مقالات

بديهيات لا تسمح بالحياد

post-img

كاظم الموسوي (صحيفة الأخبار)

رغم أن جريمة العدوان السافر الصهيو-أميركي على الجمهورية الإسلامية في إيران، وتكراره واستمراره، تجري تحت نظر الجميع، الأصدقاء والأعداء، القريبين والبعيدين من إيران، فإنها تعكس انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية والإقليمية، والأخلاق، والعلاقات السياسية، وحقوق الإنسان، والتشريعات الأممية، ودساتير أغلب البلدان، بما فيها دول العدوان نفسها، كما تؤكّد تصرّفاً وحشياً وسلوكاً خطيراً.

يدير هذا العدوان، أو من كُلِّف واجهةً له، رئيس الولايات المتحدة وزمرة من موظفيه، بمن فيهم العاملون في «القاعدة الاستراتيجية» التي تحمل اسم الكيان الصهيوني، والتي تعبّر عن تحالف استراتيجي بين الحركة الصهيونية وفروعها ومنتسبيها من مختلف الأديان والقوميات، والرأسمالية العالمية وإداراتها التي تقودها المجمعات الصناعية العسكرية والمالية وأجهزة المخابرات واللوبيات المعروفة، والترابط بينها وبين أدوارها في الهيمنة الإمبريالية، بأساليبها المعروفة أو المتجدّدة زمنياً، عبر إشعال الحروب وفرض النهب والاحتلال والغزو والإبادات المتعدّدة الأشكال والضحايا.

هذه الجرائم تمثّل بديهيات الواقع القائم اليوم، والتي يصفها القانون والعرف بكل أوصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتوحّش الفاشي، وهي بديهيات لا تسمح بالحياد بأيّ شكل أو أسلوب أو خيار، إذ إنّ مَن يختار الحياد سلوكاً له يكون مشاركاً فيها، ويُدان كما تُدان.
يضاف إلى ما سبق، الموقف من العدوان في مجالين مهمين، يتركّزان في طبيعة العدوان وأهدافه، وحجم استخدام الأسلحة والإبادة البشرية والمادية، واستخدام وسائل الإعلام والتواصل، وصرف الملايين أو المليارات من العملات المتداولة لخدمة ذلك، والتعبير بانحياز كامل لطرف العدوان والمعتدي، وتعميم أساليب غسل الأدمغة وكيّ الوعي.

هذان المجالان المعتمدان في العدوان ركّز عليهما العدو بشكل واضح، وقدّم فيهما كل ما ترك أثره في طبيعة العدوان وأهدافه، وشغّل فيهما كل ما استطاع إليه سبيلاً، كاشفاً عن نزعته الفاشية وطموحاته الإمبريالية.

لقد بدأ العدوان الصهيو-أميركي باغتيال أغلب قيادة البلاد السياسية والعسكرية، ومن ثم قصف مدرسة ابتدائية، تلا ذلك تدمير مؤسسات مدنية وبنى تحتية، إضافة إلى ما يدّعيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تدمير معسكرات ومفاعلات ومخازن لمواد نووية، وقصف مبانٍ أثرية، واستخدام أسلحة مُحرّمة، وإطلاق تصريحات إعلامية تنتهك أبسط الحقوق والقانون الدولي الإنساني.

فبعد كل هذا، كيف تقيّم موقفك؟ وأين تضع نفسك ورأيك؟ وهل بعد كل هذه البديهيات يُسمح بالحياد؟ إذ لا يمكن سرد ما يخجل التاريخ والوعي الإنساني من مجرد الحديث عنه. ومهما كان موقفك أو رأيك في الجمهورية الإسلامية في إيران، وفي نظامها السياسي، ومواقفها العملية، وتجربتها السياسية، ودورها في أمن المنطقة واستقرارها، والعلاقات السياسية والقضايا الإقليمية والدولية، فلا يمكن أن تبني موقفك بعقلية الأحكام المُسبقة، والدعاية المشوّهة، والضغوط المختلفة، تجاه ما يجري الآن.

إنّ مؤشرات العدوان الصهيو-أميركي لا تسمح لأي إنسان حقيقي ومدرك لخطورة ما يجري أن يتجاوز هذه البديهيات، أو يسمح لنفسه بالحياد والرأي الملتبس أو الموارب. فالصورة أكثر من واضحة الآن، وقد رويت بالدماء البريئة، وتدمّرت منشآت ومؤسسات، وانعكست آثارها على جوانب مختلفة، منها ما يهمّ العالم كله، ولا يربح منها غير منظّمي العدوان ومجهّزي خططه بوسائل الحرب والدمار والقتل والانتهاكات الصارخة، التي لا يخفيها غربال نفاق أو تلوّن أو انتظار منافع آنية لا تستر إنسانية ولا أخلاقاً ولا وعياً ثورياً بنّاءً.

