أشرف أبو شرخ (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
لم تعد صورة الركام في قطاع غزة مشهداً عابراً بعد الحرب، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من الحياة اليومية في شوارع مدينة غزة، فتتراكم الخرسانة المحطمة وحديد التسليح الملتوي في مساحات كانت حتى وقت قريب مكتظة بالمنازل والمحال التجارية.
ويقف أحد السكان أمام كومة ضخمة من الأنقاض، يتأمل المكان بصمت، ثم يقول: "هنا كان البيت." لا يحتاج إلى شرح طويل، فالمشهد نفسه يختصر القصة.
ويستند هذا المقال إلى بيانات أممية حديثة، إلى جانب قراءة تحليلية للمشهد الميداني في قطاع غزة، بهدف فهم أبعاد أزمة الركام وتأثيرها في الحاضر والمستقبل. وتشير تقديرات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره بشأن إدارة الركام في غزة (2025) إلى أن الحرب خلّفت نحو 57.5 مليون طن من الأنقاض.[1] كما أظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية التي أجراها مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) أن حجم الركام قد يتجاوز 61 مليون طن.[2]
عند التجول في غزة اليوم، يبدو الركام وكأنه طبقة جديدة أضيفت إلى المدينة، فالمكان الذي كان يوماً حياً سكنياً أو شارعاً تجارياً أصبح مساحة يصعب تمييز ملامحها الأصلية، فهذه الكميات الضخمة من الأنقاض لا تعكس فقط حجم الدمار، بل أيضاً تشير إلى تحديات هائلة تنتظر القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
الركام كتحول في الجغرافيا الحضرية
في مناطق واسعة من جباليا وبيت لاهيا وخان يونس، اختفت معالم كثيرة من المشهد العمراني، وتحولت شوارع إلى ممرات ضيقة بين الأكوام الخرسانية، بينما أصبحت بعض المناطق غير قابلة للوصول.
وقد أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية تَضَرُّرَ عشرات الآلاف من المباني بدرجات متفاوتة خلال الحرب الأخيرة،[3] وهو ما أدى إلى تغير واسع في النسيج الحضري.
لم يعد الركام مجرد بقايا حرب، بل أيضاً أصبح عنصراً مادياً يعيد رسم خريطة المدينة؛ فالسكان الذين يعودون إلى أحيائهم يواجهون واقعاً مختلفاً كلياً، إذ تغيرت الحدود بين الشارع والبيت، وبين العام والخاص.
التأثير في الحياة اليومية
لقد أثر وجود هذه الكميات الضخمة من الأنقاض مباشرةً في حركة السكان والخدمات، فأصبحت هناك طرق كثيرة مغلقة أو ضيقة بسبب الركام، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنقل.
كما تواجه سيارات الإسعاف وخدمات الطوارئ صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق، وخصوصاً في الأحياء التي تعرضت لدمار واسع، ويضطر السكان في بعض الأحيان إلى السير لمسافات أطول للوصول إلى الأسواق أو المرافق الصحية.
ولا يظهر تأثير الركام فقط في المشهد البصري للمدينة، بل أيضاً في حركة الحياة نفسها، فكل كومة من الأنقاض قد تعني طريقاً أطول للوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى، وهكذا يتحول الركام إلى عامل إضافي يزيد من صعوبة الحياة اليومية في قطاع يعاني أصلاً جرّاء أزمات اقتصادية وإنسانية.
الأثر البيئي والصحي
يحذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن مخلفات الحروب قد تحتوي على مواد خطِرة كالأسبستوس والمعادن الثقيلة، بالإضافة إلى احتمال وجود بقايا ذخائر غير منفجرة.[4] كما أن الغبار الناتج من تحطم الخرسانة قد يسبب مشكلات تنفسية، وخصوصاً للأطفال وكبار السن.
وفي ظل هذه الأوضاع، قد تتحول أزمة الركام في غزة إلى أزمة بيئية وصحية طويلة الأمد، فالتعرض المستمر للغبار والمواد الملوثة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على نظام صحي يعاني أصلاً جرّاء نقص الموارد.
العيش بين الأنقاض
في ظل بطء عمليات الإزالة، تكيف السكان مع الواقع الجديد؛ فبعض العائلات أقاموا مساكن موقتة قرب منازلهم المدمرة، بينما استخدم آخرون أجزاء من الأنقاض لفتح ممرات داخل الأحياء.
