د /رضا عادل فاضل (مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم)
ثمة ظاهرة تتشكّل في صمت خلف ضجيج الحرب وبيانات التعبئة؛ ظاهرة أخطر على المشروع الصهيوني من أي صاروخ أو حصار؛ لأنها تنبع من داخل الجسد الاجتماعي لا من خارجه، المؤسسات الإعلامية الرسمية تتعامل معها بخطاب تهوين مدروس، غير أن السوشيال ميديا تكشفها بلا رتوش: إسرائيل تعاني صدعاً مجتمعياً استراتيجياً متعدد المحاور، يتشابك فيه البُعد الديني والعسكري والاقتصادي والهوياتي في بنية أزمة مركّبة لم تشهدها الدولة منذ تأسيسها، هذه الورقة التحليلية لا تقرأ فقط ما يُنشر، بل تقرأ ما يعكسه النشر من حالة نفسية جماعية وتحولات استراتيجية عميقة.
1-الخندق الوجودي- “إسرائيل الرسمية” مقابل “إسرائيل الدينية”: تتعمق الهوّة بين ما تصفه الصحافة العبرية بـ”إسرائيل الرسمية” التي يلتزم أبناؤها بالخدمة العسكرية، و”إسرائيل الدينية” المتمثلة في التيار الحريدي المعفي من التجنيد، وهو انقسام بات وجودياً يهدد فكرة “الدولة الواحدة المشتركة”. وقد وصلت حدة الجدل في هذه القضية إلى الحد الذي ظهر فيه من يعتبرها “مسألة حياة أو موت”، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة من القتلى في صفوف جنود الاحتياط أثناء العدوان على غزة ولبنان، إذ طالبت أحزاب علمانية بفرض التجنيد على الحريديم بوصفه مسؤولية وطنية ومشاركة في تحمّل أعباء الحرب، ما يستوقف المراقب الاستراتيجي ليس الخلاف بحد ذاته، فهو قديم منذ عام 1948م، بل حجم تحوّله إلى حرب هوية رقمية شرسة: الوسوم (هاشتاج) العبرية على X وتيك توك تتحدث عن “انهيار العقد الاجتماعي”، ومقاطع الفيديو التي تصور مواجهات الحريديم مع الشرطة تتجاوز الملايين في ساعات، وقد وصل المشهد إلى حد وقوع مواجهات عنيفة بين شرطة الاحتلال ومستوطنين من الحريديم خلال مظاهرات في القدس ضد قانون التجنيد.
2-الانهيار المؤسسي: الثقة بين مكونات الدولة الانقسامات لا تقتصر على الشارع والتظاهرات المستمرة منذ أكثر من عامين، بل تمتد أيضاً إلى تصدعات بين المؤسسات نفسها، وتجلّت بوادر عدم الثقة في أزمة الحكومة مع رئيس جهاز الأمن العام “شاباك” السابق، والخلاف مع المستشارة القضائية للحكومة، فضلاً عن الخلافات بين وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش. هذا التصدّع المؤسسي خطير استراتيجياً لأنه يضرب الغرفة العصبية للدولة: حين يتعارض الجيش مع الحكومة، وتتصارع السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية، ويتشكك الأمن الداخلي في التوجهات السياسية، فإن قدرة الدولة على صنع القرار في الأزمات تتآكل، ومفهوم الردع يصبح أجوف.
3 الانفجار القضائي كمحرك للصدع: تتجاهل المقاربات الأمنية الرسمية أزمة الهوية والانقسام السياسي الداخلي الذي يقوّض ركائز الأمن القومي الإسرائيلي، إذ إن المجتمع الإسرائيلي ليس المجتمع المتجانس الذي تفترضه تلك المقاربات، وتبرز انقسامات حادة بين علمانيين وحريديم، وبين أشكنازيم ومزراحيم. التعيدلات القضائية لم تكن مجرد خلاف قانوني؛ كانت القشة التي كسرت ظهر الوحدة المصطنعة. ملايين الإسرائيليين الذين نزلوا إلى الشوارع بين 2023م و2025م كانوا يعلنون علناً، وعبر السوشيال ميديا بشكل خاص، أنهم لا يثقون بحكومتهم، ولا يعترفون بشرعية ائتلافها. هذا هو الأخطر والأقل تناولاً في الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي، لكن وسائل التواصل الاجتماعي تكشفه بشكل متصاعد من خلال شهادات مهاجرين وأرقام مسرّبة: غادر إسرائيل عام 2025م نحو 69,300 شخص بنية الإقامة طويلة الأمد، بينما عاد أو هاجر إليها نحو 19 ألف شخص فقط، ومنذ بداية 2023م وحتى نهاية 2025م غادر إسرائيل أكثر من 211 ألف شخص مقابل عودة أو هجرة جديدة بلغت 67 ألفاً فقط، وتكشف النماذج الإحصائية أن الهجرة السلبية ستستمر حتى يونيو 2026م على الأقل، بمعدل 3,800 شخص شهرياً.
الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة؛ ونوعية المهاجرين هي الصدمة الاستراتيجية الحقيقية، الهجرة العكسية تؤثر على قطاعين رئيسيين: نقص العمالة في القطاع الاقتصادي، والقطاع العسكري الذي يعاني من رفض الالتحاق بالجيش، والهجرة العكسية مرتبطة في جزء منها برفض التجنيد أو الفرار من الخدمة العسكرية. كشفت التقارير عن تغيّر لافت في أهداف الهجرة لدى الإسرائيليين؛ فبينما كانت الوجهات المفضلة في الماضي الولايات المتحدة وبريطانيا لأسباب اقتصادية، يبرز اليوم اتجاه ملحوظ نحو ألمانيا وقبرص ودول شرق آسيا، مما يشير إلى البحث عن تغيير في نمط الحياة لا مجرد تحسين اقتصادي. هذا التحوّل في وجهات الهجرة ذو دلالة بالغة: الهجرة نحو ألمانيا تحديداً، من قِبَل أحفاد ضحايا الهولوكوست، رسالة هوياتية أعمق بكثير من مجرد حسابات اقتصادية، وقد أثارت في السوشيال ميديا الإسرائيلية نقاشات وجودية حادة حول معنى “الدولة اليهودية” ومستقبلها.
تتصاعد الأزمة بين الحريديم وكيان الاحتلال إلى مستوى يتجاوز الاحتجاجات الدورية ضد التجنيد الإجباري، لتتحوّل إلى اختبار بنيوي يمس تعريف قدرة الدولة نفسها وحدود سلطتها. يُعدّ هذا الملف التحدي الأخطر لحكومة نتنياهو منذ اندلاع الحرب، وقد يؤدي انهيار التحالف إلى هزة سياسية ذات تداعيات كبيرة على مسار الحرب وأزمة الرهائن.
المعادلة السياسية وصلت إلى طريق مسدود مركّب: