هبة أنيس (مجلة الفراتس)
بعد سنوات من العزوف والضغوط الأمنية، يتحول المسلمون في الولايات المتحدة إلى قوة انتخابية أكثر تنظيماً وتأثيراً في السياسة المحلية.
تجمع الآلاف من المؤيدين مساء الثلاثاء الموافق 4 نوفمبر 2025 وسط بروكلين، أحد أحياء مدينة نيويورك، بانتظار تسجيل لحظة الفوز. بعضهم يحدق في الشاشات المعلقة وآخرون يهتفون باسم المرشح، حتى ظهرت النتائج وتعانق الحضور وارتفعت الهواتف لتوثيق اللحظة التي أصبحت فيها المدينة على موعد مع انتخاب أول عمدة مسلم في تاريخها.
نجح زهران ممداني بعمر أربعة وثلاثين عاماً في حشد قاعدة انتخابية واسعة بعد حملة نشطة ركزت على الوصول إلى شرائح مختلفة من الناخبين، جمعت بين الشباب والمهاجرين وسكان الأحياء المتنوعة عرقياً. وعلى مدار أشهر من العمل الميداني والتنظيمي، استطاعت حملته تحويل هذا الدعم المتنوع إلى انتصار في مدينة تعد من أكثر المدن تنوعاً سياسياً وسكانياً في الولايات المتحدة.
أظهر فوز ممداني بمنصب عمدة نيويورك تحولاً في علاقة المسلمين بالسياسة في الولايات المتحدة. فبعد عقود من العزوف أو الاستبعاد من المشاركة السياسية، سيما في فترة ما قبل الثمانينيات، ثم مرحلة الاستهداف الأمني والسياسي التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، تحولت الجاليات المسلمة في العقد الأخير إلى فاعل انتخابي أكثر تنظيماً وتأثيراً. بدايةً من تطور تنظيم المؤسسات الإسلامية في العمل السياسي وتدريب المرشحين وبناء شبكات دعم انتخابي، إلى التغيرات الأوسع في السياق السياسي الأمريكي خصوصاً مع صعود خطاب كراهية الإسلام وسياسات الإقصاء. دفعت هذه التحولات قطاعات واسعة من المسلمين والمهاجرين إلى اتخاذ المشاركة السياسية أداةً للدفاع عن الوجود وبناء تحالفات أوسع داخل المشهد السياسي الأمريكي.
حتى نهاية الثمانينيات، ظل الانخراط السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة محدوداً، إذ لم يكن لهم حضور سياسي منظم أو مؤثر في الانتخابات أو المؤسسات الحزبية. وقد تشكل هذا الواقع عبر تاريخ طويل قوامه تجربتان رئيستان داخل المجتمع المسلم نفسه. التجربة الأولى ترافقت مع موجات هجرة المسلمين للولايات المتحدة، التي مرت بعدة مراحل بين التضييق والانفتاح. والثانية تشكلت بين الإسلام والسياسة في مجتمعات المسلمين الأمريكيين السود، إذ تداخلت هذه التجربة مع تاريخٍ طويل من التمييز العنصري، وتطورت بصعود حركات التحرر في الستينيات.
وصلت أول موجة كبيرة من المهاجرين الطوعيين المسلمين للولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من بلاد الشام الواقعة حينها ضمن الدولة العثمانية، خاصةً لبنان وسوريا. وتشير التقديرات إلى أن نحو أربعين ألف مسلم دخلوا الولايات المتحدة بحلول سنة 1920.
غير أن أعداد المهاجرين من الأقاليم التابعة الدولةَ العثمانية بدأت بالتقلص بعدما أصدرت السلطات الأمريكية سنة 1921 قانون الحصص الذي فرض نظاماً يحدد عدد المهاجرين المسموح بدخولهم سنوياً. ثم جاء قانون الهجرة سنة 1924 ليشدد هذه القيود بنظام حصص يمنح أفضلية للمهاجرين من شمال أوروبا وغربها ويحد من الهجرة القادمة من مناطق أخرى، بما فيها الشرق الأوسط.
