أ. د. علي الدين هلال (مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة)
قبل الحديث عن التغيرات المحتملة في النظام العالمي بفعل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ 28 فبراير 2026، تنبغي الإشارة إلى ثلاث ملاحظات منهاجية: الأولى، أنه لا يوجد مستقبل واحد حتمي للنظام العالمي؛ بل يوجد أكثر من سيناريو لهذا المستقبل. والثانية، أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن تأثيراتها في شكل النظام العالمي ستختلف بحسب كيفية وشكل انتهائها؛ أي هل تنتهي بانتصار أمريكي واضح أم بتسوية تفاوضية أم باستنزاف متبادل طويل الأجل؟
أما الملاحظة الثالثة، فتتمثل في أن تأثير الحرب يحدث في سياق يشمل متغيرات وعوامل أخرى، مثل استمرار الصعود الصيني في سائر المجالات، ودخول الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الخامس في فبراير 2026، واهتزاز نموذج الهيمنة الأمريكية في العالم، والأزمة المزمنة للاقتصاد العالمي، والتنافس بين الدول الكبرى بخصوص الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية والهجينة، وتأثير هذه التطورات في توازن القوى بينها، ومدى تأثرها بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، وخصوصاً تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتوقف الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز من دول المنطقة، واضطراب سلاسل الإمداد.
ومن ثم، فإن الحرب ليست مجرد مواجهة أمريكية إسرائيلية إيرانية؛ بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنافس الجيواقتصادي الأمريكي الصيني، والجيوستراتيجي الأمريكي الروسي؛ وهو ما يجعل مسار هذه المواجهة يتصل اتصالاً مباشراً بإعادة تشكيل التوازنات الدولية. وأياً كان الأمر؛ فإن هذه الحرب ليست مجرد حدث إقليمي؛ بل إنها أوجدت بالفعل عدة مسارات للتأثير في النظام العالمي، وعلاقة القوى الكبرى فيه بمنطقة الشرق الأوسط، وسوف تؤثر في إعادة ترتيب التوازنات بين الدول الكبرى؛ لأن ما يحدث في المنطقة يؤثر في أوضاع الطاقة، والممرات البحرية، والتحالفات الأمنية والسياسية.
تأثير الحرب:
تُعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية اختباراً لشكل النظام الدولي القادم؛ حيث أدت إلى تبلور العديد من الانقسامات بين القوى الكبرى، فأعلنت الصين وروسيا رفضهما للحرب. وعندما ناقش مجلس الأمن الدولي مشروع قرار حول حرية الملاحة في المضايق في 7 إبريل الماضي، يتضمن إمكانية مرافقة قوة مسلحة لحماية السفن التجارية، استخدمت بكين وموسكو حق النقض "الفيتو"، فيما امتنعت باكستان وكولومبيا عن التصويت.
واختلفت مواقف دول التحالف الغربي حول الحرب أيضاً، فحث بيان الاتحاد الأوروبي في مطلع مارس الماضي على احترام قواعد القانون الدولي دون إدانة مباشرة لأي طرف. ورفضت الدول الأوروبية أعضاء حلف الناتو الاستجابة لطلب الرئيس دونالد ترامب للمشاركة العسكرية في فتح مضيق هرمز بالقوة، كما أدانت إسبانيا الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. أما الهند، فقد تبنت موقفاً حذراً، فدعت إلى التهدئة، بحكم مصالحها مع كل الأطراف. ولكن بعد تصاعد الاعتداءات الإيرانية الإرهابية ضد دول الخليج، قام رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، بزيارة إلى دولة الإمارات يوم 15 مايو الجاري، موقعاً عدة اتفاقيات للشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مجالي الدفاع والطاقة.
وفي هذا الشأن، فإن المسألة الرئيسة هي: كيف تؤثر الطريقة التي تنتهي بها الحرب في وضع الهيمنة الأمريكية في العالم؟ فأي نهاية أو تسوية لهذه الحرب سوف تؤثر في صورة القوة الأمريكية، وهل يستمر تراجعها الذي تجلى في الانسحاب من أفغانستان؟ أم أن سعي الرئيس ترامب لتجديد شباب هذه القوة سوف يؤتي ثماره من خلال زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي الهائل، وأفكاره عن تحقيق "السلام من خلال القوة"، ونجاحه في تغيير نظام الحكم في فنزويلا؟
فإذا خرجت واشنطن من حرب إيران وقد حققت أهدافها العسكرية والسياسية، مثل احتواء طهران أو فرض تسوية عليها بشروط أمريكية، فسوف تتعزز صورة الولايات المتحدة كأكبر قوة عسكرية تستطيع إلحاق الأذى بخصومها، ورفع تكلفة معارضة سياساتها، وحماية حلفائها وأصدقائها في مسارح متعددة؛ وهو ما سوف يدعم موقعها العالمي تجاه الصين وروسيا. وفي المقابل، سوف تنشأ مصلحة مشتركة بين موسكو وبكين في مواجهة الضغوط الأمريكية، ويزداد التنسيق بينهما لموازنة نفوذ واشنطن.
