مقالات

المتاهة الاستراتيجية: لماذا لم تُجِب الحرب الإيرانية على شيء مما ظننّا أنها ستُجيب عليه؟

post-img

هشام جعفر (موقع مصر 360)

منذ أن بدأت الضربة الأولي على إيران في يونيو 2025، والتي تلتها الثانية فبراير/ شباط 2026، والمحللون منقسمون على معسكرين: فريق يقول إن الحرب على إيران أثبتت أن أمريكا لا تزال سيدة العالم، وفريق آخر يرى أنها على العكس كشفت أفول النجم الأمريكي، وبداية عصر التعددية القطبية. وكلا الفريقين يتحدث بثقة مذهلة، وكلاهما يستشهد بالأحداث ذاتها.

هذا التناقض لا يعني أن أحدهما مخطئ، بل يعني أن السؤال الذي يتنازعان حوله، ربما كان سؤالاً خاطئاً من الأساس؛ فالخلاف ليس في الإجابة، وإنما في أننا نسأل السؤال الخطأ منذ البداية.

الرواية الأولى: «أمريكا انتصرت»

أصحاب هذا الرأي لديهم ما يقولونه، عملية «الأسد الصاعد» التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، كانت نموذجاً للدقة العسكرية التي لا يملكها أي جيش آخر في العالم. روسيا لم تتدخل، والصين لم تحرك ساكناً، وفي نهاية اليوم إسرائيل محاطة بمنظومات دفاعية أمريكية ضخمة، بينما إيران تئن تحت وطأة عقوبات، باتت تخنق اقتصادها.

كل هذا صحيح، لكن هناك سؤال لا يُجيبون عنه: وماذا بعد؟ أمريكا أثبتت أنها تستطيع أن تضرب، لكنها لم تُثبت أنها تستطيع أن تحسم، وهذا الفارق هو الذي أكلت فيه أفغانستان عشرين سنة، وشربت منه العراق وليبيا وسوريا.

القوة العسكرية الهائلة شيء، وتحويل تلك القوة إلى نظام مستقر شيء آخر تماماً.

يُضاف إلى ذلك، أن العقوبات الأمريكية، رغم فتكها، تُنتج عدواً جديداً مع كل جولة استخدام، فإيران وروسيا والصين تبني منذ سنوات بنى تحتية مالية موازية، صحيح أنها لن تحل محل الدولار غداً، لكنها تضيّق هامشه ببطء وبشكل يصعب عكسه.

الرواية الثانية: «أمريكا في أفول»

وعلى الطرف الآخر، يقول هؤلاء: انظر كيف صمدت إيران، وانظر كيف فشل الردع الأمريكي في منع الحرب أصلاً، انظر كيف أصبحت الصين الشريك الاقتصادي الأول لطهران، بينما روسيا تزودها بالسلاح والتكنولوجيا، هذا هو «القطب المضاد» الذي يتشكل في قلب الشرق الأوسط.

وهذا أيضاً فيه نصيب من الحقيقة، لكنه يقع في خطأ مقابل؛ حين يُسمي تحالفاً هشاً «قطباً»، الصين وروسيا وإيران لا يجمعهم مشروع مشترك، وإنما يوحدها رفض مشترك، وهذا فرق جوهري؛ فالكتلة التي تتماسك بالرفض لا بالبناء هي أول ما يتفكك، حين تتضارب مصالح أطرافها.

الصين تريد استقراراً، يحمي تجارتها، وإيران المتعثرة اقتصادياً تحتاج أسعار نفط مرتفعة، وروسيا المستنزفة في أوكرانيا لا تملك ترف المغامرات الإضافية، وورقة «إغلاق مضيق هرمز» التي يشير إليها البعض كدليل على القوة الإيرانية، هي في الحقيقة سلاح ذي حدين؛ فإيران نفسها تعتمد على عائدات النفط المارة بهذا المضيق، واستخدام هذه الورقة يعني إطلاق النار على القدم.

الرواية الثالثة: «العالم في فوضى»

ثمة رأي ثالث تبناه مفكرون ومحللون عظام ومراكز بحث كبرى في أعقاب الأزمة: لا أحادية ولا تعددية؛ وإنما «سيولة دولية» وفوضى منظمة.

وهذه الرواية هي الأقرب إلى ما نشهده الآن؛ فالسعودية تشتري السلاح من واشنطن، وتنسق حصص النفط مع موسكو، وتبيع الطاقة لبكين، تركيا في حلف الناتو، وتتعاون مع روسيا في آن. والإمارات شريكة أمنية أمريكية وسوق استثمارية صينية، هذا ليس «تعدد أقطاب»، هذا «تعدد خيارات». والفارق بينهما فارق جوهري.

لكن مشكلة هذه الرواية أنها تصف ولا تفسّر، أن تقول «العالم في فوضى» صحيح، لكنه لا يخبرنا، لماذا نشأت هذه الفوضى، ولا كيف تشتغل، ولا إلى أين تتجه، الوصف الدقيق بلا تفسير يشبه تقرير الطقس الذي يقول لك «الجو ملبد بالغيوم» دون أن يخبرك، إذا كانت ستمطر أم لا.

المشكلة الحقيقية: الخرائط القديمة

لنتوقف هنا ونسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا لو كانت الرؤى الثلاث مجتمعةً تُخطئ؛ لا لأن واحدة منها تملك الحقيقة وتُضيعها الأخريتان، بل لأن الثلاث يستخدمن خرائط رُسمت لعالم لم يعد موجوداً.

