مقالات

الحضارة الجديدة: إعادة تشكيل القوة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي

post-img

د. ميلاد السبعلي (صحيفة الديار)

عندما بدأت دراستي للدكتوراه في اليابان عام 1994 في مجال الذكاء الاصطناعي، طُرح علينا منذ الأيام الأولى سؤال بدا آنذاك أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى البحث العلمي. في تلك المرحلة، كانت قدرات الحوسبة محدودة، وقواعد البيانات صغيرة نسبيًا، وكانت الخوارزميات تحتاج إلى وقت طويل لمعالجة المشكلات المعقدة.

ومع ذلك، كان السؤال بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: إذا امتلك العالم يومًا قدرات حاسوبية هائلة، وإذا توفرت قواعد بيانات ضخمة تحتوي على معظم المعرفة البشرية المتاحة، فهل يمكن عندئذٍ إنشاء أنظمة تضاهي العقل الإنساني أو توازيه؟

هذا السؤال فتح نقاشًا واسعًا بين العلماء والفلاسفة ورجال الدين، وظهرت ثلاث مقاربات رئيسية.

رأت المدرسة العلمية أن الأمر ممكن من حيث المبدأ، إذا اعتبرنا الدماغ نظامًا لمعالجة المعلومات يمكن محاكاته.

أما المدرسة الدينية فميّزت بين الدماغ والعقل، معتبرة أن العقل يتجاوز البعد الحسابي ليشمل النفس والروح.

في حين أن المدرسة الفلسفية طرحت سؤالًا أعمق: هل تعني مفاهيم مثل "التحليل" و"الإبداع" عند الآلة المعنى نفسه الذي تعنيه عند الإنسان؟

ومن هنا بدأ النقاش الحقيقي حول طبيعة الذكاء. لكن هذا النقاش يقودنا إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف نقيس القوة عندما تظهر في شكل جديد؟

خاصة وأن الشروط التي طُرحت يومًا في ذلك السؤال الافتراضي لم تعد بعيدة أو نظرية كما كانت في التسعينيات، بل إن جزءًا كبيرًا منها قد تحقق فعليًا اليوم. فقد أفضت التحولات الرقمية الكبرى إلى قفزة نوعية في القدرة الحاسوبية، وتسارع غير مسبوق في تطوير تقنيات الأتمتة، وتوسع هائل في شبكات التواصل، ورقمنة واسعة للمعرفة البشرية، إلى جانب ظهور الذكاء الاصطناعي بأشكاله المتعددة والمتنامية.

وبذلك، لم يعد السؤال مجرد افتراض فلسفي حول مستقبل محتمل، بل أصبح انعكاسًا لواقع يتشكل أمامنا، ويفرض علينا إعادة التفكير في طبيعة القوة التي نمتلكها وكيفية فهمها وقياسها.

كيف تقيس الحضارات قواها؟ من الحصان إلى ماخ - Mach

عندما ظهرت الآلات في القرن الثامن عشر، واجه الإنسان تحديًا مشابهًا: كيف يشرح قوة جديدة لم يعرفها من قبل؟

ابتكر المهندس الاسكتلندي جيمس واط (James Watt) مفهوم "القدرة الحصانية" (Horsepower)، ليقارن قوة المحرك بقدرة الحصان، الذي كان وقتها مرجعًا مألوفًا لدى الناس. ورغم أن وحدة القياس الفيزيائية أصبحت لاحقًا "الواط" (Watt)، بقي الحصان أداة ذهنية لفهم القوة، فنقول مثلا: قدرة هذه السيارة هي 100 حصان.

لاحقًا، ومع ظهور الطيران النفّاث، ظهرت حاجة جديدة لقياس السرعة، فتم استخدام سرعة الصوت كمرجع، وظهر مفهوم "ماخ" (Mach)، الذي ابتكره الفيزيائي النمساوي ارنست ماخ (Ernst Mach) ليقيس السرعة نسبة إلى سرعة الصوت.

في الحالتين، لم تكن هذه الوحدات دقيقة علميًا فقط، بل كانت مفاهيم تفسيرية تساعد الإنسان على إدراك قوة جديدة.

وهذا يقودنا إلى مبدأ حضاري مهم: كل عصر لا يكتفي بإنتاج قوة جديدة، بل يحتاج إلى إطار مفاهيمي لقياسها وفهمها.

في العصر الصناعي كانت القوة هي الطاقة. وفي عصر الطيران النفّاث كانت السرعة. أما اليوم، فنحن أمام شكل جديد من القوة: القوة المعرفية.