بالتوازي شهد القرن العشرين انتشار الإسلام بين الأمريكيين السود نتيجة جهود دعوية قادتها عدة حركات إسلامية. من أوائل هذه الجهود نشاط الداعية الهندي المفتي محمد صادق، الذي ركز في دعوته على فكرة المساواة في الإسلام وانتقد استخدام المسيحية لتبرير العبودية والعنصرية، فوجد خطابُه صدى لدى الأمريكيين السود حينها. وفي الفترة نفسها ظهرت حركة "معبد العلوم الموريسكي" التي أسسها تيموثي درو سنة 1913 التي مزجت بين الهوية الدينية والقومية، وعدّت الأمريكيين الأفارقة جميعاً من نسل الموآبيين المغاربة وأن هويتهم الإسلامية سُلبت منهم بسبب العبودية.
ولاحقاً عززت حركة "أمة الإسلام" هذه الهوية الدينية منذ أسسها والاس فارد سنة 1930، ثم قادها لاحقاً إيليا محمد. وقد فسرت الحركة تفسيراً دينياً يربط الإسلام بتحرر السود من العنصرية وهيمنة البيض، وشجعت على الاستقلال الاقتصادي والانفصال الاجتماعي عن البيض. لم تعتمد "أمة الإسلام" في منهجها الإسلامَ وحده، بل كانت خليطاً جمع إلى جانب العقيدة الإسلامية أفكاراً من المسيحية والبوذية والغنوصية. عدّتْ الحركة والاس فارد شخصاً مقدساً وإيليا محمد رسولاً. وهو النهج الذي خالفه مالكوم إكس، أبرز الشخصيات التي انضمت إلى الحركة، بعد زيارته مكةَ سنة 1964 وتحوله إلى الإسلام الخالص من المعتقدات الأخرى. ثم تبنى مالكوم خطاباً أكثر انفتاحاً يؤمن بأن المشكلة ليست في العرق الأبيض بل في العنصرية نفسها.
تزامنت زيارة مالكوم إكس مكةَ وعودته مبشراً بالإسلام في أوساط الأمريكيين السود مع بدء السلطات الأمريكية تخفيف القيود على هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة. ففي سنة 1965 وقع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون قانون "هارت سيلر" الذي ألغى نظام الحصص وفتح الباب أمام القادمين من مناطق غير أوروبية، بما فيها دول ذات أغلبية مسلمة.
وفي الفترة بين 1966 و1997 وصل إلى الولايات المتحدة نحو 2.78 مليون مهاجر بينهم نحو 1.1 مليون مسلم. عزز المهاجرون التنوعَ العرقي والثقافي داخل المجتمع الأمريكي المسلم، إذ لم يعد محصوراً بالعرب أو الأمريكيين السود، إنما شمل مسلمين من مناطق أخرى آسيوية وأوروبية. ومع مرور الوقت ازداد وصول المهاجرين الهاربين من الحروب والأزمات السياسية من دول بينها أفغانستان والصومال ولبنان والعراق وإيران.
زيادة أعداد المهاجرين المسلمين لم تقابل بزيادة في الانخراط السياسي. وتشير أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة جورج تاون إيفون يزبك حداد، في دراستها "مسلمز إن يو إس إي بوليتكس" (المسلمين في السياسة الأمريكية) الصادرة سنة 2001، إلى أنه مع وجود المسلمين في الولايات المتحدة منذ أكثر من قرن، إلا أنهم ظلوا لفترة طويلة بعيداً عن الانخراط السياسي المنظم. فقد ركزت الجاليات المسلمة وخصوصاً المهاجرة منها، على بناء المساجد والمؤسسات الدينية والتعليمية وترسيخ وجودها الاجتماعي والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية داخل المجتمع الأمريكي. وساهم التنوع العرقي داخل المجتمع المسلم، إضافة إلى قلة الخبرة السياسية لدى كثير من المهاجرين، في تراجع اندماج المسلمين في العمل السياسي الأمريكي.
نهاية التسعينيات كانت بداية انخراط محدود للمسلمين في السياسة الأمريكية. ففي انتخابات سنة 2000 أعلن مجلس التنسيق السياسي للمسلمين الأمريكيين الذي ضم عدة منظمات إسلامية، دعمه المرشحَ الجمهوري جورج بوش الابن حينها. وأظهرت استطلاعات الرأي آنذاك أن أغلبية الناخبين المسلمين كانت تميل للتصويت له، في محاولة لتحويل المسلمين إلى كتلة انتخابية مؤثرة قبل أن تتغير الظروف بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وقد وضعت هذه الهجمات المسلمين والمؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة في دائرة الاشتباه، وقدرٍ كبير من التدقيق والتضييق الأمني والسياسي. وأغلقت بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية بعد اتهامها بصلات مع جماعات تُصنف إرهابية.
