إبراهيم الغيطاني (المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة)
تتزايد الاحتمالات قوة بأن يتعرض العالم لصدمة طاقة جديدة، بعد تصاعد مجريات الأحداث المرتبطة بالمواجهة العسكرية القائمة حالياً بين إيران من طرف وإسرائيل والولايات المتحدة من طرف آخر. ومع تطورات الأحداث، اضطر منتجو النفط والغاز بالمنطقة لخفض إنتاجهم وإعلان القوة القاهرة ببعض المنشآت الإنتاجية، خاصة مع استمرار الصعوبات اللوجستية لتصدير الخامين مع غلق مضيق هرمز. وتأتي البلدان الآسيوية ضمن أكثر المستهلكين المتضررين المحتملين نتيجة أزمة الطاقة بالمنطقة، حيث يعتمد الكثير من البلدان بالقارة على الشرق الأوسط في توريد حصص معتبرة من احتياجاتهم من النفط والغاز المسال.
لذا، تحوطت الحكومات الآسيوية لأزمة الطاقة المتفاقمة حتى الآن عبر اتخاذ حزمة من الإجراءات الفورية شملت وضع احتياطيات النفط والغاز قيد التصرف في حالة الحاجة إليها، مع إمكانية اللجوء للسوق الفورية للحصول على شحنات إضافية من النفط والغاز من موردين آخرين، كما لم تستبعد دول آسيوية كتايوان إمكانية اللجوء لاستخدام الفحم لتعزيز استقرار شبكة الكهرباء المحلية. وستقدم هذه الأزمة الناشئة دروساً جوهرية للمستهلكين الآسيويين بشأن أهمية الإسراع في البرامج المحلية لتحول الطاقة، وتنويع قاعدة موردي النفط والغاز الطبيعي؛ بما يؤمن احتياجات السوق المحلية من الطاقة مستقبلاً، ويساعد على استقرار الأسواق أوقات الأزمات.
معضلة كبيرة:
باتت ديناميكيات أسواق النفط والغاز الطبيعي رهينة تصاعد المخاطر الجيوسياسية المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم منذ بداية العقد الأخير، وليس مجرد أساسيات العرض والطلب فقط. فقد واجه العالم خاصة أوروبا صدمة طاقة مفاجئة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تبعها تحول منظور باتجاهات تجارة الطاقة العالمية. وليس بعيداً أن العالم بات على مقربة من تفاقم أزمة طاقة حادة جديدة، مع تصاعد الأحداث بالشرق الأوسط مؤخراً، بعد نشوب مواجهة عسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى منذ 28 فبراير الماضي.
وهذه الأزمة ليست كسابقتها، بل قد تكون أشد وطأة وأكثر تأثيراً في الاقتصادات وسلاسل التوريد الصناعية الزراعية العالمية، لطالما طال أمد إغلاق مضيق هرمز، فحينها قد تواجه أسواق الاستهلاك الرئيسية في العالم وآسيا نقصاً كبيراً بإمدادات النفط والغاز الطبيعي؛ وهو ما لا يمكن تعويضه كلياً عبر موردين آخرين. وقد اضطرت التوترات الأخيرة بالشرق الأوسط منتجي النفط والغاز بالمنطقة لخفض إنتاجهم، مع وجود عراقيل شديدة أمام تصدير الخامين؛ نتيجة صعوبات المرورة عبر الممر الملاحي لمضيق هرمز.
ومن شأن استمرار تعطل حركة التصدير عبر المضيق أن يتسبب في ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز؛ حيث يرجح أن يتجاوز خام برنت سقف 100 دولار للبرميل لعدة أسابيع، وقد يصل سعر الغاز المسال بالسوق الفورية في آسيا نحو 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية؛ أي بزيادة 130% مقارنة بمستويات ما قبل بداية الحرب، طبقاً لتقديرات لبنك "غولد مان ساكس".