ولادة القوة المعرفية

إذا كان المحرك البخاري قد ضاعف قدرة الإنسان الجسدية، فإن الذكاء الاصطناعي يضاعف قدرته على معالجة المعرفة.

لم نعد نتعامل مع قوة تحرّك الأجسام، بل مع قوة تعالج الأفكار، وتستكشف الأنماط، وتنتج المعرفة. وهذا التحول يطرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن قياس هذه القوة الجديدة؟

بدأ الباحثون في علوم الحوسبة والاقتصاد المعرفي بتطوير مقاييس متعددة للإجابة عن هذا السؤال. بعض هذه المقاييس يعتمد على مقارنة أداء الأنظمة الذكية بأداء البشر في اختبارات معرفية متعددة التخصصات. ففي اختبارات مثل MMLU، يحقق الطالب الجامعي المتوسط نتائج تتراوح بين 35% و45%، بينما قد يصل الطالب المتفوق إلى 70% أو 80%. أما بعض النماذج المتقدمة من الذكاء الاصطناعي فقد بدأت تحقق نتائج تتجاوز 85%، ما يشير إلى قدرتها على منافسة الإنسان في بعض مجالات المعرفة المنظمة.

وهناك مقاييس أخرى تعتمد على الإنتاجية المعرفية. فالمترجم البشري قد يترجم بضعة آلاف من الكلمات يوميًا، بينما تستطيع الأنظمة الذكية معالجة مئات آلاف الكلمات في دقائق. والمبرمج الخبير قد يكتب عشرات الأسطر في الساعة، في حين يمكن للأنظمة الذكية توليد آلاف الأسطر في ثوانٍ. أما الباحث، الذي كان يحتاج إلى أسابيع أو أشهر لمراجعة الأدبيات العلمية، فقد أصبح بإمكانه اليوم تحليل آلاف الأوراق خلال ساعات بمساعدة الأدوات الذكية.

وعلى مستوى القدرة الحسابية، يُقدّر أن الدماغ البشري يجري نحو 10¹⁵ عملية عصبية في الثانية، بينما تصل بعض الأنظمة الحاسوبية الحديثة إلى 10¹⁸ أو حتى 10²¹ عملية في الثانية. هذه الأرقام لا تعني أن الآلة أصبحت تساوي الإنسان، لكنها تعكس أننا دخلنا بالفعل عصرًا يمكن فيه الحديث عن قياس القوة المعرفية بأبعاد متعددة.

لكن اللافت أن فكرة القياس نفسها ليست جديدة. فالإنسان، عبر تاريخه، لم يفهم القوة بشكل مباشر، بل عبر المقارنة.

فقد قاس قوة المحركات بالأحصنة، وشبّه القدرة الجسدية بالثور، وربط الهيبة والسيطرة بالأسد، واستحضر صورة الفيل للدلالة على القوة الضخمة المستقرة. لم تكن هذه المقارنات علمية بقدر ما كانت وسائل ذهنية لتقريب المفاهيم إلى الإدراك البشري.

وهنا تكمن المفارقة: كما احتاج الإنسان في الماضي إلى رموز مبسطة لفهم حدود الضعف المعرفي، فإنه اليوم يسعى إلى بناء نماذج أكثر دقة وتعقيدًا لفهم حدود القوة المعرفية نفسها.

لكن، كما في كل تحول حضاري، لا تكمن الأهمية في القياس بحد ذاته، بل في ما يحدث عندما تدخل هذه القوة الجديدة في علاقة تفاعل مع الإنسان.

وهنا تبدأ المرحلة الأهم: ليس فقط كيف نقيس القوة المعرفية، بل كيف تتضاعف هذه القوة عندما يتفاعل الإنسان مع الآلة.

التحول الحقيقي: الذكاء الاصطناعي كمضاعف لقدرات الإنسان

القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الإنسان، بل في مضاعفة قدراته.

فالتاريخ يوضح أن أعظم الاختراعات لم تلغِ الإنسان، بل وسّعت إمكانياته:

المحراث ضاعف إنتاجية الفلاح. والمحرك البخاري ضاعف القدرة الصناعية. والحاسوب ضاعف القدرة الحسابية.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو يضاعف العمل المعرفي نفسه.

أصبح بإمكان الباحث تحليل آلاف الأوراق في وقت قياسي، والمهندس اختبار عشرات السيناريوهات بسرعة، والطبيب الوصول إلى معرفة طبية عالمية في لحظات.

لكن هذا ليس مجرد تحسين في الكفاءة. إنه تحول في طبيعة العمل العقلي ذاته.

