مروة محمد كيلاني (مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم)
تُعد الساحة السياسية في إسرائيل من أكثر الساحات تعقيدًا واضطرابًا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل التحولات الأمنية، والسياسية التي شهدتها إسرائيل عقب أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب ممتدة وتداعيات داخلية وإقليمية واسعة. وقد أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القيادة السياسية الإسرائيلية، وعلى رأسها مستقبل رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو ” ، الذي يواجه واحدة من أكثر المراحل السياسية تعقيدًا منذ عودته إلى الحكم.
ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية إلى إدارة تداعيات الحرب والتحديات الأمنية المتصاعدة، تتزايد حدة الانقسام الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي، سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إدارة الحرب، وأداء المؤسسة الأمنية، وأزمة التجنيد، إضافة إلى استمرار قضايا الفساد المرتبطة بنتنياهو. كما تعكس استطلاعات الرأي الإسرائيلية حالة من التراجع النسبي في شعبية الائتلاف الحاكم، مقابل تصاعد الدعوات إلى إجراء انتخابات مبكرة وإعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، تبرز الانتخابات الإسرائيلية المقبلة باعتبارها محطة مفصلية قد تحدد مستقبل نتنياهو السياسي، ليس فقط من حيث استمراره في السلطة، وإنما أيضًا من حيث قدرته على الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم وإعادة ترميم الثقة الداخلية في ظل بيئة سياسية، وأمنية شديدة التعقيد. ومن ثم، يكتسب البحث في العلاقة بين الحرب، والأزمة السياسية الداخلية، ومستقبل ” نتنياهو” الانتخابي أهمية خاصة لفهم اتجاهات السياسة الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة.
وينطلق هذا المقال من محاولة تحليل إشكالية بقاء نتنياهو السياسي في ضوء تداعيات الحرب والانقسامات الداخلية، مع التركيز على طبيعة التفاعلات الحزبية، وتحولات الرأي العام الإسرائيلي، وتأثير التطورات الأمنية على فرصه في الانتخابات المقبلة، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي خلال الفترة القادمة.
أولًا: المشهد السياسي الإسرائيلي بعد حرب غزة
شكّلت الحرب التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر نقطة تحول جوهرية في المشهد السياسي داخل إسرائيل ، حيث أفرزت تداعيات سياسية وأمنية ومجتمعية غير مسبوقة، انعكست بصورة مباشرة على طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، ومستوى الثقة في الحكومة والمؤسسة الأمنية، فضلًا عن تعميق حالة الانقسام الداخلي بين مكونات المجتمع الإسرائيلي.
أ- تداعيات الحرب على الداخل الإسرائيلي:
أدت الحرب إلى تصاعد الضغوط الداخلية على الحكومة الإسرائيلية في ظل الخسائر البشرية والاقتصادية، واستمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة دون تحقيق حسم واضح. كما كشفت الحرب عن أزمات بنيوية داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بقدرة أجهزة الاستخبارات والجيش على التنبؤ بالهجوم واحتوائه في مراحله الأولى. وقد ساهم ذلك في تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة برئاسة نتنياهو، وتحميلها مسؤولية الإخفاق الأمني والسياسي الذي تعرضت له إسرائيل.
وفي السياق ذاته، شهد الداخل الإسرائيلي تراجعًا اقتصاديًا ملحوظًا نتيجة تكاليف الحرب، وتباطؤ الاستثمارات، وتراجع قطاعي السياحة والتكنولوجيا، إلى جانب اضطرابات سوق العمل بسبب استدعاء أعداد كبيرة من قوات الاحتياط. كما أدت الحرب إلى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية، خاصة في ظل تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة بشأن إدارة الحرب ومستقبلها.
ب- تراجع الثقة في الحكومة والمؤسسة الأمنية:
أظهرت استطلاعات الرأي داخل إسرائيل تراجعًا واضحًا في مستوى الثقة الشعبية بالحكومة وبالمؤسسة العسكرية والأمنية عقب الحرب. فقد اعتبر قطاع واسع من الإسرائيليين أن الحكومة فشلت في منع الهجوم أو التعامل معه بكفاءة، وهو ما انعكس في انخفاض شعبية الائتلاف الحاكم وتزايد المطالب بإجراء انتخابات مبكرة.
