The Cradle عربي
الجميع في إسرائيل يريد التخلص من بنيامين نتنياهو. كلٌّ لأسبابه مهما كانت هذه الأسباب. ولكن هذا الهدف الموحّد لكافة معارضي نتنياهو، الصهاينة منهم والعرب، قد يكون الفخ الذي تنصبه المعارضة، غير المتجانسة أصلاً لا سياسياً ولا أيديولوجياً، لتحقيق هذا الهدف عبر الانتخابات المرتقبة للكنيست في أيلول المقبل. أما حصان طروادة فقد يكون رئيس حزب القائمة العربية الموحدة (راعم) منصور عباس.
بعد طوفان الأقصى، وجنوج المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التطرف، أصبح تحالف أي من الأحزاب الإسرائيلية مع الأحزاب العربية ضرباً من الجنون وانتحاراً سياسياً، حتى وإن التقت هذه الأحزاب على هدف واحد رئيسي: الإطاحة بنتنياهو. وبات لا أحد يرغب بالأحزاب العربية، رغم تهافت الطرفان المتنافسان، نتنياهو والمعارضة، على أصواتهم. فبحسب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إن مشاركة العرب في الحكومة أسوأ بألف مرة من فشل الحكومة الحالية في منع الهجوم الذي قادته حماس في السابع من تشرين الأول 2023.
سموترتش لا يُعبّر عن رأي فردي، بل عن موقف جماعي لكافة المجتمع الإسرائيلي ومن ضمنها المعارضة. فرئيس الحكومة الأسبق والمنافس المحتمل لنتنياهو نفتالي بينيت صرّح مراراً بأنه لا إمكانية لتشكيل حكومة بالاتفاق مع العرب، بل حكومة صهيونية خالصة، على الرغم من دعوات زميله في المعارضة، وخصمه الأيديولوجي رئيس حزب الديمقراطيون اليساري يائير غولان، للإتفاق مع منصور عباس للتخلص من حكومة نتنياهو.
أمام هذا الواقع الجديد، حاول زعماء ثلاثة أحزاب عربية؛ أحمد الطيبي (الحركة العربية للتغيير)، يوسف جبارين (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)، وسامي أبو شحادة (التجمع الوطني الديمقراطي) العمل على التحالف، وتشكيل قائمة مشتركة لخوض الانتخابات لمواجهة التطرف المتزايد ولعدم تشتيت أصوات العرب وتحفيزهم للتصويت. ولكن هناك مشكلة أعمق بكثير من الاتفاق أو عدمه بين الأحزاب العربية. هذا المشكلة تتخطى التمثيل العددي للعرب داخل الكنيست، وتتعلّق بغياب أي إطار فعّال وحقيقي للعمل الحزبي العربي داخل إسرائيل على الرغم من توجس كافة الأحزاب الإسرائيلية من قائمة عربية مشتركة قد تحصد بالحد الأدنى 15 مقعداً. وحذّر الكاتب في صحيفة يديعوت أحرونوت نيفو كوهين، من أن قائمة عربية مشتركة من شأنها أن تخفض تمثيل كل من الإئتلاف الحاكم والمعارضة، الأمر الذي يجعل كلاهما تحت رحمة الأحزاب العربية من أجل الوصول إلى أغلبية مريحة لتشكيل حكومة.
فالإئتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو، بحسب آخر استطلاع للرأي أجرته صحيفة معاريف، لا يستطيع تخطي عتبة 50 مقعداً في إنتخابات الكنيست، مقابل 60 مقعداً في أحسن الأحوال للمعارضة إذا لم تتحالف الأحزاب العربية. وتتراجع هذه الأرقام في حال تحالف الأخيرة، التي تؤثر على المعارضة بشكل أساسي. فخوض الأحزاب العربية للإنتخابات بقائمة موحدة يرفع من نسبة اقتراع العرب ويحرم الأحزاب اليسارية والليبرالية من أصواتهم من جهة، ويدفع بالناخبين اليمينيين المتطرفين إلى التكتل بوجه "العدو العربي" من جهة أخرى، الذي يرفع من تمثيل الإئتلاف الحاكم بضعة مقاعد.
كان آخر المنضمين لهذا التحالف، الذي من المرجح أن لا يبصر النور، زعيم حزب راعم منصور عباس الذي اشترط أن تكون القائمة المشتركة قائمة تقنية، أي تحالف انتخابي لا يمتد إلى الكنيست ويحافظ على الخيارات السياسية لكل حزب. ومن ثم إنقلب عباس على نفسه وطالب بأجندة سياسية واضحة وتعهّد من المشتركة بعدم إسقاط أي حكومة قد يشارك حزبه فيها. وقد أفاد مصدر مطلع على المفاوضات بين الأحزاب العربية لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" بأن العقبة الرئيسية هي مطالبة عباس بأن تلتزم الأطراف الأخرى بعدم معارضة أو إسقاط أي حكومة يختار الحزب الإسلامي الانضمام إليها.