النموذج المحوري: الإنسان-الفرد والآلة والإنسان-المجتمع

السؤال: "كيف يمكن للعقل البشري أن يتضاعف عندما يعمل مع الآلة؟" لا يقودنا فقط إلى فهم أدوات جديدة، بل إلى فهم أعمق لطبيعة التطور الإنساني نفسه.

فالإنسان، عبر تاريخه، لم يكن كائنًا ثابتًا، بل كائنًا يتشكل من خلال تفاعله المستمر مع بيئته. في البداية، كان هذا التفاعل مع البيئة الطبيعية: الأرض، المناخ، الموارد، والتحديات الفيزيائية. لم يكتفِ الإنسان بالتكيف مع هذه البيئة، بل أعاد تشكيلها—زرع الأرض، بنى المدن، واستخرج الموارد. ثم عادت هذه البيئة التي غيّرها لتؤثر فيه من جديد، فطوّرت أنماط حياته، وأعادت تشكيل سلوكه، وحتى بنية تفكيره.

وبالتوازي، ظهر مستوى ثانٍ من التفاعل: البيئة الاجتماعية. لم يعد الإنسان يتفاعل فقط مع الطبيعة، بل مع جماعة ثم مع مجتمع منظم — قيم، قوانين، مؤسسات، أنظمة اقتصادية وثقافية. وكما في البيئة الطبيعية، لم يكن هذا التفاعل أحادي الاتجاه. فالإنسان يتكيف مع مجتمعه، لكنه أيضًا يساهم في تغييره. يبني المؤسسات، يعيد تعريف القيم، ويطور الأنظمة، فتعود هذه البنى الاجتماعية لتؤثر فيه، وتشكل وعيه وسلوكه وإدراكه للعالم ونظرته للكون والفن والحياة.

وهكذا، عبر التاريخ، نشأ الإنسان وتطورت شخصيته من خلال تفاعل دائري مستمر بينه وبين بيئتيه الطبيعية والاجتماعية — تفاعل يقوم على التكيّف وإعادة التشكيل في آن واحد.

لكن ما نشهده اليوم يضيف مستوىً ثالثًا غير مسبوق إلى هذا النموذج التاريخي.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي يشكّل بيئة معرفية ذكية يعيش فيها الإنسان ويتفاعل معها بشكل يومي. لم يعد محاطًا فقط بالطبيعة والمجتمع، بل أيضًا بشبكة من الخوارزميات، والبيانات، وأنظمة التحليل، التي لا تكتفي بعكس الواقع، بل تشارك في تفسيره، وتوجيهه، وإعادة بنائه.

في هذه البيئة الجديدة، لا يتعامل الإنسان مع أدوات جامدة، بل مع أنظمة قادرة على التعلم، والتكيّف، والمشاركة في إنتاج المعرفة. وهنا يتغير نمط التفاعل جذريًا.

فالإنسان – الفرد بشكل خاص، يستفيد من الآلة لتعظيم قدراته المعرفية — يحلل أسرع، يبدع أكثر، ويصل إلى المعرفة بعمق وسرعة غير مسبوقتين. لكنه في الوقت نفسه يعمل على تطوير هذه الآلة نفسها، يدرّبها، يوجّهها، ويعيد تصميمها لتلبي احتياجات جديدة. فتعود الآلة، بعد كل دورة تطوير، لتصبح أكثر قدرة على تعزيز الإنسان وقدراته وتعديل سلوكياته.

وهكذا، تتحول العلاقة بين الإنسان والآلة إلى دورة تطورية متسارعة:

الآلة تضاعف قدرات الإنسان ← الإنسان يطوّر الآلة مجددًا ← الآلة تعود لتضاعف قدرات الإنسان بدرجة أعلى.

هذه العلاقة ليست جديدة في جوهرها، بل هي امتداد لنمط أعمق في تاريخ الإنسان — نمط التفاعل مع البيئة. لكن الفرق أن البيئة الجديدة ليست طبيعية ولا اجتماعية فقط، بل الاثنتين مع بيئة معرفية ذكية وقابلة للتشكيل السريع.، تتكامل مع البيئتين الطبيعية والاجتماعية.

وهنا يظهر بعد حاسم في هذا النموذج.

فالتفاعل مع هذه البيئة الذكية يبدأ غالبًا على مستوى الإنسان-الفرد: الباحث الذي يستخدم أدوات التحليل، المهندس الذي يعتمد على الأنظمة الذكية، المعلم الذي يوظفها في التعلم، أو المبدع الذي يوسع بها آفاقه.