وفيما دفعت هذه السياسات بعض المسلمين صوب الانكفاء على الذات طلباً السلامة، أدركت قطاعات أخرى من المسلمين أهمية العمل السياسي والدفاع عن الحقوق المدنية. وهو ما أدى تدريجياً إلى زيادة الانخراط في التنظيم السياسي والمشاركة الانتخابية في العقدين التاليين.
أقر قانون "باتريوت" بعد خمسة وأربعين يوماً من هجمات الحادي عشر من سبتمبر ليوسع قدرات الحكومة الفيدرالية على جمع المعلومات عن المواطنين تحت مبرر مكافحة الإرهاب. وسمح القانون بالوصول إلى سجلات الهاتف والبنوك وغيرها من البيانات الشخصية. وكذلك منح الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش الابن وكالة الأمن القومي صلاحية التجسس على المكالمات الهاتفية بلا أوامر قضائية. وتوسعت برامج المراقبة التي ركزت خاصةً على مجتمعات المسلمين، واندمج مخبرون وضباط متخفون داخل المساجد والمراكز المجتمعية ومجموعات الطلاب المسلمين، وطرحوا أسئلة عن تنظيم القاعدة ومفهوم الجهاد.
وفقاً لتقرير نشره موقع "بي بي إس" في سبتمبر 2021، فقد أثارت هذه السياسات جدلاً واسعاً، ورفعت بسببها دعاوى قضائية عدة. من بينها قضايا ضد برنامج مراقبة نفذته شرطة ولاية نيويورك استهدف المساجد والتجمعات الإسلامية، وأرسل ضابط متخف في رحلة جامعية لمراقبة الطلاب وتسجيل عدد المرات التي أدوا فيها الصلاة. ولم تقتصر تداعيات المرحلة على البالغين، فقد امتدت إلى الأطفال أيضاً. وأشار تقرير نشره موقع "ذا سيتي إن واي إس" في سبتمبر 2021 إلى أن أطفالاً من أسر مسلمة تعرضوا للمضايقات في طريقهم إلى المدارس، إذ كان ينادى عليهم بعبارات من قبيل "إرهابيين".
تصاعد خطاب كراهية الإسلام هذا، إلى جانب المراقبة والتضييق الأمني، فأدى لحوادث عنف وتمييز ضد المسلمين. شملت الحوادثُ اعتداءاتٍ جسدية وتخريب أماكن العبادة وتهديدات بالقتل، وقعت معظم هذه الحوادث في الأشهر الأولى بعد الحادي عشر من سبتمبر.
في هذا السياق، نشرت "هيومن رايتس ووتش" تقريراً في 2002 استندت فيه إلى الأرقام الرسمية التي جمعتها منظمات المجتمع المدني، إحصائية عن مكتب التحقيقات الفيدرالي تفيد أن عدد جرائم الكراهية المعادية المسلمين ارتفع من 28 جريمة في سنة 2000 إلى 481 جريمة في 2001 بزيادة قدرها سبعة عشر ضعفاً. كذلك أفادت اللجنة الأمريكية العربية لمناهضة التمييز بوقوع أكثر من ستمئة جريمة كراهية استهدفت العرب والمسلمين في تلك الفترة. ومن حصر حوادث رد الفعل العنيف التي تراوحت بين الإهانات اللفظية والتمييز في العمل أفاد مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" وقوع 1717 حادثة تمييز ضد المسلمين في الفترة ما بين الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتى فبراير 2002.
وبيّن تحليل لمشروع تكلفة "الحرب على الإرهاب" في جامعة براون صدر في 2021 أن الحكومة الفيدرالية استثمرت نحو ثمانية تريليونات دولار عقب الحادي عشر من سبتمبر، أُنفق منها مليار دولار لمنع الإرهاب داخل الولايات المتحدة. كذلك اتخذت جهود مكافحة الإرهاب أشكالاً مختلفة، بينها إنشاء وكالات حكومية جديدة أبرزها "دي إتش إس" (وزارة الأمن الداخلي) إلى جانب برامج المراقبة. وقاد ذلك إلى استهداف الأمريكيين المسلمين بناءاً على الدين أو بلد الأصل. ويشير التحليل إلى أنه مع صعوبة تحديد عدد المسلمين الأمريكيين الذين تأثروا بذلك، إلا أن تجربة المراقبة تركت جيلاً من المسلمين في الولايات المتحدة يعانون من مشاعر عدم الثقة والخوف.
