آية أمان (مصر 360)
كشفت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران نهاية فبراير الماضي وما تمخض عنها من اختبار جديد لمستقبل الملاحة العالمية، وهو الاختبار الذي يضع القانون الدولي في مواجهة مع سياسة الأمر الواقع التي تفرضها القوى الإقليمية المطلة على المضائق البحرية الطبيعية، الآن تتخطى الحالة التي فرضها مضيق هرمز مجرد النزاع الحدودي أو فرض قوة الردع من قبل إيران في مواجهة أمريكا واسرائيل، بل صياغة جديدة لمستقبل الملاحة في المضائق البحرية، إذا ما نجحت إيران في الإبقاء على فرض سيطرتها في سابقة قانونية عرفية، قد تمتد لتشمل مضائق أخرى كمضيق جبل طارق وباب المندب.
في 1982 بعد مفاوضات استمرت تسع سنوات، تم الاتفاق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS III المعروفة إعلاميا باتفاقية جامايكا، والتي كانت بمثابة مقايضة تاريخية بين القوى الكبرى والدول الساحلية، مثل إيران وعُمان واليمن وإسبانيا، إذ تم التوافق على مد السيادة الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا، بدلاً من 3 أميال، في مقابل الموافقة على شرط نظام المرور العابر في المضايق الدولية، وذلك لضمان عدم تعطل أساطيل التجارة البحرية.
وفق اتفاقية الأمم المتحدة، هناك نظامان للمرور في المضايق البحرية، وهما نظام المرور العابر، وهو ما وضعته أمريكا وروسيا كشرط لقبول مد السيادة الإقليمية للدول المتشاطئة إلى 12 ميلا بحريا، بدلا ًمن 3 أميال بحرية، حيث تضع الاتفاقية شروط وقيود على الدول المتشاطئة مثل إيران وعمان في مضيق هرمز، بعدم جواز تعليق أو منع مرور السفن في حالة أي توتر سياسي، ما دامت تعبر السفن بشكل سريع دون توقف، ويسمى النظام الآخر بنظام المرور البريء، وهو النظام التقليدي الذي ينطبق على المياه الإقليمية العادية وليس المضايق الدولية، حيث يعطي هذا النظام الدول الحق في تعليق المرور مؤقتاً في مناطق محددة في البحر الإقليمي، إذا كان ضروريا لحماية أمنها وسلامة حدودها الإقليمية.
هل تخلق إيران سابقة قانونية جديدة تنال من حرية الملاحة البحرية؟
رغم أن ايران كانت جزءا من مفاوضات اتفاقية الأمم المتحدة للملاحة البحرية، وقامت بالفعل بالتوقيع على الاتفاقية، إلا أنها لم تُصدق على الاتفاقية؛ بسبب رفض فكرة المرور العابر واعتبار اتفاقية جنيف 1958 التي تتبنى مفهوم المرور البريء، هي البديل الآمن لحماية السيادة الوطنية، فيما اعتبرت نفسها غير ملزمة بتطبيق المرور العابر المفروض قسراً، وفق اتفاقية الأمم المتحدة، وهو ما يعطيها القدرة على فرض إجراءات، تتمثل في تفتيش السفن المارة أو تعطيل ورفض مرور سفن بحجة حماية الأمن القومي.
في خضم الحرب الأمريكية– الإسرائيلية الحالية على إيران، انتقلت طهران من الرفض الدبلوماسي لاتفاقية جامايكا، وفكرة المرور العابر إلى تقنين سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، عبر التلويح بفرض رسوم أو اشتراط عدم العداء، حيث أعلنت إيران في مارس الماضي عقب أسابيع من الضربات الأمريكية والاسرائيلية، أن مضيق هرمز لن يكون مفتوحاً لمن أطلقت عليهم “الأعداء”، وأرسلت مذكرة لمجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية (IMO)، تذكر فيها أنها ستسمح فقط بمرور السفن “غير المعادية”، وهو ما يتنافى مع مبدأ المرور العابر الذي يضمن العبور للجميع دون تمييز، وفق اتفاقية 1958.
في 11 إبريل الجاري، نقلت وسائل إعلام إيرانية تصريحات عن لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني بدراسة مشروع قانون بشأن المرور من مضيق هرمز، ينص على دفع رسوم العبور على السفن المارة بالمضيق، وهو تطور قانوني يتنافى مع الاتفاقيات الدولية التي تمنع فرض رسوم على حق العبور، إلا مقابل خدمات محددة كالإرشاد البحري، وهو ما يهدد بتحويل المضيق الدولي إلى قناة خاصة، تخضع لسيادة الدولة.