كما تعرضت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لانتقادات غير مسبوقة، خاصة جهاز الاستخبارات والجيش، بعد الكشف عن وجود إخفاقات تتعلق بالتقدير الاستخباراتي والاستعداد العسكري قبل الهجوم. وأشارت العديد من التقارير الإسرائيلية إلى وجود حالة من التوتر بين القيادات السياسية والعسكرية بشأن إدارة العمليات العسكرية وتحديد أهدافها، وهو ما زاد من حدة الجدل الداخلي حول مستقبل القيادة السياسية والعسكرية في البلاد.
ج- تصاعد حالة الاستقطاب والانقسام الداخلي:
ساهمت الحرب في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي داخل إسرائيل، حيث تصاعدت الخلافات بين الحكومة والمعارضة، وكذلك بين التيارات الدينية والعلمانية، خاصة فيما يتعلق بقضية تجنيد الحريديم، ومستقبل الإصلاحات القضائية، وطبيعة إدارة الحرب.
كما شهدت المدن الإسرائيلية موجات احتجاج متكررة تطالب بمحاسبة الحكومة وتحميلها مسؤولية الإخفاقات الأمنية، إضافة إلى المطالبة بإبرام صفقات لتبادل الأسرى وإنهاء الحرب. وفي المقابل، تمسكت القوى اليمينية المتشددة باستمرار العمليات العسكرية ورفض تقديم تنازلات سياسية، ما عمّق حالة الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحرب لم تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني فقط، بل امتدت لتؤثر بصورة مباشرة على بنية النظام السياسي الإسرائيلي، ومستقبل الائتلاف الحاكم، واتجاهات الرأي العام، وهو ما يجعل المشهد السياسي الإسرائيلي مرشحًا لمزيد من الاضطراب خلال المرحلة المقبلة.
ثانيًا: نتنياهو وأزمة البقاء السياسي:
يواجه ” نتنياهو ” واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيدًا منذ عودته إلى الحكم، في ظل تداخل الضغوط الأمنية الناتجة عن الحرب، مع الأزمات الداخلية، والانقسامات الحزبية، فضلًا عن استمرار محاكمات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات. وقد ساهمت هذه العوامل مجتمعة في جعل مستقبل بقائه السياسي محل جدل واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية.
أ-أزمات نتنياهو السياسية والقضائية:
تزايدت الضغوط السياسية على نتنياهو عقب الحرب، خاصة بعد تحميل قطاع واسع من الرأي العام الإسرائيلي حكومته مسؤولية الإخفاق الأمني المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر، كما واجه انتقادات حادة بسبب طريقة إدارة الحرب، واستمرار حالة الاستنزاف العسكري، والاقتصادي داخل إسرائيل. وتشير العديد من التحليلات إلى أن الحرب أضعفت صورة نتنياهو كـ”رجل الأمن القوي”، وهي الصورة التي اعتمد عليها سياسيًا لسنوات طويلة.
وفي الوقت ذاته، ما تزال قضايا الفساد تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجهه؛ حيث يخضع لمحاكمة بتهم تتعلق بالرشوة ، وخيانة الأمانة ، والاحتيال، الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب حول شخصيته داخل المجتمع الإسرائيلي. كما يرى معارضوه أن محاولاته السابقة لإجراء تعديلات على النظام القضائي كانت تهدف جزئيًا إلى تقليص الضغوط القانونية الواقعة عليه.
ب- محاولات الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم:
اعتمد نتنياهو خلال السنوات الأخيرة على تحالفات مع الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة للحفاظ على بقائه في السلطة، إلا أن هذه التحالفات تحولت مع الوقت إلى مصدر ضغط كبير عليه، خاصة في ظل تصاعد الخلافات المتعلقة بقانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
وقد شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية مؤخرًا تصاعدًا في التوتر بين نتنياهو وحلفائه من الأحزاب الدينية، بعد فشله في تمرير تشريعات تضمن استمرار الإعفاءات العسكرية لطلاب المدارس الدينية، ما دفع بعض الأحزاب الحليفة إلى التهديد بإسقاط الحكومة والدفع نحو انتخابات مبكرة.
كما أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة الائتلاف الحاكم، بعدما صوّت الكنيست مبدئيًا لصالح مشروع حل البرلمان، في خطوة تعكس حجم الأزمة التي تواجهها حكومة نتنياهو، وإمكانية توجه إسرائيل نحو انتخابات مبكرة خلال الفترة المقبلة.