خلق هذا المناخ بيئة صعبة لانخراط الكثير من المسلمين في المجال العام، مدفوعين بالخوف من الوصم والملاحقة أو شعوراً بعدم الجدوى. فقد أظهرت نتائج دراسة لأستاذ القانون في جامعة كولورادو بولدر، ديلارام تاكيار، بعنوان "وين انترست دزنت ترن أنتو أكشن [. . .]" (عندما لا يتحول الاهتمام إلى فعل[. . .]) سنة 2019، أن المسلمين الذين تعرضوا للوصم أو أدركوا انتشار التمييز أصبحوا أقل احتمالاً للمشاركة السياسية بنحو 14 بالمئة. وفسرت الدراسة التراجع في المشاركة قبل الانخراط السياسي في إطار غياب سياسات داعمة للتعددية الثقافية أو ضعف الاعتراف بالتنوع، إلى جانب أن تصاعد الوصم ضد المسلمين حدث فجأة بخلاف جماعات عاشت التمييز لفترات طويلة مثل الأمريكيين السود. وذكرت الدراسة أيضاً أن الخوف من جرائم الكراهية كان عاملاً مهماً في تقليل المشاركة السياسية.
في الوقت نفسه، ساهم التضييق والمراقبة في حضور السياسة في الوعي اليومي لمسلمين آخرين. وأوضحت الدراسة أن التمييز يقلل المشاركة السياسية لكنه في المقابل يزيد من شعور الانتماء والهوية الجماعية لدى المسلمين التي ترفع من مستوى الاهتمام بالشأن السياسي، لأن السياسة تصبح أكثر ارتباطاً بحياة أفراد الجماعة. وتفسير آخر قدمته الدراسة عن مفهوم الكفاءة السياسية، فانتشار الوصم والتمييز أدى إلى شعور المسلمين بأنهم غير قادرين على التأثير في النظام السياسي أو تغيير أوضاعهم أقليةً صغيرة. ولاحقاً دفعت هذه العوامل المؤسسات الإسلامية والأفراد إلى تطوير طرقٍ جديدة للتنظيم وتعزيز حضورهم في المجال العام.
من هنا بدأت تتشكل شبكات ومجموعات مجتمعية داخل المدن الأمريكية عملت على تمثيل المجتمعات المسلمة وتوسيع حضورها المدني والسياسي في السنوات اللاحقة، في مواجهة تصاعد الخطابِ المعادي الإسلامَ والصورِ النمطية التي ترسخت في الإعلام والمجال العام.
ظهرت منظمات ومبادرات هدفت إلى توعية الإعلام والجمهور وتقديم صورة صحيحة عن الإسلام. ومن بين هذه المحاولات جهود مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير"، الذي تأسس في 1994 ووثق جرائم الكراهية التي استهدفت المسلمين في الولايات المتحدة. وكانت "كير" قد أصدرت كتيباً سنة 1996 يشرح للمسلمين كيفية كتابة مقالات رأي أو رسائل إلى محرري الصحف المحلية، وكيفية التواصل مع وسائل الإعلام والمسؤولين الحكوميين عند وقوع أزمات. ووفرت الدائرة الإسلامية لأمريكا الشمالية خطاً هاتفياً للإبلاغ عن حوادث التحيز والكراهية ضد المسلمين.
ومع الوقت اتخذت هذه الجهود أشكالاً متعددة لمحاولة كسر الصور النمطية. فقد بدأت عدة مساجد في مدن أمريكية بفتح أبوابها لغير المسلمين في أيام محددة لحضور محاضرات عن الإسلام أو المشاركة في صلاة الجمعة. وامتدت محاولات إعادة تقديم صورة المسلمين إلى المجال الثقافي والإعلامي، مثل برنامج الواقع "أول أمريكان مسلم" الذي عرضته قناة "تي إل سي" في 2011، وتابع الحياة اليومية لعائلات لبنانية أمريكية مسلمة في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان.
لم يقتصر دور المنظمات على محاولة تصحيح صورة الإسلام أو الرد على الخطاب المعادي فقط، إنما امتد إلى تنظيم المسلمين أنفسهم وتأهيلهم للانخراط في المجال العام. ومع الوقت، ساهمت هذه الجهود في نقل المسلمين إلى موقع الفاعل السياسي وبدأت تظهر تدريجياً مشاركة أكبر في الحياة السياسية، عبر الترشح للانتخابات المحلية والبلدية. وهو ما مهد لظهور جيل من المرشحين المسلمين الذين دخلوا السباق الانتخابي في مدن أمريكية مختلفة في السنوات اللاحقة، وأصبح ذلك الانخراط السياسي أوضح مع انتخابات 2016 وما تلاها.