لكن هذا التفاعل الفردي، رغم أهميته، لا يكفي لصناعة تحول حضاري.

فالانتقال من تعاظم قدرات الأفراد إلى تعاظم قدرة المجتمع ككل يتطلب مستوىً تنظيميًا أعلى — مستوى الإنسان-المجتمع.

المجتمع هو الذي:

• يطوّر المؤسسات التي تستوعب هذا التغيّر

• يضع القوانين التي تنظّم استخدام التكنولوجيا

• يبني الأنظمة الاقتصادية التي تستثمر في هذه القدرات

• ويحدد القيم التي تضبط العلاقة بين الإنسان والآلة

ومن دون هذا المستوى الأعلى من التنظيم، قد يتحول التعاظم الفردي إلى مصدر اختلال بدل أن يكون مصدر تقدم.

وهنا تتضح حقيقة أعمق في هذا التحول: أن المعرفة لم تعد مجرد قدرة فردية، بل أصبحت خاصية بنيوية في المجتمع نفسه. فالمجتمع لا يتقدم فقط بما يمتلكه أفراده من قدرات، بل بما يستطيع تنظيمه وتفعيله من معرفة جماعية.

وفي هذا السياق، يمكن تلخيص هذه العلاقة بعبارة مكثفة: المجتمع معرفة، والمعرفة قوة.

هنا تكمن أهمية التمييز بين الإنسان-الفرد والإنسان-المجتمع.

فالفرد يدفع حدود الإمكان، لكنه قد ينزلق أحيانًا نحو نزعات متطرفة — كالمبالغة في الاعتماد على الآلة، أو تفضيل التفاعل معها على حساب التفاعل الإنساني. أما المجتمع، عبر مؤسساته وقيمه، فيعيد "برمجة" هذا التفاعل ضمن إطار إنساني أوسع، يوازن بين التقدم التقني والانسجام الاجتماعي.

وبذلك، لا يعود النموذج ثنائيًا (إنسان–آلة)، بل يصبح ثلاثيًا:

الإنسان-الفرد ↔ الآلة ↔ الإنسان-المجتمع

وفي هذا النموذج:

• الفرد يبتكر ويستخدم

• والآلة تعزّز وتتطور

• والمجتمع ينظّم ويوجّه

وهكذا تصبح دورة التفاعل ليست مجرد تفاعل تقني، بل منظومة حضارية متكاملة:

الإنسان - الفرد يتفاعل مع البيئة الذكية المركبة (طبيعية، اجتماعية، رقمية)، ويعيد تشكيلها وتطويرها، فتعود هذه البيئة لتعيد تشكيله وتضاعف قدراته، بينما يقوم المجتمع بضبط إيقاع هذا التفاعل وتوجيهه.

وهنا يتضح أن السؤال لم يعد فقط: كيف تتطور الآلة؟ بل: كيف يُعاد تشكيل الإنسان والمجتمع معًا داخل هذه البيئة المركبة الجديدة؟

وهذا هو جوهر التحول الذي نشهده اليوم.

الفجوة الخطيرة: الإنسان المعزز مقابل المؤسسات البطيئة

عندما تتضاعف قدرات الفرد، لا يكفي أن تتطور التكنولوجيا، بل يجب أن تتطور المؤسسات أيضًا.

اليوم، يمكن لمهندس إنجاز عمل كان يتطلب شهورًا في أيام. ويمكن لباحث أن يقوم بعمل فريق كامل. لكن المشكلة أن العديد من المؤسسات ما زالت تعمل وفق منطق قديم:

• هياكل بيروقراطية

• إجراءات بطيئة

• قوانين غير متكيفة

وهنا يظهر تناقض خطير:

إنسان سريع، داخل نظام بطيء

وهذا التناقض قد يؤدي إلى:

• تعطيل الابتكار

• إحباط الأفراد

• فقدان الفرص

ويتجلى هذا التناقض بوضوح في المجال العسكري، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة عنصرًا حاسمًا في الحروب الحديثة. فلم تعد الغلبة تُقاس فقط بالقوة النارية، بل بقدرة الأنظمة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. وهكذا تتحول ساحة المعركة إلى فضاء معرفي، تتنافس فيه الخوارزميات بقدر ما تتواجه فيه الجيوش.