في 5 إبريل الجاري أيضاَ، قالت وكالة الأنباء الإيرانية إرنا، إن هناك تحركات لصياغة بروتوكول مع سلطنة عُمان لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز ومناقشة الخيارات الممكنة للسماح للسفن بالمرور، وهو ما تم تفسيره، بأنه محاولة لإيجاد إطار إقليمي بديل لاتفاقية الأمم المتحدة، يستهدف منح الدول المشاطئة سلطة أكبر في الرقابة على هوية السفن وحمولاتها.
ورغم المحاولات الإيرانية التي تبدو وكأنها فرصة لفرض الأمر الواقع وممارسة السيادة الوطنية المطلقة على مضيق هرمز، إلا أن القوى الإقليمية تقاوم وترفض بشدة أي إجراء أحادي من قبل إيران بفرض سيطرتها أو مجرد التلويح بعد الالتزام بنصوص اتفاق الأمم المتحدة الذي يفرض حق الدول في المرور العابر دون التقيُد بأي إجراءات تفرضها الدول المتشاطئة على المضيق، حيث أعلنت دول الخليج العربية رفضها المطلق لأي محاولات إيرانية من شأنها السيطرة على المضيق، حيث قالت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان صحفي: “لا يمكن أن يكون الممر المائي رهينة لأي دولة.. حرية الملاحة يجب أن تكون جزءًا من أي تسوية للحرب”.
وفق العديد من التحليلات لمراكز الأبحاث المعنية بحرية الملاحة الدولية، فإن ما تحاول إيران تمريره الآن من فرض سيطرتها على مضيق هرمز، لن يكون إلا محاولات عابرة للضغط على الدول الإقليمية وتهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة من أجل انهاء الحرب والتهديد بها أو الخروج منتصرة.
على أرض الواقع، قد تكون إيران قد نجحت بالفعل في تعطيل الملاحة في المضيق عبر التهديد العسكري المباشر وتحذير السفن من المرور، والتلويح بوضع ألغام بحرية، مما عطل بالفعل حركة السفن ودفع مئات السفن للانتظار خارج المضيق، إلا أن هذا الوضع يفتقر لغطاء قانوني، يمكن لإيران الاستناد عليه والاستمرار في هذه الممارسات وإجراء تغيير شامل في نظم الملاحة البحرية العالمية.
هل يمكن تكرار سيناريو مضيق هرمز في مناطق أخرى؟
لا توجد مضائق بحرية أخرى، تتشابه كثيراُ مع حالة مضيق هرمز سواء من الناحية الجغرافية الضيقة أو الموقع الهام أو زيادة حجم المخاطر الأمنية، إلا في حالة باب المندب، رغم أن اليمن وهي أحد الدول المتشاطئة كانت من الدول الموقعة والمصدقة على اتفاقية 1982، إلا أن وجود فاعلين غير نظاميين في النظام السياسي مثل جماعة الحوثي التي تفرض سيطرتها على مناطق واسعة في اليمن، كان أحد المهددات لشرط المرور العابر، حيث تم استهداف السفن المارة في المضيق، بناء على هويتها ووجهتها، حيث تم استهداف أكثر من 182 سفينة منذ نوفمبر 2023، تحت أهداف سياسية تتعلق بنصرة القضية الفلسطينية، ورداً على الاعتداءات الإسرائيلية على غزة.
إلى جانب اتفاقية الأمم المتحدة التي تقر مبدأ المرور العابر، تنظم مجموعة من الاتفاقيات الإقليمية حركة المرور في مضائق بحرية أخرى عبر العالم، مثل مضيق ملقا، والذي يدار عبر اتفاق تعاون دولي بين إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، ورغم استقرار الوضع الأمن حول المضيق، إلا أن بعض التقارير حذرت مؤخراً من محاولة هذه الدول فرض رسوم على حركة العبور من المضيق في حالة نجاح ممارسات السيادة التي تحاول إيران تنفيذها في مضيق هرمز، وهو ما قد ينطبق أيضاً على مضيق جبل طارق الذي يمر عبره 15% من التجارة العالمية.