ج-توظيف الحرب في تعزيز البقاء السياسي:
يرى عدد من المحللين أن استمرار الحرب ساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز فرص نتنياهو في البقاء السياسي، من خلال تأجيل الضغوط الداخلية المرتبطة بالمحاسبة السياسية أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة. كما حاول نتنياهو استثمار الخطاب الأمني، والتلويح بالتهديدات الإقليمية لتعزيز موقعه داخل اليمين الإسرائيلي وتقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على إدارة الملفات الأمنية المعقدة.
وفي المقابل، تتهمه المعارضة الإسرائيلية باستغلال الظروف الأمنية لإطالة عمر حكومته وتأجيل أي تحقيقات سياسية تتعلق بأداء الحكومة خلال الحرب. كما ترى بعض التحليلات أن استمرار التوترات الإقليمية يمنحه هامشًا أوسع لإعادة ترتيب تحالفاته السياسية ومحاولة استعادة جزء من شعبيته المتراجعة.
د- صعود المعارضة وتحديات الانتخابات المقبلة:
بالتوازي مع تراجع شعبية الائتلاف الحاكم، بدأت قوى المعارضة الإسرائيلية في إعادة ترتيب صفوفها استعدادًا للانتخابات المقبلة، حيث أعلن كل من “نفتالي بينيت” “נפתלי בנט” و”يائير لابيد” “יאיר לפיד” تحالفًا سياسيًا جديدًا يهدف إلى إسقاط حكومة “نتنياهو” وتوحيد معسكر المعارضة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا التحالف قد يمثل تحديًا حقيقيًا لهيمنة نتنياهو السياسية خلال الانتخابات المقبلة.
ورغم استمرار نتنياهو كأحد أكثر الشخصيات السياسية حضورًا وتأثيرًا داخل إسرائيل، فإن المشهد السياسي الحالي يشير إلى أن مستقبله السياسي أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى في ظل تزايد الأزمات الداخلية، وتراجع الثقة الشعبية، وتصاعد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
ثالثًا: الانقسام الداخلي وتأثيره على الانتخابات المقبلة:
أصبحت حالة الانقسام الداخلي داخل إسرائيل واحدة من أبرز السمات التي تميز المشهد السياسي الإسرائيلي عقب الحرب، حيث تصاعدت الخلافات بين مكونات الائتلاف الحاكم، وازدادت حدة الاستقطاب بين التيارات السياسية والدينية والعلمانية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستقبل الانتخابات المقبلة وإمكانية استمرار حكومة نتنياهو في السلطة.
أ-أزمة التجنيد والخلاف مع الأحزاب الدينية:
تُعد قضية تجنيد الحريديم من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إسرائيل خلال المرحلة الحالية، خاصة بعد تصاعد الضغوط الشعبية المطالبة بإنهاء الإعفاءات العسكرية الممنوحة لطلاب المدارس الدينية، في ظل استمرار الحرب، واعتماد الجيش الإسرائيلي بشكل متزايد على قوات الاحتياط. وقد تسبب فشل الحكومة في التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد في توتر العلاقة بين نتنياهو والأحزاب الدينية الحليفة له.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن الأحزاب الحريدية هددت بدعم حل الكنيست والدفع نحو انتخابات مبكرة بسبب تعثر تمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، وهو ما كشف حجم الأزمة داخل الائتلاف الحاكم، كما اعتبرت بعض التحليلات أن أزمة التجنيد تحولت من خلاف تشريعي إلى أزمة سياسية تهدد استقرار الحكومة نفسها، خاصة مع اعتماد نتنياهو بصورة أساسية على دعم الأحزاب الدينية للحفاظ على أغلبيته البرلمانية.
ب- احتجاجات المعارضة وتراجع الثقة بالحكومة:
شهدت المدن الإسرائيلية، وعلى رأسها تل أبيب والقدس، موجات احتجاج متكررة ضد حكومة نتنياهو، مطالبة بإجراء انتخابات مبكرة، ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات الأمنية المرتبطة بالحرب. كما تصاعدت احتجاجات عائلات الأسرى الإسرائيليين الذين اتهموا الحكومة بإطالة أمد الحرب على حساب التوصل إلى صفقات تبادل للأسرى.