ارتفعت نسبة تسجيل المسلمين في قوائم الناخبين من 60 بالمئة سنة 2016 إلى 68 بالمئة في 2017، ثم إلى 75 بالمئة سنة 2018، التي شهدت أرقاماً غير مسبوقة في ترشح المسلمين للمناصب العامة. حينها أعلن ثلاثة وعشرون مسلماً ترشحهم لمناصب على مستوى الولايات أو المستوى الفيدرالي، وفاز أربعة منهم في الانتخابات العامة. وفي العام نفسه فازت إلهان عمر ورشيدة طليب أول امرأتين مسلمتين في الكونغرس، الأولى من أصول صومالية والثانية من أصول فلسطينية.
في هذا السياق، نشرت مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية تقريراً سنة 2021 عن توسع حضور المسلمين في الولايات المتحدة اجتماعياً واقتصادياً. وأشار إلى أن عدد المساجد تضاعف وأصبح المسلمون من أكثر الأقليات الدينية حضوراً في الحياة العامة. وأظهرت بعض المؤشرات هذا الصعود بوضوح، ففي ولاية ميشيغان شكل المسلمون نحو 15 بالمئة من الأطباء مع أن نسبتهم السكانية لا تتجاوز 3 بالمئة. وبرز حضورهم في مجالات الثقافة والفنون والسياسة، ووصف التقرير هذا الحضور انعكاساً لقدرة المجتمع المسلم على التكيف والاندماج وأن الهجرة أصبحت أحد عناصر القوة الاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة مع استمرار موجات الشك والعداء التي رافقت مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
ولفهم كيف بدأ المسلمون في تنظيم أنفسهم سياسياً، توجهت الفراتس إلى ولاية نيوجيرسي والتقت المدير التنفيذي لمنظمة "كير"، صلاح الدين مقصود. وقد كان في جعبتنا أسئلة عن الأدوات التي استخدمتها المؤسسة في السنوات الأخيرة لتشجيع المسلمين على دخول العمل السياسي.
قال مقصود إن المؤسسة أطلقت مجموعة من البرامج التدريبية لتعريف أفراد الجاليات المسلمة بكيفية الترشح للمناصب العامة. وفي هذه البرامج يتعلم المشاركون الخطوات الأساس لخوض الانتخابات بداية من فكرة الترشح إلى كيفية إدارة الحملات الانتخابية، ويأتي التركيز لهذه البرامج على المناصب المحلية داخل المدن. الفكرة هي تشجيع المسلمين على البدء من المستوى الأقرب إلى حياتهم اليومية. ويعلق مقصود: "نقول للناس ابدأوا منذ الصغر، ابدأوا من مدنكم وبلداتكم. إذا كنتم تريدون الترشح فهذه هي البداية. لذلك نعلمهم أولاً كيف تعمل الحكومة المحلية".
نظمت "كير" عدة دورات تدريبية من هذا النوع في أنحاء مختلفة من الولاية داخل المساجد. ويبدأ محتوى التدريب بشرح شكل الحكومة المحلية والمناصب الموجودة ومسؤوليات كل منصب، ثم يتحدث المشاركون مع أشخاص ذوي خبرة سابقة في خوض الحملات الانتخابية، يشرحون لهم كيفية جمع التبرعات والتحدث مع الناخبين. ويتناول التدريب القضايا المحلية التي تشغل الناخبين، إضافة إلى نقاش أوسع عن العلاقة بين الإسلام والعمل العام. يضيف مقصود أن هذه البرامج تتطور باستمرار حسب الخطاب السياسي والمناخ العام، إلى جانب برنامج خاص لطلاب المدارس الثانوية لإعدادهم للمستقبل، ويُشرح لهم خطوة بخطوة كيف يمكنهم الترشح يوماً للمناصب العامة.
