لواء أحمد زغلول (مركز رع للدراسات الاستراتيجية)
لم يعد من المقبول تحليل ما يجري في الشرق الأوسط بلغة دبلوماسية مكررة أو توصيفات تقليدية لا تعكس الواقع، فالمنطقة اليوم تعيش صراعاً مركباً بين إيران وإسرائيل تُديره الولايات المتحدة بضوابط دقيقة، وتُراقبه قوى دولية بصمت محسوب. وقد شكّلت تداعيات الحرب في غزة 2023 نقطة تحول فارقة، حيث خرج الصراع من نطاقه المحلي إلى نطاق إقليمي مفتوح دون أن يتحول إلى حرب شاملة، وهو ما يعكس وجود إدارة واعية لمستوى التصعيد.
طبيعة الصراع.. إدارة التوازن لا حسم المواجهة:
الواقع الحالي لا يعكس حرباً تقليدية، بل نموذج الصراع المُدار، حيث يتم استخدام القوة دون الوصول للحسم، وتُفتح الجبهات دون توسيعها بالكامل، وتُرسل الرسائل دون كسر قواعد الاشتباك. والتقدير الاستراتيجي يؤكد أن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة مكلفة، والتراجع الكامل غير ممكن، ومن ثم يتم الإبقاء على الصراع في حالة اشتعال مُسيطر عليه.
تحليل صريح للأطراف المتصارعة:
(*) إيران مشروع نفوذ طويل النفس، تتحرك إيران وفق استراتيجية واضحة تتمثل في الآتي:
١. تثبيت النفوذ الإقليمي.
٢. إدارة الاشتباك عبر أطراف غير مباشرة.
٣. استنزاف الخصوم تدريجياً.
٤. إيران لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، لكنها تُعيد تشكيل المنطقة لصالحها على المدى الطويل.
(*) إسرائيل قوة ردع تواجه الاستمرار، تعتمد إسرائيل على الآتي:
١. التفوق العسكري.
٢. العمليات الاستباقية
٣. الضربات الدقيقة.
لكنها تواجه واقعاً معقداً، وهو عدم القدرة على إنهاء مصادر التهديد بشكل كامل، وعلى المستوى العسكري نجحت تكتيكياً، لكنها لم تحقق حسماً استراتيجياً حتى الآن.
(*) الولايات المتحدة وإدارة الصراع، الدور الأمريكي يتجاوز الدعم إلى إدارة التوازن بين الخصوم، وآليات التنفيذ تشمل الآتي:
١. انتشار عسكري محسوب.
٢. تدخل انتقائي محسوب.
٣. ضبط إيقاع التصعيد.
٤. تحقيق الهدف النهائي، وهو: منع انهيار إسرائيل، ومنع صعود إيراني مهيمن، إبقاء المنطقة في حالة توازن قلق.
مسارح الضغط الاستراتيجي:
١- غزة بؤرة الصراع المفتوح: غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة، ولكنها نقطة اختبار للردع وأداة ضغط إقليمي، والصراع في غزة يُدار ولا يُسمح بحسمه.
٢- البحر الأحمر معركة الممرات الحيوية: يمثل البحر الأحمر الآتي:
– شرياناً اقتصادياً عالمياً.
– نقطة ضغط استراتيجية.
واستمرار التهديد دون تعطيل كامل للملاحة يعكس توازناً دقيقاً بين الضغط والاحتواء.
٣- الفضاء السيبراني ساحة الصراع الخفي: تتزايد الهجمات الإلكترونية وعمليات التأثير المعلوماتي، والسيطرة على المعلومات أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي.
مصر •• مركز الثقل وضابط الإيقاع
تتحرك مصر وفق استراتيجية متوازنة تقوم على الآتي:
١- حماية الأمن القومي.
٢- تأمين قناة السويس.
٣- منع التصعيد الإقليمي.
٤. مصر تمثل عنصر التوازن الذي يمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة.
التقدير الشامل للموقف:
(-) المشهد الإقليمي يتسم بالآتي:
١- تصعيد محسوب.
٢- توازن ضعيف.
٣- غياب الحلول النهائية.
ولكن الأخطر استمرار اختبار الخطوط الحمراء دون ضمان عدم قطعها.
السيناريوهات المحتملة:
١- استمرار الصراع المُدار (الأرجح)، هو يعني بقاء التوتر تحت السيطرة، واستمرار الضغوط المتبادلة.
٢- تصعيد إقليمي محدود، وهو يعني توسع نطاق العمليات دون حرب شاملة.
٣- انفجار مفاجئ، نتيجة خطأ في التقدير أو تجاوز غير محسوب.
رسالة موجهة للرأي العام العربي:
دعونا نكون واضحين مع أنفسنا، ما يحدث في المنطقة ليس دفاعاً عن قضايا، بل صراع مصالح تُدار فيه الشعوب كأوراق ضغط. إيران تتحرك وفق مشروع نفوذ، وإسرائيل تتحرك وفق هاجس البقاء، والولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية، أما الشعوب العربية فهي من تدفع الثمن سياسياً واقتصادياً وأمنياً. والخطر الحقيقي ليس في قوة الأطراف، ولكن في الآتي:
١. غياب الوعي.
٢. التأثر بالروايات الإعلامية.
٣. تحويل الصراع إلى حالة عاطفية دون دراية بالموقف الاستراتيجي.
من لا يقرأ الواقع كما هو سيجد نفسه جزءاً من معادلة تُدار ضده
في النهاية، الشرق الأوسط اليوم ليس على حافة الانفجار، لكنه داخل معادلة صراع مفتوح يتم التحكم فيه مؤقتاً، لكن هذا التحكم ليس دائماً وليس مضموناً، ومع أي خطأ في الحسابات قد تتحول المنطقة من صراع مُدار إلى انفجار شامل.