مفهوم «القطبية» بكل أشكالها وُلد في القرن العشرين، حين كانت القوة تُقاس بأشياء ملموسة: عدد الدبابات، حجم الاقتصاد الصناعي، عدد الرؤوس النووية.. إلى آخره، وكانت التحالفات صلبة نسبياً، والأزمات تأخذ سنوات لتنضج.

أما اليوم فالقوة باتت موزعة على طبقات، لا تجمعها معادلة واحدة، ففي الطبقة العسكرية التقليدية، أمريكا متفوقة بلا منازع، وفي طبقة السرديات والرأي العام العالمي، إيران «انتصرت» بصمودها، رغم ما أصابها من دمار كبير وضعف هيكلي، وفي الطبقة الاقتصادية، ثنائية صينية-أمريكية معقدة، أما في الفضاء الرقمي؛ ففوضى بلا أقطاب واضحة.

فكيف لمفهوم كالقطبية أن يصف كل هذا في كلمة واحدة؟

المشكل أننا نستخدم خرائط القرن العشرين لاستكشاف تضاريس القرن الحادي والعشرين المعقدة.

ما الذي كشفته الحرب إذن؟

الحرب الإيرانية لم تُثبت أن أمريكا قوية، ولا أنها ضعيفة، كشفت أن النظام الدولي يعمل الآن بمنطق مختلف جذرياً، عما اعتدنا تحليله.

أثبتت أن الفاعلين لم يعودوا دولاً فحسب؛ فشركات التكنولوجيا أدّت دوراً استخباراتياً مباشراً في الصراع، وأكدت- كما في غزة- أنها باتت جزءا أصيلا في الحرب الحديثة. والميليشيات تحركت باستقلالية حقيقية عن رعاتها، والرأي العام العالمي المتصل رقمياً، أنتج ضغطاً على القرارات، لم يكن أحد يحسبه في المعادلة.

أثبتت أيضاً أن التحالفات أصبحت «وظيفية» لا «عقدية»؛ فالدول تتحالف بحسب الموضوع، وتتغير مواقفها بحسب المصلحة اللحظية. هذا لا يعني غياب التراتبية؛ فأمريكا والصين لا تزالان في مرتبة مختلفة عن إيران وتركيا، لكنه يعني أن تلك التراتبية لم تعد تُنتج استقراراً تلقائياً.

وأثبتت الحرب شيئاً أعمق، وهو أن سرعة الأحداث باتت تتجاوز قدرة النظرية على اللحاق بها، فما كان يحتاج سنوات لينضج، بات يتبلور في أشهر، والتحليل الذي يستغرق فصلاً دراسياً ليكتمل قد يجد موضوعه قد تغير قبل أن ينتهي.

إذاً ماذا نفعل؟

الإجابة ليست التخلي عن التفكير ومحاولة تقديم التحليلات، ولا الاستسلام لفكرة «لا أحد يفهم شيئاً»، وإنما أن نتواضع ونُعيد طرح السؤال لعلنا نفهم، ونقول دائما وأبدا “إن شاء الله”.

وبدلاً من «هل العالم أحادي أم متعدد الأقطاب؟»، نسأل: في أيّ طبقة من طبقات القوة نحن نتحدث الآن؟

وبدلاً من «من يتحكم في النظام الدولي؟»، نسأل: من يتحكم في توزيع التكاليف والمكاسب في كل أزمة بعينها؟

وبدلاً من «هل أمريكا تتراجع؟»، نسأل: في أي قطاع وفي أي منطقة وعلى أي مدى زمني؟ فالهيمنة الأمريكية لا تسقط دفعة واحدة، ولا تُجدَّد دفعة واحدة، هي تتآكل في بعض القطاعات وتتعزز في أخرى، فبعد الحرب الإيرانية، تعزّزت في الدفاع الصاروخي الإقليمي، وتآكلت في مصداقية الخطاب الحقوقي الغربي أمام العالم، وهذا التفاوت هو جوهر ما نعيشه، ولا يُختزل في كلمة.

حين يُصبح السؤال هو المشكلة

وثمة مفارقة تستحق التأمل: الرؤى الثلاث التي تتنافس على تفسير ما بعد الحرب الإيرانية، كلها تنطلق ضمنياً من منظور غربي، يجعل واشنطن محور الثقل الذي يُقاس عليه الجميع. الهند وإثيوبيا والبرازيل ودول الجنوب، تبني علاقات متعددة الاتجاه، وتعيد تشكيل النظام من الهامش، لكنها تكاد تغيب عن هذه التحليلات.

النظام الدولي لا يُعاد تشكيله من المركز فقط، بل من الأطراف أيضاً وأحياناً بشكل أكثر جذرية، وأي تحليل يتجاهل هذا يشبه من يُحاول فهم المحيط بقياس أمواجه في ميناء واحد.

الحرب الإيرانية لم تُجِب على سؤال “أحادية أم تعددية؟” لأن هذا السؤال نفسه غير كاشف عن واقع اليوم، ما كشفته الحرب، هو أننا أمام نظام يعمل بـ:

قوة موزعة + فاعلين متعددي الطبقات + تحالفات سائلة + سرعة تحول غير مسبوقة

وهذا يستدعي إطاراً مفاهيمياً جديداً، لا مجرد تعديل على الإطار القديم.​​​​​​​​​

الحرب الإيرانية لم تُجِب على سؤال «أحادية أم تعددية؟»، بل كشفت أن هذا السؤال لم يعد يستحق الجهد الذي ننفقه عليه، وأن العقول التي تريد فهم، ما يجري عليها أن تبدأ بشيء أصعب بكثير من اختيار إجابة، وهو أن تبدأ بإعادة صياغة السؤال.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.