أخبرنا المتحدث كذلك أن المصادر المالية والتمويل عناصر مهمة لاستمرار تلك الحملات، خاصة مع وجود جهات في المقابل مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك"، التي تعمل على تعزيز العلاقات السياسية والعسكرية بين أمريكا وإسرائيل وتقدم تمويلات ضخمة للمرشحين المعادين الخطابَ الإسلامي. لذا، بحسب مقصود، لا يمكن اختزال نجاح الحملات في المال وحده، فإلى جانب التمويل تعمل المؤسسات على تعزيز عناصر أخرى لا تقل أهمية مثل وضوح الرسالة السياسية، والقيم التي يطرحها المرشح، وقدرته على بناء تحالفات واسعة داخل المجتمع. فهذه العوامل برأيه ضرورية لأي مرشح يريد التقدم في السباق الانتخابي.
ومع ذلك، لا يضمن امتلاك المال النجاح دائماً إذا لم تكن القاعدة الناخبة أو الداعمين يشاركون قيم المرشح نفسها. ويرى مقصود أن المشهد السياسي قد يصل إلى لحظة يصبح فيها الارتباط بمؤسسات تدعم التيار الصهيوني مثل "أيباك" عبئاً سياسياً يُجنّب بعض المرشحين الاقتراب منه خشية تأثيره السلبي على صورتهم أمام الناخبين.
يستدرك مقصود أنه في المقابل فإن المسلمين أنفسهم يشاركون في دعم الحملات الانتخابية بطرق مختلفة، سواء بالتبرعات المباشرة أو بتنظيم فعاليات لجمع التمويل. وقد بدأت نتائج هذا العمل تظهر بوضوح في السنوات الأخيرة، إذ ازداد عدد المسلمين الذين يترشحون للمناصب المحلية، من مجالس التعليم إلى المجالس البلدية وحتى مناصب رؤساء البلديات. وأضاف المتحدث أن كثيراً من هؤلاء لم يكن لديهم أي انخراط سابق في السياسة، لكنهم بدأوا يدركون أن الطريقة الوحيدة لإحداث تغيير حقيقي في مجتمعاتهم هي المشاركة المباشرة في الحياة السياسية. وشرح أن هذا الشعور يرتبط أيضاً بإحساس أوسع بالانتماء والمسؤولية. فالمسلمون يعيشون حياتهم اليومية في هذه المدن، يرسلون أبناءهم إلى المدارس نفسها ويعملون في المؤسسات المحلية ويتشاركون مع بقية السكان تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك يرون أن عليهم مسؤولية تجاه المجتمعات التي يعيشون فيها، ليس فقط في السياسة الخارجية، بل أيضاً فيما يخص تحسين الحياة العامة وجعل المدن التي يعيشون فيها أفضل للجميع.
أشار مقصود إلى ولاية نيوجيرسي حالةً لافتة في هذا السياق. فهي بحسب تقديره تضم أكبر عدد من المسلمين في مناصب سياسية منتخبة مقارنة بأي ولاية أمريكية أخرى، إذ يشغل نحو خمسين مسلماً مناصب مختلفة بين مجالس التعليم والمجالس البلدية وصولاً إلى البرلمان المحلي للولاية. هذا التحول جاء بعد عقود بعد الحادي عشر من سبتمبر كان ينظر فيها إلى المسلمين عبئاً سياسياً، وكان المرشحون المسلمون يواجهون حملات تشويه تتهمهم بازدواج الولاء أو بمحاولة فرض الشريعة أو بتوجهات خفية.
لكن بعد أكثر من عقدين على تلك المرحلة بدأ تحول جيلي داخل المجتمع الأمريكي، فالكثير من الشباب الذين نشأوا إلى جانب زملاء مسلمين في المدارس والجامعات أصبحوا أكثر استعداداً لدعم مرشحين مسلمين، خصوصاً عندما تتقاطع مواقفهم مع قيم سياسية أوسع يتبناها جزء من الناخبين.
لا يقتصر صعود المرشحين المسلمين على تنظيم الجاليات المسلمة نفسها، بل أيضاً بناء تحالفات أوسع مع مجموعات ومجتمعات أخرى خارجها. وينوه صلاح الدين مقصود إلى أن هناك تقاطعاً في القيم بين المسلمين وبين حركات اجتماعية أخرى في الولايات المتحدة. يقول: "كثيراً من هذه المجتمعات تتشارك معنا القيم نفسها، والأمل نفسه أن تنهي أمريكا حروبها في الخارج، وأن تركز أكثر على القضايا المحلية التي تمس حياة الناس اليومية مثل القدرة على تحمل تكاليف المعيشة وأزمة السكن وعنف الشرطة".