ويحذر المراقبون من أن انهيار الأعراف الدولية المتعلقة بحرية الملاحة العالمية، وفق ما تم التفاوض حوله وإقراره في مبدأ المرور العابر، قد يفتح الباب للدول المتشاطئة على الممرات الدولية في ممارسة نوع من الضغوط من أجل فرض رسوم عبور أو تحقيق مكاسب سياسية.
هل تتأثر قناة السويس بالجدل القانوني حول المضائق؟
تختلف قناة السويس بشكل كلي عن مضيق هرمز، إذ تعتبر ممرا صناعيا، وليس ممرا طبيعيا كالمضائق البحرية، حيث تتشابه مع قناة بنما في كونها ممر صناعي، تقع بالكامل داخل سيادة الدولة التي أنشأتها وتديرها، ولها الحق القانوني في فرض رسوم عبور وتنظيم الملاحة وفق اتفاقيات خاصة، حيث تنظم اتفاقية القسطنطينية الملاحة في قناة السويس، والتي ألزمت قناة السويس تاريخياً بمبدأ “الحياد الملاحي” بمعنى مرور جميع السفن حتى في وقت الحرب.
قد لا يكون هناك تأثير قانوني مباشر على الموقف المستقبلي لقناة السويس، إذا ما نجحت إيران في فرض واقع قانوني جديد، يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن التوتر الحالي في مضيق هرمز قد يعزز الانعكاسات السلبية على الوضع الاقتصادي في قناة السويس، خاصة وأن قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز يشكلون سلسلة ملاحية واحدة، وإذا نجحت إيران في فرض رسوم على عبور السفن من مضيق هرمز، فإن تكلفة الشحن الإجمالية سترتفع، ما قد يدفع شركات الملاحة؛ للبحث عن طرق بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على إيرادات قناة السويس.
هل يتحقق الأمن الملاحي في عالم متعدد الأقطاب؟
تتبع الأحداث في مضيق هرمز، يكشف عن أن القانون الدولي لن يكون المتحكم الأساسي في ضمان حرية الملاحة في المضائق البحرية، خاصة وأن الدول تجد من الثغرات القانونية التي تعفيها من الالتزام بأي نص قانوني دولي يجبرها على احترام قواعد المرور العابر دون المساس بحركة السفن.
نجاح إيران في خلق واقع سياسي جديد في مضيق هرمز عبر الإدارة المشتركة إقليميا ًبالتعاون مع سلطة عمان، أو عبر سياق آخر قد يطرح في المفاوضات الجارية الآن مع أمريكا، سيؤكد أن القوة العسكرية والتحالفات الإقليمية هي المتحكم في مستقبل الملاحة، وليس النصوص الدولية التقليدية وأطر ومبادئ الأمم المتحدة.
تظل فكرة نجاح التحالفات الإقليمية خطراً على حركة الملاحة الدولية، رغم إمكانية تطبيق هذا السياق في إطار خصخصة مفهوم الأمن الملاحي، ونشأة تحالفات صغيرة تحمي سفنها فقط، حيث تفرض أمريكا الحماية على مساراتها البحرية، وكذلك تضمن الصين الحماية عبر التحالفات الإقليمية لسفنها المارة في مضيقي ملقا وهرمز، بذلك تكون السفينة التي لا تنتمي لأي تحالف أو تحظى بحماية قوى إقليمية، ستكون الضحية أمام الرسوم وتعطيل حركتها؛ نتيجة عمليات التفتيش، وهو ما يضع التجارة العالمية تحت خطر انتقائية الأمن الملاحي.
عسكرة الممرات
وتظهر التهديدات الأمريكية المستمرة التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتوعد بالسيطرة على مضيق هرمز سيناريو آخر، قد يكون الأخطر حيث عسكرة الممرات، وهو ما يفتح الباب أمام القوى العالمية مثل روسيا، الصين وأوروبا للسعي لامتلاك قواعد عسكرية أو تواجد بحري دائم عند نقاط الاختناق لحماية مصالحهم ومنع أي طرف من الانفراد بالسيطرة.
ويبقى مستقبل الملاحة البحرية دون الاستناد على قانون دولي موحد، يضمن حرية الحركة وسلاسة المرور العابر، محل خطر وهشاشة، خاصة إذا ما تمكنت إيران في خلق حالة جديدة، تفتح الباب أمام المقايضة وبناء التحالفات الإقليمية أو تعزيز فكرة فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية.