نون إنسايت
خلال السنوات الماضية كان خط كركوك–جيهان النفطي في خبر كان، فالخط الاتحادي القديم الذي ربط حقول هذه المدينة العراقية بالبحر المتوسط عبر تركيا أُغلق عام 2014، ثم انتقلت الصادرات الشمالية لاحقًا إلى شبكة أنابيب إقليم كردستان المتصلة بميناء جيهان التركي.
وفي مارس/آذار 2023 توقف الضخ إلى تركيا بعد حكم تحكيم دولي ألزم أنقرة بدفع نحو 1.5 مليار دولار لبغداد بسبب صادرات جرت من دون موافقتها. وحتى فبراير/شباط 2026 ظل الجزء الأكبر من النفط العراقي يتدفق عبر الجنوب إلى الخليج، بينما استمرت من إقليم كردستان صادرات بحدود 200 ألف برميل يوميًّا.
لكن مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحوّل خط كركوك–جيهان من ملف قانوني وسياسي متعثر إلى مسار نجاة، وبدأ يغيّر ميزان القوى بين بغداد وأربيل ويفتح الباب أمام تركيا لاستعادة دورها.
لماذا عاد جيهان الآن؟
انقلبت المعادلة مع إغلاق هرمز في مارس/آذار 2026. فتعطل التصدير عبر الخليج أصاب الجنوب، حيث تُنتج وتُصدَّر الكتلة الأكبر من النفط العراقي، ما أدى إلى هبوط إنتاج حقوله بنحو 70 بالمئة إلى 1.3 مليون برميل يوميًّا بينما تراجع الإنتاج العراقي الكلي إلى نحو 1.4 مليون برميل.
وجاء ذلك في وقت حذّرت فيه “ستاندرد آند بورز” من أن استمرار هذا الوضع سيضغط بقوة على الميزانية العامة العراقية، لأن النفط يمثل نحو 90 بالمئة من إيرادات الدولة.
لذلك لم يعد ملف جيهان – كركوك مجرد نزاع قديم على الصلاحيات والرسوم، بل صار سؤالًا مباشرًا عن كيفية إيجاد منفذ بديل يخفف الصدمة.
ولهذا تحركت بغداد على مسارين في وقت واحد:
المسار الأول كان إسعافيًّا وعاجلًا، عندما طلبت وزارة النفط من أربيل مطلع مارس/آذار السماح ضخ ما لا يقل عن 100 ألف برميل يوميًّا من نفط كركوك عبر شبكة الإقليم إلى جيهان.
المسار الثاني كان أكثر استراتيجية، إذ أعلن وزير النفط حيان عبد الغني في 16 مارس/آذار أن العراق يعمل على فحص مقطع بطول 100 كيلومتر من الخط الاتحادي القديم، تمهيدًا لإعادة التصدير المباشر من كركوك إلى جيهان من دون المرور عبر الإقليم، بقدرة أولية تبلغ 250 ألف برميل يوميًّا، ويمكن أن ترتفع إلى 450 ألفًا إذا دخل نفط الإقليم في المعادلة.
وهكذا أعاد هرمز إحياء جيهان – كركوك لا بوصفه خطًّا واحدًا، بل باعتباره أكثر من مسار وأكثر من ورقة تفاوض.
كيف يمكن فهم هذه العودة؟
لفهم التعقيد الحالي، يجب أولًا التمييز بين المسارات.
المسار العراقي–التركي تحكمه اتفاقية 1973، وتصل طاقته التاريخية إلى نحو 1.5–1.6 مليون برميل يوميًّا.
لكن الخط الاتحادي المباشر الذي تسعى بغداد إلى إحيائه الآن بقي متوقفًا منذ 2014 بعد هجمات تنظيم الدولة.
في المقابل، أنشأ إقليم كردستان في 2013 شبكة موازية ربطت حقوله بنقطة فيشخابور ثم بتركيا، وسمحت له بتصدير النفط بشكل مستقل، ما فجّر النزاع الطويل مع بغداد حول من يملك حق البيع والتحميل والتصرف بالإيرادات.
وعندما صدر حكم التحكيم في مارس/آذار 2023، توقفت التدفقات الشمالية عبر تركيا إلى ميناء جيهان، لا صادرات العراق كلها.
وبلغ حجم ما توقف حينها نحو 450 ألف برميل يوميًّا، بينها 370 ألفًا من نفط الإقليم و75 ألفًا من النفط الاتحادي، بحسب وكالة رويترز.
وهنا تكمن العقدة: فـ”عودة جيهان” اليوم لا تعني مسارًا واحدًا، بل مسارين متوازيين، الأول اتفاق سياسي طارئ لاستئناف التصدير عبر شبكة الإقليم، والثاني مشروع اتحادي موازٍ لإحياء خط مباشر من كركوك إلى جيهان من دون المرور بأربيل.
كيف غيّر هرمز ميزان القوة بين بغداد وأربيل؟
كشف إغلاق هرمز هشاشة اعتماد بغداد شبه الكامل على الجنوب، فحاولت الحكومة الاتحادية استخدام الأزمة لإعادة الإمساك بالقرار النفطي شمالًا.