وفي أحد أحياء مدينة غزة، تقيم عائلة الحاج أحمد بالقرب من منزلها المدمر، بعد أن نصبت خيمة موقتة في جوار الركام. ويقول الحاج أحمد: "نحن لا نريد مغادرة المكان، لكن العيش أمام الأنقاض يومياً يجعل الشعور بالأمان صعباً. ننتظر بدء إزالة الركام كي نتمكن من التفكير في إعادة البناء."[*]
وتتوافق هذه الحالة مع ما تشير إليه الدراسات الدولية بشأن إدارة مخلفات الهدم في مناطق النزاع، والتي توضح أن بطء إزالة الركام يفرض على السكان التكيف الموقت مع بيئات غير مستقرة.[5] وهذا التكيف يعكس قدرة المجتمع على الصمود، لكنه أيضاً يكشف حجم الفجوة بين الحاجة الملحة إلى إزالة الركام والإمكانات المتاحة حالياً.
الركام كذاكرة مكان
الأنقاض تمثل بقايا منازل ومدارس ومؤسسات كانت جزءاً من الحياة الاجتماعية قبل الحرب. وتشير تقارير إنسانية إلى أن بعض المواقع قد تحتاج إلى إجراءات خاصة قبل إزالة الركام، نظراً إلى احتمال وجود رفات أو مواد خطِرة.[6]
لهذا السبب، فإن الركام في غزة ليس مجرد مسألة هندسية تتعلق بإزالة الأنقاض، بل هو أيضاً مسألة إنسانية تتعلق بذاكرة المكان وسكانه، فكل كومة من الأنقاض قد تمثل منزلاً أو متجراً أو مدرسة كانت جزءاً من حياة الناس قبل الحرب.
اقتصاد الركام وإعادة التدوير
في بعض المناطق، بدأ السكان بجمع الحديد وبيعه، في محاولة للاستفادة من أي مورد متاح. كما تشير دراسات دولية إلى أن هناك نسبة من مخلفات الهدم يمكن إعادة تدويرها واستخدامها في مشاريع إعادة الإعمار، كالطرق أو مواد البناء البديلة.[7]
وإذا أُدير الركام ضمن خطة منظمة، فإنه يمكن أن يتحول جزئياً من عبء إلى مورد، لكن ذلك يتطلب إدارة مؤسسية واضحة ودعماً تقنياً طويل الأمد.
الركام وإعادة الإعمار
إن إزالة عشرات الملايين من الأطنان من الأنقاض تحتاج إلى أعوام من العمل، وتمويل كبير، ومعدات ثقيلة. كما أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ فعلياً قبل تنظيف الأرض من الركام.
وتؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن إدارة مخلفات الدمار تمثل أولوية أساسية في أي مسار للتعافي.[8] ويمثل الركام في غزة المرحلة الأولى من معركة إعادة الإعمار؛ فقبل بناء المنازل الجديدة أو إصلاح البنية التحتية، يجب أولاً إزالة آثار الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. ولذلك، فإن إدارة الركام ستكون أحد أهم التحديات التي ستواجه القطاع في الأعوام القادمة.
خاتمة
جبال الركام في قطاع غزة ليست نتيجة الحرب فقط، بل أيضاً واقع جديد يعيد تشكيل المدينة وحياة سكانها، وتؤكد الأرقام الأممية حجم الأزمة، ويعكس المشهد الميداني عمق تأثيرها في التفاصيل اليومية.
وفي الوقت الذي يحاول فيه السكان التكيف مع هذا الواقع، يبقى الركام شاهداً مادياً على مرحلة قاسية من تاريخ القطاع، ودافعاً إلى وضع خطة شاملة لإدارته كجزء أساسي من أي عملية تعافٍ مستقبلية.
[1] “Gaza Debris Management Situation Report”, Programme of Assistance to the Palestinian People, 19/12/2025.
[2] مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، تحليل صور الأقمار الصناعية للدمار في قطاع غزة.
[3] المصدر نفسه.
[4] "تقييم جديد لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يكشف عن الأضرار التي لحقت بغزة وتسببت في مخاطر جديدة على صحة الإنسان والإنعاش على المدى الطويل"، برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
[5] دراسات دولية بشأن إعادة تدوير مخلفات الهدم في مناطق النزاع.
[6] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تحديثات الوضع الإنساني في غزة.
[7] دراسات دولية حول إعادة تدوير مخلفات الهدم في مناطق النزاع، مصدر سبق ذكره.
[8] تحديثات الوضع الإنساني في غزة، مصدر سبق ذكره.
[*] مقابلة ميدانية بتاريخ 4/3/2026 مع عائلة الحاج أحمد، من سكان مدينة غزة حي النصر.