هذا التعاون يحدث محلياً في المدن والبلدات. فولاية نيوجيرسي على سبيل المثال، ليست مدينة كبيرة واحدة مثل نيويورك، بل تتكون من عدد كبير من الضواحي والمجتمعات الصغيرة الموزعة. وهو ما يجعل العمل السياسي فيها قائماً بطبيعته على تحالفات محلية تتشكل بين المجتمعات المختلفة. وأشار مقصود إلى أن هذه التحالفات تتجسد في تقاطعات واضحة بين الحركات الاجتماعية المختلفة. فمثلاً تعبر حركة "بلاك لايفز ماتر" (حياة السود مهمة) في كثير من الأحيان عن تضامنها مع القضية الفلسطينية، في حين يدعم كثير من المسلمين في الولايات المتحدة نضال مجتمعات السود ضد عنف الشرطة والتمييز العنصري.
هذا التضامن لا يأتي فقط من تقاطع القضايا السياسية، إنما من إدراك أوسع بأن أشكال الظلم والتمييز مترابطة. فالعنصرية التي تضر بمجتمعات السود في الولايات المتحدة، تشبه في طبيعتها أنماط القمع التي يتعرض لها الفلسطينيون. وهذا الترابط يظهر أحياناً في مستوى الممارسات الأمنية، كحالة برامج التدريب الأمني التي جمعت في فترات مختلفة بين جهات أمنية أمريكية وإسرائيلية. فبعض أفراد الشرطة في الولايات المتحدة خصوصاً في نيويورك وأجزاء من نيوجيرسي شاركوا في برامج تدريبية في إسرائيل قبل أن يعودوا ويطبقوا بعض أساليب الشرطة الإسرائيلية في مدنهم. وهذا ما يؤكده تقرير نشره موقع "كوميونتي ريسورس هب" في سبتمبر 2018 عن برامج تدريب مشتركة بين أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة وإسرائيل، لتبادل أساليب تعامل الشرطة مع الاحتجاجات.
أسهمت هذه التحولات مجتمعة في دفع مزيد من المسلمين في الولايات المتحدة إلى الانخراط في العمل السياسي في السنوات الأخيرة. إذ أدركت قطاعات كبيرة أن السياسة لم تعد ساحة يمكن تركها، لاسيما مع عودة دونالد ترامب رئيساً في دورة ثانية.
أعاد وصول ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية سنة 2025 إحياء كثير من المخاوف داخل الجاليات المسلمة والمهاجرة. وذلك مع عودة الخطاب السياسي الذي ربط بين الهجرة والأمن، والخطاب الذي وضع المسلمين ضمن إطار الشك والتهديد. هذا ما دفع الكثير إلى المشاركة السياسية بأشكال مختلفة بين الانخراط في الانتخابات والعمل السياسي أو العمل داخل الحملات الانتخابية نفسها ودعم مرشحين مسلمين أداةَ دفاع عن المجتمع في مواجهة سياسات وخطابات يرونها تستهدفهم مباشرةً. وهو ما تبلور في حملة عمدة نيويورك زهران ممداني، عاكسةً قدرة المرشحين المسلمين على بناء تحالفات واسعة تتجاوز حدود الجالية نفسها من نيوجيرسي إلى نيويورك.
التقت الفِراتْس أنيش بوبثي، مصمم الهوية البصرية لحملة ممداني، الذي أخبرنا أن الحملة حاولت منذ البداية إظهار طبيعة نيويورك نفسها والابتعاد عن الشكل التقليدي للحملات الانتخابية المحلية في المدينة. وأضاف أن الاعتماد على هوية بصرية مستوحاة من ثقافة الشارع في المدينة، من لافتات البقالات الصغيرة وسيارات الأجرة. وتابع أن هوية الحملة استلهمت خطوطها وأسلوبها البصري من مصادر متعددة "تمتد من الخطوط التعبيرية في مطاعم التاكو في مكسيكو سيتي إلى الكتابات المزخرفة على الشاحنات في الهند".
وأشار بوبثي إلى أن التصميم أعطى الحملة طابعاً مرحباً بالجميع يعكس شخصية ممداني ونهجه في تقديم نفسه لا مرشحاً للجالية المسلمة فقط، بل للمدينة بأكملها. وبأن ممداني كان يدرك منذ البداية أن الفوز في مدينة كبيرة ومتنوعة مثل نيويورك لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على الجالية المسلمة وحدها، بل من بناء قاعدة دعم أوسع تضم مجتمعات مختلفة داخل المدينة.
