على توازنات القوة من جهة أخرى. وهذا درس بالغ الأهمية للخليج. فأي منظومة أمنية جديدة لا يمكن أن تقوم على النوايا الحسنة وحدها، كما لا يمكن أن تعتمد فقط على موازين القوة العسكرية. فالأمر يتطلب مزيجاً من الردع والطمأنة، ومن القوة والحوار، ومن المصالح المشتركة وآليات إدارة الأزمات.

ومن ناحية ثانية، تقدم آسيان درساً آخر لا يقل أهمية، وهو أن الأمن لا يبدأ بالتحالفات العسكرية، بل بالمصالح الاقتصادية المشتركة. فقد سبقت التجارةُ الأمنَ، وسبقت التنميةُ السياسةَ، ونجحت المصالح الاقتصادية في خلق شبكات اعتماد متبادل جعلت الحرب أكثر كلفة وأقل جاذبية.

ومن هنا يمكن تصور إنشاء "منتدى الأمن والتعاون الخليجي" على الطريقة الآسيوية، بحيث يضم دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق واليمن ومصر والأردن، مع مشاركة داعمة من القوى الكبرى المعنية باستقرار المنطقة مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ولا تكون المهمة الأولى لهذا المنتدى المقترح هي إنشاء تحالف عسكري أو مظلة دفاع جماعي، بل بناء الثقة وإدارة الأزمات، وتأمين الممرات البحرية، وحماية البنية التحتية للطاقة، وإنشاء خطوط اتصال مباشرة، ووضع قواعد للسلوك العسكري تمنع سوء التقدير خلال الأزمات.

ماذا بعد؟

في النهاية، ليست القضية اختيار نموذج أوروبي أو آسيوي، وإنما الإجابة عن سؤال أكبر، وهو كيف يمكن بناء نظام أمني جديد للخليج في القرن الحادي والعشرين في عالم لم يعد يشبه العالم الذي نشأت فيه الترتيبات الأمنية القديمة؟

تاريخياً، أثبتت التجربة في منطقة الخليج العربي أن الأمن الوطني وحده لا يكفي، وأن الأمن الإقليمي التقليدي لم يعد قادراً على التعامل مع التحديات الجديدة، وأن الأمن المستورد أصبح أقل موثوقية مما كان عليه في السابق.

وفي المقابل، فإن صعود آسيا، وتحول موازين القوى العالمية، وتراجع القدرة الأمريكية على إدارة كل الملفات الدولية منفردة، تدفع المنطقة إلى البحث عن معادلة جديدة أكثر استقلالاً واستدامة.

غير أن هذه المعادلة لن تولد من تلقاء نفسها. فهي تحتاج إلى حوار استراتيجي دائم، وآليات للإنذار المبكر، وقنوات اتصال مباشرة بين المؤسسات العسكرية، ومجموعات عمل مشتركة لدراسة البدائل الممكنة، ومشروعات اقتصادية عابرة للحدود تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع.

كما تحتاج هذه المعادلة أيضاً إلى مدونة سلوك إقليمية تنظم استخدام القوة وتحمي أمن الطاقة والملاحة وتضع قواعد للتعامل مع التقنيات العسكرية الجديدة.

وفي تقديري أن الرسالة الأهم التي تجمع بين أطروحة الدكتور إبراهيم عرفات ونقد الدكتور كريم القاضي هي أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى أسيراً لخرائط الأمس. فالمنطقة تغيرت، والعالم تغير معها. وإذا كانت أوروبا قد ألهمت القرن العشرين بكثير من نماذجه الأمنية، فإن آسيا قد تكون أكثر قدرة على إلهام القرن الحادي والعشرين.

ذلك أن آسيان لم تنجح لأنها ألغت التنافس، وإنما لأنها نجحت في ترويضه. ولم تحقق الاستقرار لأنها أنهت الخلافات، وإنما لأنها منعت الخلافات من أن تتحول إلى حروب. وربما يكون هذا هو الدرس الذي يستحق أن يتوقف أمامه الخليج العربي وهو يفكر في شكل النظام الأمني الذي سيحكم مستقبله في العقود القادمة.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.