ولعل أن الدول الآسيوية أكثر عرضة من غيرها من المستهلكين في العالم لأن تتضرر جراء حدوث انقطاعات طويلة في إمدادات النفط والغاز الطبيعي القادمة من منطقة الشرق الأوسط؛ إذ تستورد الدول الآسيوية سنوياً من المنطقة، ما بين 30 إلى 95% من إجمالي وارداتها النفطية، وما يتراوح بين 10% إلى 57% من إجمالي وارادتها من الغاز المسال. ومن شأن أي نقص في هذه الإمدادات؛ أن يُضعف أداء الأسواق والنشاط الاقتصادي في كافة أرجاء القارة الآسيوية.
خيارات الاستجابة:
اتخذت الحكومات الآسيوية عدداً من الإجراءات الفورية للتعامل مع أزمة الطاقة المتفاقمة مع تصاعد توترات الشرق الأوسط بالأسابيع الأخيرة، وفيما يلي أبرزها:
1. إدارة المعروض المحلي: سارعت مختلف الحكومات الآسيوية، بما في ذلك الصين والهند وتايلاند وكوريا الجنوبية وغيرها، بطمأنة الأسواق بتوافر مخزونات من النفط والغاز الطبيعي تكفي الاستهلاك المحلي ما بين شهر واحد وحتى عام كامل؛ مما سوف يقلل من أثر أزمة الطاقة الواقعة بها في الأمد القصير. فعلى سبيل المثال، أعٌلن في اليابان عن وجود مخزونات نفطية قادرة على الوفاء على باحتياجات السوق لمدة 254 يوماً، حتى في ظل حدوث انقطاع كامل لتوريد النفط من الشرق الأوسط لمصافي التكرير اليابانية.
في حين تبدو الصين في وضع أفضل حالاً من باقي المستهلكين في آسيا، حيث تمتلك المنشآت الحكومية الصينية وشركات التكرير الخاصة مخزونات نفطية تصل 1.39 مليار برميل حتى نهاية 2 مارس الماضي، وفق شركة "كايروس"؛ ما يكفي لتغطية 220 يوماً من الاستهلاك الملحي للخام، تبعاً لمستويات عام 2025.
كما يُزعم وجود مخزونات نفطية تقدر بـــ42 مليون برميل إضافي من النفط الخام الإيراني محمولة على متن ناقلات قريبة من السواحل الآسيوية أواخر يناير الماضي، ويمكن لبكين السحب منها، وتخفيض حدة تداعيات أزمة الشرق الأوسط على تدفقات النفط الإيراني للمصافي الصينية.
وضمن الجهود الأخرى لتعزيز أمن الطاقة بالسوق المحلية، فقد أعطت الحكومات الآسيوية خاصة الصين وفيتنام وإندونيسيا، أولوية لتوجيه الإنتاج المحلي من النفط والغاز الطبيعي والوقود للأسواق المحلية على حساب التصدير للخارج، وقد تحذو حذوها باقي الدول الأخرى؛ بما يؤمن احتياجات الأسواق المحلية، ويخفف آثار انقطاعات تدفقات الطاقة الواردة إليها.
2. البحث عن موردين آخرين: تستعد العديد من الدول الآسيوية لتعويض انقطاعات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط عن طريق استيراد شحنات بديلة من النفط والغاز الطبيعي من السوق الفورية، وإن كان ذلك سيأتي بكلفة مرتفعة على ميزانيتها، ليس بسبب الصعود القياسي لخامي النفط والغاز منذ الأسبوع الأول للحرب فقط، وإنما في ظل التنافس الشديد بين المستهلكين الآسيويين لاقتناص الصفقات الفورية أيضاً. فلم تستعبد الحكومة الإندونيسية إمكانية اللجوء لاستيراد النفط الأمريكي؛ لتعويض أي نقص محتمل بالسوق المحلية.