لكن لو انتهت الحرب باتفاق تفاوضي لا يحسم كل قضايا الخلاف بين واشنطن وطهران، أو بعد مرحلة استنزاف ممتدة، ففي هذه الحالة قد تهتز صورة الولايات المتحدة، وتتآكل قدرتها على الردع، وتتضح حدود قوتها.
وإذا انتقلنا إلى العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، يمكن القول إنه تجمعهما المصلحة في إنهاء حرب إيران، وعودة الملاحة التجارية إلى طبيعتها، باعتبار أن بكين أكبر مستورد للطاقة من الخليج. ولكن الصين ليست متعاطفة مع المطالب الأمريكية، وليست مستعدة للضغط على إيران لقبولها؛ وهو ما اتضح في زيارة الرئيس ترامب إلى بكين خلال الفترة بين 13 و15 مايو الجاري. ويمكن تفسير هذا الموقف الصيني بعلاقاتها الوثيقة مع إيران، والتي وقّعت معها اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2021؛ ومع ذلك، فإن بكين أدانت الاعتداءات الإيرانية الإرهابية على المدنيين في دول الخليج. وتجمعهما أيضاً المصلحة في الحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، وعدم حدوث تقلبات حادة فيه.
وبالتالي، إذا انتهت حرب إيران عن طريق الاتفاق أو عبر استنزاف طويل؛ فإن الدرس الذي سوف تتعلمه الصين هو أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات عسكرية هائلة؛ ولكنها قابلة للاستنزاف، ولا تستطيع دائماً أن تفرض إرادتها؛ فتقوم بالعمل على توسيع وجودها ونفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط.
وبخصوص العلاقات مع روسيا، فإن موسكو تبدو لأول وهلة مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط وقيام واشنطن برفع جزئي للعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، وانشغالها عما يحدث في حرب أوكرانيا. ولكن في حالة حسم حرب إيران لصالح الولايات المتحدة؛ سوف تفقد روسيا أهم حلفائها في المنطقة، بعد خسارة الحليف السوري.
وإذا انتهت حرب إيران عن طريق التفاوض والاستنزاف طويل الأمد؛ فإن ذلك سوف يعطي فرصة أكبر لدور روسيا الإقليمي والعالمي، خاصة وأنها أدانت الهجوم الأمريكي على إيران، وسط تقارير تفيد بأنها دعمتها سياسياً واستخباراتياً، وربما عسكرياً.
ومن أهم نتائج الحرب، اهتزاز مفهوم السوق العالمية الواحدة، واستبداله بإجراءات أخرى فيما يمكن تسميته بـ"العولمة المجزأة". ففي مواجهة نقص إمدادات النفط الخليجي، لجأت الدول الأوروبية إلى شراء النفط الأمريكي، بينما قام الكثير من الدول النامية بالاعتماد على الصين، التي استخدمت جزءاً من مخزونها الاستراتيجي لتوفير احتياجات هذه الدول من بعض مصادر الطاقة. وقد تستخدم بكين هذا الموقف لتطوير علاقاتها مع الدول الصديقة، وبلورة مجموعة اقتصادية تعتمد في تبادلاتها التجارية على عملة غير الدولار الأمريكي.
ثلاثة سيناريوهات:
من هذا التحليل، يبدو أن النظام العالمي يمكن أن يأخذ شكل أحد السيناريوهات التالية:
1- سيناريو الأحادية القطبية وتكريس الهيمنة الأمريكية: إن تحقيق الولايات المتحدة نصراً حاسماً سوف يدعم دورها العالمي، ويعزز مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية لدى حلفائها، وتوسيع صفقات التسليح والتعاون الدفاعي، وتجديد ارتباط الحلفاء بها اقتصادياً وتقنياً. وقد يدفع ذلك واشنطن إلى إعادة هندسة الترتيبات الإقليمية في منطقة الخليج والبحر الأحمر؛ ومن المرجح أن تبحث مع حلفائها سُبل تقليل الاعتماد على التكنولوجيا والاستثمارات الصينية، ويصاحب ذلك ممارسة ضغوط سياسية أكبر على الصين وروسيا، والسعي إلى احتواء نفوذهما. وفي هذا الحالة، سوف تخسر كل من بكين وموسكو حليفاً إقليمياً في موازنة النفوذ الأمريكي؛ ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يؤكد أن الأحادية القطبية ستظل نسبية وليست مطلقة؛ إذ ستبقى واشنطن مطالبة بأداء دورها ضمن بيئة دولية تتسم بالتنافسية والتعددية في موازين القوى.