وأشارت تقارير إعلامية إلى مشاركة آلاف الإسرائيليين في مظاهرات ضد ما وصفوه بـ”الحروب المفتوحة” وسياسات الحكومة الحالية، وسط اتهامات لنتنياهو بالسعي للحفاظ على بقائه السياسي عبر استمرار التصعيد العسكري. كما أكدت تقارير صحفية أن تصاعد الاحتجاجات الشعبية ساهم في زيادة الضغوط السياسية على الحكومة، خاصة مع تراجع الثقة الشعبية في قدرتها على إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية بكفاءة.
ج- تصاعد الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي:
أدت الحرب إلى تعميق الانقسام بين التيارات السياسية داخل إسرائيل، خاصة بين اليمين القومي والديني من جهة، والمعسكرات الوسطية والليبرالية من جهة أخرى. كما عادت الخلافات المتعلقة بالإصلاحات القضائية، وطبيعة النظام السياسي إلى الواجهة، بعد أن كانت قد أثارت احتجاجات واسعة قبل الحرب.
وتشير دراسات أكاديمية حديثة إلى أن حالة الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل أصبحت أكثر رسوخًا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس انقسامات اجتماعية وأيديولوجية عميقة بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، كما ساهمت الحرب في زيادة الجدل حول مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، في ظل اتهامات متبادلة بين الحكومة والمعارضة بشأن استغلال الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
د-صعود المعارضة واستعدادات الانتخابات المقبلة:
بالتوازي مع تراجع شعبية حكومة نتنياهو، بدأت قوى المعارضة الإسرائيلية في إعادة تنظيم صفوفها استعدادًا للانتخابات المقبلة. وفي هذا السياق، أعلن كل من “نفتالي بينيت” و”يائير لابيد” تشكيل تحالف سياسي جديد تحت اسم “معًا” “ביחד”، بهدف توحيد قوى المعارضة وإسقاط حكومة نتنياهو.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن التحالف الجديد قد يشكل تهديدًا حقيقيًا لمعسكر اليمين الحاكم، خاصة في ظل تراجع شعبية الائتلاف الحالي وعدم قدرته على الحفاظ على أغلبية مستقرة داخل الكنيست.
كما تشير التحليلات السياسية إلى أن الانتخابات المقبلة قد تتحول إلى استفتاء شعبي على أداء نتنياهو بعد الحرب، وعلى قدرة اليمين الإسرائيلي على الاستمرار في قيادة الدولة خلال المرحلة القادمة.
رابعًا: مستقبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة:
يشهد المشهد السياسي في إسرائيل حالة من عدم الاستقرار الحاد مع اقتراب الانتخابات المقبلة، والتي يُتوقع أن تُجرى بين سبتمبر وأكتوبر 2026 بعد حلّ الكنيست، وتفكك الائتلاف الحكومي الحالي. هذا التطور يفتح الباب أمام انتخابات وُصفت بأنها من الأكثر حساسية في تاريخ إسرائيل الحديث.
أ. انتخابات مبكرة في ظل أزمة سياسية داخلية: تم حلّ الكنيست رسميًا أو دفعه نحو الحل نتيجة خلافات داخل الائتلاف الحاكم، خاصة حول قانون التجنيد الإلزامي للمتدينين (الحريديم)، وهو ما أدى إلى انهيار التحالف الحكومي وفتح الطريق لانتخابات مبكرة. وتشير التقارير إلى أن هذه الأزمة ليست مجرد خلاف تشريعي، بل تعكس توترًا أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي حول “العقد الاجتماعي” ومسألة تقاسم العبء العسكري.
ب. تراجع فرص نتنياهو رغم بقائه لاعبًا رئيسيًا: رغم أن حزب الليكود بقيادة ” بنيامين نتنياهو” لا يزال من أقوى الأحزاب، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن معسكره اليميني قد لا يحقق الأغلبية المطلوبة (61 مقعدًا في الكنيست)؛ما يضعف فرصه في تشكيل حكومة مستقرة. كما أن بقاء نتنياهو في المشهد السياسي مرتبط بقدرة معسكره على الحفاظ على تحالفه مع الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة، وهو تحالف يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
ج. صعود المعارضة ومحاولات توحيد الصفوف: تشير التطورات الأخيرة إلى أن المعارضة الإسرائيلية تحاول إعادة تشكيل نفسها عبر تحالفات جديدة، أبرزها التعاون بين شخصيات مثل: “نفتالي بينيت”، و” يائير لابيد” و”جادي آيزنكوت” ويسعى هذا التحالف إلى تقديم بديل “وسطي-يميني” قادر على منافسة نتنياهو عبر خطاب يركز على “إعادة بناء الدولة” بعد سنوات من الانقسامات. كما تؤكد التحليلات أن نجاح المعارضة يعتمد بشكل كبير على قدرتها على توحيد القوى المتعددة التي تتراوح بين اليمين الوسطي واليسار والوسط السياسي.