كما تقترب الهند من استيراد شحنات النفط الروسي دون أية عقبات سياسية، وذلك بعد أن منحتها الولايات المتحدة إعفاءً لشراء النفط الروسي حتى 4 إبريل المقبل. ويمثل هذا الإجراء دعماً كبيراً لاستقرار السوق المحلية في الهند، بعد أن كانت واردات نيودلهي من النفط الروسي في طورها للتراجع منذ يناير الماضي، تحت وطأة الضغوط الأمريكية لوقف تجارة الطاقة مع موسكو.
أما بالنسبة لتدفقات الغاز المسال، فقد وضعت دول آسيوية كاليابان وتايوان وبنغلاديش وباكستان، خياراً محتملاً بشراء شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية؛ إذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة. كما طرحت كوريا الجنوبية إمكانية التنسيق مع موردين آخرين مثل الولايات المتحدة وأستراليا لتقديم موعد تسليم شحنات الغاز، أو حتى تنسيق مواعيد الشحن مع الأسواق الإقليمية المجاورة.
وفي كافة الأحوال، ستصب أزمة الطاقة الإقليمية في صالح منتجي النفط والغاز المسال خارج منطقة الشرق الأوسط؛ حيث ستوفر لهم فرصة سانحة للولوج للأسواق الآسيوية المتنامية وسد فجوة الطلب هناك، مع تحقيق هوامش أرباح إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بالوقت الراهن. فشركتا "فينتشر غلوبال" و"شينير إنرجي" الأمريكيتان بصدد رفع الطاقة الإنتاجية للغاز المسال من منشآتهما في تكساس ولويزيانا؛ من أجل زيادة الشحنات للأسواق الآسيوية. كما تُمهد هذه التطورات لأن تضع موطأ قدم لشركات الغاز المسال الروسية بأسواق الغاز المسال الآسيوية الواعدة، كالهند وتايلاند والفلبين وغيرها.
3. التحول لمصادر طاقة بديلة: بعد اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير 2022 بأسابيع قليلة، طُرح الفحم كخيار مؤقت لتزويد المستهلكين الأوروبيين بالكهرباء وخدمات التدفئة وتوليد الحرارة، ضمن الاستجابات الملحة لأزمة الطاقة بالقارة حينها. وبالمثل، تزيد أزمة الطاقة الحالية من فرص اعتماد الدول الآسيوية على البنية التحتية المحلية الحالية القائمة على الفحم في الأمد القصير والمتوسط، رغم ما يعنيه ذلك تخلي تلك الحكومات الآسيوية عن أهدافها الطموحة المتعلقة بالبيئة والمناخ.
ولكن في واقع الأمر حتى قبل اندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة، كان الفحم يحتل مكانة كبير في مزيج الطاقة لدى كثير من الأسواق الآسيوية. وقد شارك الفحم بحصة قدرها 49.2% من إجمالي الطاقة المستهلكة في منطقة آسيا-المحيط الهادئ في عام 2024. كما تعتمد العديد من البلدان الآسيوية على الفحم في توليد الكهرباء ومن أبرزها الصين بنسبة 57.7% من إجمالي إنتاج الكهرباء في عام 2024، والهند بـــ 74.7% في نفس العام. وللحيلولة دون تفاقم أزمة الطاقة بالسوق المحلي، لم تستبعد تايوان اللجوء لإمكانية استخدام الفحم لتوليد الطاقة كـملاذ أخير لتجنب توقف مصانعها أو نقص الكهرباء بالسوق المحلية، وبدون شك قد تحذو حذوها دول أخرى في هذا النهج، الأمر الذي يعني بالنهاية أن البلدان الآسيوية ستتخلى عن فكرة حظر الفحم قريباً، مع الإبقاء على استخدامه لمدد أطول.
4. إدارة جانب الطلب: يأتي تقنين استهلاك الكهرباء أو تحويل أحمال الكهرباء وخفض معدلات تشغيل مصافي التكرير، ضمن الاستجابات الأخرى المحتملة للحكومات الآسيوية للتعامل مع أزمة الطاقة، وترشيد الطلب على الطاقة في هذه المرحلة. وقد بدأت بالفعل بعض شركات توزيع الغاز في آسيا في خفض إمدادات الخام لبعض القطاعات الصناعية في الهند وباكستان؛ تحسباً لانخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط. كما قد تجري مصافي التكرير الآسيوية، التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات الشرق الأوسط، خفضاً في إنتاجها بما يتراوح بين 5% و20%، وفق التقديرات الأولية.