نعم، الخسائر جسيمة، البشرية والمادية، والفضائح فيها صارخة كذلك، والتفرّج عليها مشاركة فيها، أو إرسال رسالة انحياز ضمني لطرف العدوان والمعتدي، وفشل في اختبارها بأي شكل أو أسلوب أو محاولة اختباء أو تلوّن أو تصنّع. ولعل في هذا الانحياز المعلن أو المستتر أو المُدّعى تبريراً لهذا العدوان ومسوّغاً له على حساب المُعتدى عليه، وإنكاراً للجريمة التي لا يمكن التملّص منها أو الابتعاد عن تغطرس إدارتها وتوسّع أهدافها وتوريط كل الجهات في خدمتها، وتقبل الادّعاءات المرتبطة بمصائرها حتى الآن، رغم الكوارث التي أحدثتها واعتبرتها إنجازاً لها.

هذا الانحياز سجّلته وقائع ما يُعلن في مؤتمرات منظمات إقليمية ومناطقية، حيث تبيّن أنها وفيّة للجهات التي أسّستها أو أشرفت عليها، وهي تعبّر عن مواقف أعضائها، حكومات ومسؤولين، فلم تعد مُعبّرة عن مصالح الشعوب والبلدان، ولا ناطقة بما يخدم ما تدّعيه في برامجها وأهداف تأسيسها وخصوصاً جامعة الحكومات العربية ومجلس التعاون الخليجي، ودورهما المستمر في المنظمات الدولية.

إنّ تواطؤ الكثير من الحكّام والحكومات في المنطقة مع المعتدي والمخطّط للعدوان والحرب، والادّعاء أو إنكار مشاركة القواعد المزروعة في بلدانها في شنّ العدوان، بل وتجهيز وسائل إعلامها لخدمته، والمشاركة الفعلية في العدوان الهمجي، قد حرّكت ضمائر شخصيات أميركية أعلنت احتجاجها واستقالتها من وظائفها، ورفضها الحرب، والعمل على محاكمة القائمين بها والداعمين لها، في حين لم تتحرّك ضمائر مقابلة من بلدان الجوار العربي، ولا من العاملين في تلك المنظمات والمؤسسات التي اجتمعت وأصدرت بيانات مخزية تعكس معدن الفاعلين فيها.

ما قامت به حكومات دول الخليج، مثلاً، وغيرها، من الدفاع عن القواعد الأجنبية لمستعمريها، كشف فضائح ليست جديدة، بل أكّد ما هي عليه من ارتباطات واستخدامات تمسّ الاستقلال والسيادة والقرار الوطني أو القومي، الذي يحمي الديار ويردع المعتدين. ومن جهة أخرى، لا بد من التمسّك بحقيقة أنّ ما جرى ويحصل ويجري حتى الآن هو جرائم كبرى يسجّلها التاريخ، ولن يغفر للمجرمين فيها ما حدث وما سيحصل بعد انتهاء العدوان، بأي شكل أو مصير أو مسار.

لقد قدّم صمود الشعب والقيادة في الجمهورية الإسلامية في إيران مثالاً وطنياً نموذجياً طوال أيام العدوان والحرب والحصار، ولا سيما من القوى والشخصيات المعارضة للنظام. كما كان الرد على العدوان والحرب والحصار دافعاً ومحرّكاً لدول وقيادات مختلفة الاتجاهات والمواقف لإعلان احترامها للإرادة الإيرانية في ردع العدوان، وصبرها الاستراتيجي على ما حصل، بل وحتى الإعجاب بجاهزية إيران وتقدّمها على مختلف الصعد، ولا سيما العسكرية والعلمية، رغم كل الفوارق في موازين القوة والوسائل لدى العدو وداعميه المموّلين لمخططات عدوانه.

وبعد كل هذا، لا بد من إدراك أنّ أي انكسار للنظام في إيران لن يتوقّف عندها، بل سيكون درساً لدول المنطقة وحلفائها في آسيا وأوروبا. ولا بدّ أيضاً من الانتباه واليقظة، والاستمرار، في حدّه الأدنى، من كل الدول، في رفض العدوان ووقف الحرب وإلغاء الحصار والعقوبات الاقتصادية، وإخراج القوات والقواعد العسكرية الأميركية من المنطقة، وإخلائها من السلاح النووي، كخطوة أولية نحو الأمن والسلام الإقليميَّيْن والدوليَّيْن.

كل ما ذُكر بديهيات، بلا شك، لا تقبل ولا تسمح بالحياد، وترفض الانحياز لمرتكبي العدوان وجرائمهم على حساب مصالح الشعوب وثرواتها واختياراتها وقيم العدل ومبادئ الحق والإنسانية.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.