وفي هذا السياق، لم يعد سباق التسلح يقتصر على امتلاك العتاد، بل أصبح سباقًا على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وعلى تطوير أنظمة قادرة على توظيفهما، مثل المسيّرات والأنظمة الروبوتية والصواريخ الدقيقة. كما لم يعد التفوق مرتبطًا بالبنى العسكرية الضخمة وعالية الكلفة فقط، مثل حاملات الطائرات والمنصات القتالية الثقيلة، بل أيضًا بأسلحة ذكية منخفضة الكلفة، قابلة للإنتاج الواسع والعمل بمرونة وذكاء ضمن شبكات متكاملة.

وهكذا، يصبح التفوق مرهونًا بقدرة المؤسسات العسكرية على إعادة تنظيم هياكلها وعقائدها التشغيلية، وتبني نماذج أكثر مرونة وتكاملًا، تتيح إنتاج هذه التقنيات ودمجها واستخدامها بكفاءة ضمن منظومات متكيفة مع إيقاع التحول المتسارع.

لذلك، فإن المجتمعات التي ستقود المستقبل ليست تلك التي تمتلك التكنولوجيا فقط، بل تلك التي تعيد تصميم مؤسساتها لتواكب الإنسان المعزز بالتطبيقات التقنية الذكية، وتهندس مضاعفة قدارت الانسان – المجتمع فيها.

التعليم كنظام إعادة ضبط حضاري

إذا كان هذا التحول سيؤثر في الاقتصاد والسياسة، فإن التعليم هو المجال الأكثر تأثرًا.

فالأنظمة التعليمية الحالية نشأت في عصر كانت فيه المعرفة نادرة، وكان الهدف هو نقلها وتنظيمها. وبالتالي تلقين الأجيال وقولبتها على أساس معارف ونواميس جامدة، وخبرات ثابتة مطلوبة في الإدارة البيروقراطية للمؤسسات العامة والخاصة، ومهارات تقينة ثابتة مطلوبة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.

أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة متاحة، والذكاء الاصطناعي قادرًا على الوصول إليها وتحليلها. ومتطلبات سوق العمل والمجتمع من المهارات والكفايات، محدّثة ومتغيّرة بشكل سريع ودائم. لذلك، لا يكفي إدخال أدوات جديدة إلى الصفوف، بل يجب إعادة تعريف التعليم نفسه.

بحيث يتحول التعليم من: نقل المعرفة إلى تنظيم التفاعل المعرفي.

المعلم يصبح مصممًا لتجارب التعلم، وقادرًا على تحليل مسارات الطلاب. والطالب يصبح فاعلًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها.

لكن التحول الأعمق يحدث على مستوى المؤسسة التعليمية:

• من هياكل جامدة إلى أنظمة مرنة

• من تقييم موحد إلى مسارات مخصصة

وهكذا يصبح التعليم: منظومة لتعظيم القدرة البشرية على إنتاج المعرفة، وليس فقط استهلاكها وحفظها.

خاتمة: نحو حضارة الإنسان المعزّز بالتطبيقات الذكية

بعد ثلاثين عامًا من ذلك السؤال الذي طُرح في اليابان، أصبحنا نملك القدرة الحاسوبية والبيانات والخوارزميات التي كانت آنذاك مجرد افتراض. لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تضاهي الإنسان؟ بل أصبح: كيف يمكن للإنسان أن يضاعف قدراته عندما يتفاعل مع الآلة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يهندس هذا التفاعل ويفسح أمامه الأفق اللازم لتعظيم قدرات الانسان – المجتمع وتطوير قيمه وسلوكياته وقوانينه، ويكبح جماح انحيازات الافراد وانفعالاتهم وجموحهم.

في الماضي، قاس الإنسان قوة الآلة بالأحصنة، ثم سرعتها بالصوت. أما اليوم، فهو يقيس قوتها المعرفية بنفسه.

لكن المفارقة أن هذه الآلة، التي تُقاس بالإنسان، تعود فتغير الإنسان نفسه.

وهكذا نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة وفريدة:

وحدة قياس تتطور مع الظاهرة التي تقيسها

فالآلة تُقاس بالإنسان، والإنسان يتغير بتفاعله معها، والمجتمع يحدد مسار هذا التفاعل.

والمجتمعات التي ستقود المستقبل ليست تلك التي تمتلك أقوى التقنيات فقط، بل تلك التي تستطيع إدارة هذا التفاعل الخلاق بين:

• الإنسان الفرد

• والآلة

• والإنسان-المجتمع

فتحوّل مضاعفة القدرات الفردية إلى نهضة جماعية، وتعيد تشكيل مؤسساتها، واقتصادها، وتعليمها، بما يواكب هذا التحول.

وهنا تبدأ ملامح حضارة جديدة: حضارة العقول المعزّزة بالتطبيقات الذكية. 

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.