لذلك طلبت من الإقليم تمرير النفط عبر شبكته، لكنها اتهمته لاحقًا بفرض شروط “تعسفية” على استخدام الأنبوب.
في المقابل، رفضت أربيل هذه الرواية، وقالت إن بغداد لم تعالج أصلًا التحديات الأمنية والاقتصادية التي تضرب قطاع النفط في الإقليم، من حماية الحقول والشركات إلى القيود التجارية والمالية.
وبذلك لم يعد النزاع متعلقًا فقط بحق التصدير، بل أيضًا بمن يحدد شروط العودة ومن يدفع كلفة المخاطر.
وتحت ضغط الحرب، توصل الجانبان في 17 مارس/آذار 2026 إلى اتفاق ينص على تشكيل لجنة مشتركة للتحضير لاستئناف الصادرات عبر خط الإقليم إلى جيهان، مع عودة الإيرادات إلى الخزانة الاتحادية واتخاذ إجراءات أمنية لحماية الحقول واستمرار العمليات.
لكن هذا الاتفاق لا يساوي، بحد ذاته، إحياء الخط الاتحادي المباشر الذي تعمل بغداد على تأهيله في مسار موازٍ.
بعبارة أخرى، قبلت أربيل بخطوة استثنائية تحت ضغط الظرف، لكنها لم تتخل عن شروطها، كما أن بغداد لم تتخل عن هدفها الأبعد، أي تقليص اعتمادها على الإقليم بوصفه ممرًّا تفاوضيًّا لا غنى عنه.
ماذا تريد تركيا؟
تركيا ليست مجرد محطة عبور في هذه القصة، فمنذ توقف التدفقات في 2023 ظل خط جيهان – كركوك معطلًا، ما أفقد أنقرة ليس فقط رسوم عبور، بل أيضًا ورقة نفوذ جيوسياسية في ملف الطاقة العراقي.
ولهذا أعلنت في يوليو/تموز 2025 أن الاتفاق القائم الذي يغطي الخط سينتهي في يوليو/تموز 2026، وقدمت في الوقت نفسه مسودة اتفاق جديد أوسع يشمل النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء.
المعنى هنا أن أنقرة لا تريد فقط استئناف الضخ، بل إعادة صياغة العلاقة الطاقية مع العراق من جديد.
ووضع وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار المطلب التركي بوضوح أكبر، عندما قال إن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن آلية تضمن الاستخدام الكامل للأنبوب، الذي تبلغ طاقته قرابة 1.5 مليون برميل يوميًّا، وطرح أيضًا خيار تمديده إلى جنوب العراق.
ومن هذه الزاوية، جاء إغلاق هرمز ليقوي الحجة التركية: إذا كان الخليج يمكن أن يُغلق أو يتعطل، فإن تنويع المسارات عبر المتوسط لم يعد ترفًا بل ضرورة.
لذلك، يتجاوز موقف أنقرة فكرة استقبال النفط فحسب، فهي تريد تحويل جيهان إلى ركيزة في مشروع طاقة أوسع يربط العراق بتركيا والبحر المتوسط بشروط جديدة.
حل طارئ أم إعادة هندسة دائمة؟
حتى الآن، تشير الأرقام إلى أن جيهان يوفر متنفسًا مهمًّا، لكنه لا يعوض الجنوب. فالعراق كان قد خسر نحو مليوني برميل يوميًّا من صادراته، بينما ترى السوق أن ضخ 100 ألف برميل يوميًّا عبر جيهان “ليس تغييرًا ضخمًا” بحد ذاته، حتى لو ساعد في شراء بعض الوقت.
والقدرة الأولية التي تتحدث عنها بغداد، بين 250 ألفًا و450 ألف برميل يوميًّا إذا دخل نفط الإقليم، تبقى أقل بكثير من مستوى التصدير الجنوبي الذي كان يشكل العمود الفقري للاقتصاد العراقي قبل الحرب.
لذا فإن جيهان لا ينقذ العراق بمفرده، لكنه يخفف اختناقه ويمنحه ورقة مناورة لم تكن متاحة قبل أسابيع. لكن الأهم أن الاتفاق المعلن في 17 مارس/آذار يبدو أقرب إلى هدنة فرضتها الحرب منه إلى تسوية نهائية.
فقد قبلت أربيل استئناف التصدير عبر شبكتها تحت ضغط “الظروف الاستثنائية”، لكنها ربطت ذلك باستمرار النقاش مع بغداد حول القيود التجارية والضمانات الأمنية للشركات.
وتمضي بغداد من جهتها في إعادة تأهيل مسار اتحادي مباشر يخفف اعتمادها على الإقليم، فيما تستعد تركيا لاستغلال اقتراب نهاية الإطار القانوني الحالي لفرض صفقة أوسع.
لذلك فإن إحياء جيهان ليس انتصارًا نهائيًّا لبغداد، ولا هزيمة محسومة لأربيل، بل إعادة توزيع للأوراق بين ثلاثة أطراف يحاول كل منها تحويل الأزمة إلى فرصة تفاوضية.