لم يرَ بوبثي في تقديم هوية المرشح في الحملة عنصراً يجب إبرازه في التصميم، في ظل مناخ سياسي يشهد تصاعداً لخطاب كراهية الإسلام. وبالتالي ففوز ممداني لا يمكن فهمه فقط قصةَ نجاح فردية، بل جزءاً من تحول أوسع في السياسة المحلية الأمريكية.
وبحسب مصمم حملة ممداني، فإن وضوح موقف ممداني الأخلاقي منذ بداية الحملة بشأن الحرب في غزة ووصفه حرب إسرائيل بالإبادة كان ينظر إليه في البداية عبئاً سياسياً. غير أنه ومع تقدم الحملة بدا واضحاً أن مواقف قطاعات من الرأي العام الأمريكي في القضية كانت تتغير.
يتفق صلاح الدين مقصود مع حديث بوبثي، مؤكداً أن خطاب أي مرشح سياسي يتشكل وفق الخطاب السائد في المجتمع أو وفق القضايا التي تشغل المواطنين في تلك المرحلة. تجلى ذلك في خطاب ممداني الذي ركز على دعم الأقليات والمهاجرين في وقت تصاعد فيه الخطاب المعادي إياهم من ترامب وإدارته. ويرى أن ترامب نفسه كان سبباً واضحاً في زيادة انخراط المسلمين في الخطاب السياسي، سواء من الترشح للمناصب العامة أو دعم حملات المرشحين.
كثيرون أدركوا أن ترامب لم يف بالوعود التي طرحها، وعلى رأسها نهاية الحروب وفقاً لشعار "أمريكا أولاً"، ودخل في حروب وصراعات خارجية في فنزويلا وإيران. يقول مقصود: "بعض المسلمين صوتوا له بالفعل في ولايته الثانية في بعض المناطق، لكنهم أدركوا لاحقاً أن سياساته كانت كارثية على المسلمين والمهاجرين وعلى الأقليات بشكل عام".
لهذا ما ألحقه ترامب من ضرر في سنة واحدة كان كافياً لدفع كثيرين إلى إدراك ضرورة المقاومة. وهو ما دفعهم لدعم منظمات مثل "كير"، بعدما رأوا أنها تعمل على تنظيم نفسها لمواجهة هذه التحديات. وأردف المتحدث إن الفترة الماضية شهدت عملاً مكثفاً على بناء تحالفات مع المجتمع اللاتيني والمجتمع الأسود، وحتى مع بعض الجماعات اليهودية والمسيحية المناهضة الصهيونيةَ، "فمن الضروري أن يعمل المسلمون داخل هذا الفضاء التنظيمي بالشراكة مع بقية الأقليات، لأنهم معاً يصبحون أقوى".
وفي ختام حديثه مع الفِراتْس، ذكر مقصود بأن خطاب كراهية الإسلام يبدأ من الأعلى، أي من السياسيين الذين يطلقون خطاباً عدائياً يتحول لاحقاً إلى سياسات وتشريعات ثم ينتقل تأثيرها إلى الجمهور. وضرب مثالاً على ذلك ما يسمى "تجمع مكافحة الشريعة" الذي أطلقه بعض أعضاء الكونغرس نهاية 2025 بزعم أن المسلمين يسعون لفرض الشريعة في الولايات المتحدة.
المجتمع الذي أمضى عقوداً بين العزوف والخوف من الظهور في المجال العام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة أكثر تنظيماً وثقة في قدرته على التأثير. وبين الضغوط الأمنية بعد الحادي عشر من سبتمبر، وتصاعد خطاب كراهية الإسلام ثم التحولات السياسية في الولايات المتحدة، تحولت المشاركة السياسية من خيار محدود إلى وسيلة لحماية الحقوق وبناء حضور داخل المؤسسات. وما يحدث اليوم من صعود المسلمين في المسار السياسي داخل الولايات المتحدة لا يقتصر على مرشح أو مدينة واحدة، بل يمثل مساراً تراكمياً بدأ ببناء المؤسسات مروراً بمرحلة الدفاع عن الوجود، ووصولاً إلى لحظة يحاول فيها المسلمون وحلفاؤهم تحويل التنظيم المجتمعي إلى قوة انتخابية. وبهذا تصبح قصص النجاح السياسية، مثل صعود زهران ممداني أهم لأنها تقدم مثالاً على إمكانية كسر الصور النمطية التي أحاطت بالمجتمع المسلم الأمريكي وبناء تحالفات سياسية أوسع.