د. الانقسام المجتمعي كعامل حاسم: تُظهر الدراسات السياسية أن إسرائيل تعيش حالة استقطاب داخلي حاد بين: التيار الديني واليميني، و التيار العلماني والوسطي، والأحزاب العربية، وهذا الانقسام يجعل تشكيل حكومة مستقرة بعد الانتخابات أمرًا معقدًا حتى لو تغيرت القيادة.
وبالتالي يمكن تلخيص أبرز السيناريوهات السياسية المحتملة في ثلاث نقاط:
1. استمرار نتنياهو أو معسكر اليمين: إذا نجح في الحفاظ على تحالفاته، لكنه قد يقود حكومة أضعف وأكثر اضطرابًا.
2. حكومة معارضة واسعة: تحالف بين الوسط واليمين المعتدل واليسار، لكنه يواجه تحدي التنوع الأيديولوجي.
3. جمود سياسي جديد:احتمال تكرار أزمات تشكيل الحكومة، كما حدث في دورات انتخابية سابقة.
خامسًا: انعكاسات مستقبل نتنياهو على السياسة الإسرائيلية والإقليمية:
يُعد مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي عاملًا حاسمًا في تشكيل اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية لإسرائيل، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة داخل النظام السياسي الإسرائيلي قبيل انتخابات 2026، وما بعدها.
أ. استمرار نتنياهو أو تراجعه: تأثير مباشر على استقرار النظام السياسي
تشير التحليلات إلى أن نتنياهو، رغم الأزمات السياسية والقانونية، لا يزال شخصية مركزية قادرة على التأثير في نتائج الانتخابات المقبلة، حتى في ظل تراجع احتمالات حصول معسكره على أغلبية مستقرة.
لكن في المقابل، أي تراجع في موقعه سيؤدي إلى: إعادة تشكيل التحالفات الحزبية داخل اليمين الإسرائيلي، و ضعف “القيادة المركزية” التي اعتمد عليها النظام السياسي خلال العقد الأخير، بالإضافة إلى زيادة احتمالات الحكومات الائتلافية الهشة أو المتغيرة. ويؤكد هذا أن مستقبل نتنياهو لا يتعلق بشخصه فقط، بل ببنية النظام السياسي الإسرائيلي نفسه القائم على الائتلافات المتعددة.
ب. تعميق الانقسام الداخلي في إسرائيل: استمرار نتنياهو في المشهد السياسي أو حتى احتمال عودته للحكم يساهم في تعميق الانقسام بين: اليمين القومي والديني المؤيد له ، والوسط واليسار المعارضين له ، والتيارات التي ترى أن الأزمة الحالية “أزمة قيادة” أكثر من كونها أزمة سياسات
هذا الانقسام أصبح أحد أبرز التحديات البنيوية في إسرائيل، ويؤثر مباشرة على الاستقرار الحكومي وقدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى.
ج. تأثيرات إقليمية: من الصراع إلى إعادة تشكيل قواعد الردع
على المستوى الإقليمي، يرتبط مستقبل نتنياهو بشكل وثيق بطبيعة السياسة الإسرائيلية تجاه:
1) الملف الفلسطيني: تشير تقارير بحثية إلى أن استمرار النهج السياسي الحالي، الذي ارتبط بفترة نتنياهو، يعزز اتجاهات مثل: توسع الاستيطان، وتراجع فرص حل الدولتين، أضف إلى ذلك تصاعد التوتر في الضفة الغربية وهو ما يزيد من احتمالات عدم الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
2) إيران ومحور الصراع الإقليمي: يرى عدد من التحليلات أن نتنياهو دفع نحو سياسة أكثر “تصادمية” مع إيران، تقوم على: تعزيز الردع العسكري، و بناء تحالفات إقليمية مضادة، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل عمليات خارج الحدود. وبالتالي فإن استمراره أو عودته للحكم يعني استمرار هذا النهج الأمني المتشدد، بينما غيابه قد يفتح المجال لإعادة تقييم هذه الاستراتيجية.