2- سيناريو تسريع الانتقال إلى التعددية القطبية: إذا انتهت حرب إيران من دون أن تحقق الولايات المتحدة نصراً حاسماً؛ فإن وضعها العالمي قد يهتز، وإن بقي قوياً، ولكن مع ازدياد أدوار الصين وروسيا، واستمرار عملية التحول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، والذي بدأ فعلياً منذ فترة. وسوف توسع الصين علاقاتها التجارية والاستثمارية، وتشارك في جهود إعادة الإعمار، وتعطي دفعة لمشروعات مبادرة "الحزام والطريق". كما قد تقوم بكين بدور سياسي أكبر يتجاوز إصدار البيانات والتصريحات، وتطرح نفسها كقوة استقرار ووسيط موثوق به غير منخرط عسكرياً في الصراعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، قد تواجه الصين مفارقة استراتيجية تتمثل في اعتمادها الكبير على استقرار منطقة الشرق الأوسط لضمان مصالحها الاقتصادية والطاقة، مقابل عدم رغبتها في تحمل أعباء الحماية العسكرية للممرات البحرية؛ وهو ما يكشف استمرار اعتمادها البنيوي على النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة. وفي الإطار ذاته، سوف يزداد الدور الروسي في مجال بيع الأسلحة ونقل التكنولوجيات المتقدمة، وتعميق التحالفات المناهضة للغرب، وتوسيع التعاون الاستراتيجي مع الصين وإيران. أما الدول الوسطى، فسوف تستفيد من حالة السيولة الدولية لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، وبناء تحالفات إقليمية أكثر مرونة وتوازناً.
3- سيناريو الاضطراب ونظام عالمي فوضوي وغير مستقر: في حالة عودة القتال، وتدمير البنى التحتية، وتوسع نطاق الحرب، واستمرار منع الملاحة في مضيق هرمز؛ فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الصراعات والتنافسات بين الدول الكبرى، وكذلك بين القوى الإقليمية، واضطراب الأسواق، وارتفاع أسعار النفط، وحدوث موجات تضخم عالمية، وتراجع معدلات نمو الاقتصاد العالمي، وتدهور اقتصادات الدول النامية بشكل حاد. ويرافق هذا السيناريو تراجع فعالية مؤسسات النظام الدولي، واتساع نطاق الصراعات الدولية والإقليمية، وتزايد اعتماد الدول على استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها. وفي ظل هذه البيئة المضطربة؛ يصبح تحقيق الأمن قائماً بدرجة أكبر على منطق الردع المتبادل وإدارة الأزمات.
وفي ضوء ما سبق، لا يستطيع أحد التكهن بشكل حاسم بالشكل الذي سوف يتخذه النظام العالمي في المرحلة المقبلة، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار التوجهات القائمة بالفعل منذ بداية القرن الحادي والعشرين؛ فإن الأرجح هو الاتجاه إلى نظام متعدد الأقطاب يتسم بالاضطراب وعدم الاستقرار؛ بمعنى تعدد مراكز النفوذ والسيطرة، الذي تصبح فيه القوة أكثر تشتتاً؛ بحيث يقوم كل قطب باجتذاب أكبر عدد من الدول إلى دائرة نفوذه، بعضها سوف يكون جزءاً من النواة الصلبة حوله، وبعضها الآخر يبقى في منطقة محيطه أو هامشه، له علاقات تعاون مع هذا القطب دون قطع علاقاته مع الأقطاب الأخرى. وتكون هذه الدول الهامشية مجالاً للتنافس بين الدول الأقطاب؛ فتسعى كل منها لاستقطابها في فلكها، ويكون هذا التنافس مصدراً لعدم استقرار النظام العالمي؛ مما يؤدي إلى تصاعد الأزمات الإقليمية، واستمرار حالة اللايقين في العالم.
ختاماً، قد يسجل تاريخ هذا القرن أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مثّلت الاختبار الأخير لقدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، وأنها شكّلت نقطة تحول في مسار تشكل نظام دولي جديد أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.