على جانب آخر، تستعد العديد من الحكومات الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا لاتخاذ حزمة من الإجراءات الوقائية، لتخفيف آثار الأزمة على استهلاك الأفراد للطاقة، ويشمل ذلك تقديم دعم حكومي للمستهلكين، وتثبيت أو وضع سقف لأسعار الوقود، إلى جانب تخفيض القيود على استيراد منتجات الطاقة. ومع ذلك، فمن شأن استمرار ارتفاع أسعار النفط أو الغاز بالسوق العالمية لفترة طويلة؛ أن يُصعب من تقديم البلدان الآسيوية، ذات الحيز المالي الضيق، دعم لا محدود لأسعار الطاقة داخل ميزانياتها العمومية.
لذا، بدأت العديد من الدول الآسيوية كالهند وباكستان إعادة النظر في تسعير الوقود والكهرباء في المرحلة الحالية، فالأولى رفعت أسعار غاز البترول المسال بنسبة 7% مؤخراً، في حين رفعت الثانية أسعار البنزين عالي الجودة والديزل للمركبات السريعة بنسبة 20.6% و19.5% على التوالي. كما لا تستبعد سنغافورة احتمالية تعرض بعض شرائح المستهلكين لزيادات ملحوظة في أسعار الكهرباء؛ إذا ظلت تكاليف الوقود مرتفعة لفترة طويلة.
دروس مستقبلية:
تقدم أزمة الطاقة الحالية دروساً جوهرية للبلدان الآسيوية من منظور تعزيز أمن الطاقة المستقبلي؛ إذ إن خطر انقطاع إمدادات النفط والغاز وارتفاع أسعارهما، يُبقي على أهمية دعم الحكومات لبرامج رفع قدرات الطاقة النظيفة وتخزين الطاقة لتنويع الإمدادات بالأسواق المحلية، بالإضافة إلى إرجاء خططها المسبقة للتخلص من الفحم في القريب العاجل؛ وذلك لتأمين قدرات احتياطية إضافية من الطاقة أوقات الأزمات.
كما يرجح أن تحل قضية تنويع موردي النفط والغاز الطبيعي كأولية قصوى في آسيا بالفترة المقبلة؛ لما يمكن أن تلعبه من دور حيوي في تجنب الاضطرابات وتقلبات أسواق الطاقة المحلية في المستقبل المنظور. وستحفز أزمة الطاقة الأخيرة الحكومات الآسيوية لبناء نمط جديد من التحالفات والشراكات المتنوعة في مجال تجارة تبادل الطاقة، يرتكز على توسيع قدرات الربط الكهربائي البينية، وتعزيز والترابط بين شبكات أنابيب الغاز والنفط الإقليمية، بالإضافة إلى تأسيس روابط لوجستية جديدة مع منتجي النفط والغاز الطبيعي، خارج منطقة الشرق الأوسط.
ختاماً، يمكن القول إن المخاطر الجيوسياسية العالمية تُمهد الطريق أمام تشكيل نمط جديد من الجغرافيا السياسية للطاقة ليس مرتبطاً بمنطقة آسيا وحدها، وإنما كافة دول العالم؛ سيرتكز على تنويع الشركاء التجاريين وتنويع الموردين لتخفيف المخاطر والحد من تقلبات أسواق الطاقة. كما تؤكد هذه التحولات السياسية على أهمية تبني مسار تحولي داعم لرفع قدرات الطاقة المتجددة محلياً، ودعم القدرات الاحتياطية لتخزين النفط والغاز الطبيعي؛ بما يعزز مرونة أنظمة الطاقة المحلية ويدعم استقرار شبكات الكهرباء.