3) العلاقات الإقليمية والتطبيع: سيؤثر مستقبل نتنياهوعلى مسار العلاقات مع الدول العربية، حيث قد يدفع نحو “تطبيع أمني” أعمق قائم على مواجهة إيران، أو يؤدي تغييره إلى إعادة ترتيب الأولويات نحو تهدئة الصراعات الإقليمية. لكن معظم التحليلات تشير إلى أن التغير في القيادة لن يؤدي إلى تحول جذري سريع في السياسة الخارجية الإسرائيلية.
د. إعادة تشكيل صورة إسرائيل دوليًا :من أبرز الانعكاسات أيضًا أن بقاء نتنياهو أو رحيله سيؤثر على: صورة إسرائيل في الغرب، والعلاقات مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى مستوى الضغط الدولي بشأن الاستيطان وحقوق الفلسطينيين. وقد أظهرت التطورات الأخيرة زيادة الانتقادات الدولية للسياسات المرتبطة بالحكومة الحالية، خصوصًا في ملف الضفة الغربية.
خاتمة:
يتضح من خلال تحليل المشهد السياسي الإسرائيلي أن المرحلة المقبلة تمثل نقطة تحول حساسة في تاريخ إسرائيل السياسي، خاصة في ظل اقتراب انتخابات 2026 وما تحمله من احتمالات إعادة تشكيل بنية الحكم والتحالفات الحزبية. فقد أظهرت التطورات الداخلية حجم التصدعات العميقة في النظام السياسي الإسرائيلي، سواء على مستوى الائتلافات الحاكمة أو على مستوى الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما أن مستقبل بنيامين نتنياهو لا يمكن فصله عن هذه التحولات، إذ يمثل بقاءه أو تراجعه عاملًا مؤثرًا في تحديد شكل القيادة السياسية المقبلة، وفي إعادة رسم التوازنات داخل اليمين الإسرائيلي من جهة، وبين معسكري المعارضة والسلطة من جهة أخرى.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية سينعكس بشكل مباشر على ملفات حساسة مثل:القضية الفلسطينية، والعلاقات مع الدول العربية، والملف الإيراني، إضافة إلى صورة إسرائيل في النظام الدولي. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن التحولات المحتملة، رغم أهميتها، قد لا تؤدي إلى تغييرات جذرية وسريعة في السياسات العامة بقدر ما ستعيد ضبط أولوياتها وأدواتها.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مستقبل إسرائيل السياسي والإقليمي في المرحلة المقبلة سيتحدد من خلال تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: توازنات الداخل الحزبي، واستمرارية أو تراجع نتنياهو، وقدرة النظام السياسي على تجاوز حالة الاستقطاب المتصاعد.
المصادر:
– Lubell,Maayan, Netanyahu’s biggest rivals join forces for Israel’s next election, Rutters, Updated April 27, 2026.
– Lubell, Maayan, Israel’s parliament has voted to dissolve itself. What’s next? Rutters, May 21,2026.
– Svetlova, Ksenia, Israel in 2026: Elections will be a referendum on the legacy of 7 October – and the future of the social contract, Chatham house, 21 January 2026
– The Battle for the Future of Israeli Democracy, Reddit,2026.
– Lidman, Melani, Netanyahu’s coalition alliances with religious parties put his reelection at risk, AP news, May 21, 2026.
– Israel’s Coalition Collapses: Can Netanyahu Survive Political Crisis?, Brit brief, May 22,2026.
– BARSKY, Anna ,Haredi parties may push elections as Netanyahu loses leverage – analysis, The Jerusalem post, May 13,2026.
– Neev, Keshet, Netanyahu’s coalition moves to fast-track controversial laws ahead of upcoming Knesset dissolution, The Jerusalem post, May 14,2026.
– In Israel, ex-premier Naftali Bennett launches campaign to oust Netanyahu, The Washington Post, May 13,2026
-Reuters – Israel Politics Coverage
www.reuters.com
BBC News – Israel and Gaza War
www.bbc.com
www.timesofisrael.com
www.haaretz.com
www.inss.org.il
carnegieendowment.org
www.washingtonpost.com