قرار عباس لا ينبع من ميل للحفاظ على الهوية الفردية لحزبه الإسلامي المرتبط بتنظيم الإخوان المسلمين، بل من قراءة نفعية للواقع السياسي الإسرائيلي. يرغب عباس في أن يلعب دور المكون الحريدي في أي حكومة "تغيير" مقبلة- أن يكون قادراً على ابتزازها لتحقيق مطالبه، التي عادة لا تتخطى بضعة ملايين من الشيكلات في الموازنة قد تصرف للمناطق العربية، تحت طائلة إسقاطها. يدرك منصور عباس جيداً حاجة الفريقين المتنافسين – الإئتلاف الحاكم والمعارضة- لأصوات العرب في الكنيست. وعلى النقيض من زملائه العرب، فهو أعلن مراراً بأن لا مانع لديه من المشاركة في أي إئتلاف حاكم. وسبق أن لقّب بصانع الملوك في العام 2021 بعد اسقاطه لحكومة نتنياهو والتصويت لصالح تحالف نفتالي بينيت ويائير لبيد آنذاك، وهي المرة الأولى التي يدعم فيها حزباً عربياً تحالفاً حكومياً في إسرائيل، وهو السبب الرئيسي لتفكك القائمة المشتركة آنذاك.
وعليه، أعلنت أحزاب الجبهة (حداش) والتجمع (بلد) والعربية للتغيير (تاعل) المضي في تشكيل قائمة انتخابية مشتركة استعداداً للانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وذلك من دون التوصل إلى اتفاق نهائي مع عباس، الذي يبدو حتى اللحظة بأنه يعقد اتفاقاً ما مع المعارضة للتصويت لصالحها دون أن يتمثّل في الحكومة. إذ تساءل بيان صادر عن العربية للتغيير رداً على اتهامها بافشال المفاوضات: "هل من المعقول أن نستبدل نتنياهو اليوم دون التوصية على نفتالي بينيت أو غادي آيزنكوت كبديل؟ وهل سنعود لبيع الشعارات للناس ونوهمهم بوجود خيارات غير واقعية في السياسة الإسرائيلية؟".
من جهتها، تحاول المعارضة الحصول على أصوات عباس دون أن تلتزم معه بشيء وذلك لتداعيات التحالف مع "العرب" على القاعدة الشعبية للمعارضة. فعلى الرغم من إدراك المعارضة لإستعداد عباس للتصويت لصالحها، إلا أن الظروف السياسية اختلفت جذرياً بعد العام 2023، والثمن الذي قد تدفعه بسبب التحالف مع العرب أغلى بكثير من الإطاحة بنتنياهو الذي سيستخدم كأساس لحملة انتخابية ضد المعارضة "الخائنة لليمين وللصهيونية".
وبموازاة ميل عباس للتحالف مع المعارضة، لما يستجلبه التحالف مع نتنياهو من نقمة عليه بعد طوفان الأقصى، إلا أن العوامل الخارجية المؤثرة عليه كبيرة، الأمر الذي قد يدفعه إمّا للإتفاق مع نتنياهو لدعمه في التصويت في الكنيست على رئاسة الحكومة، أو عدم التصويت لمصلحة المعارضة في الكنيست، ووصولاً إلى إفشال جهود التحالف بين الأحزاب العربية، وهو ما يبدو بأن عباس يقوم به. مع الإشارة إلى أن نتنياهو بدأ بالعمل من أجل إفشال التحالف واستمالة عباس. إذ برزت في الأسبوع الفائت تحركات سياسية وقانونية يقودها مقربون من نتنياهو، تهدف إلى حظر مشاركة راعم في الانتخابات بحجة تمويلها لحركة حماس في غزة. أما عن نسبة نجاح مناورة نتنياهو، فهو أمر يحدده الراعي الإقليمي لعباس، وماذا يوجد على المحك في هذه الانتخابات.
إذ صرّح عباس سابقاً في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية بأن أطرافاً مرتبطة بجهات أجنبية، ضغطت عليه للاستمرار في محادثات تشكيل ائتلاف مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدلاً من الاصطفاف مع أحزاب المعارضة بعد انتخابات 2021. وعند سؤاله إذا ما كانت قطر، لم ينف أو يؤكد هذه المعلومة.
ومن المعروف بأن العلاقة بين قطر، بشكل غير مباشر، ونتنياهو جيدة، وهو أمر لم يعد خافياً في الأوساط الإسرائيلية، التي وصلت إلى حد إتهام نتنياهو بغض النظر عن الأموال التي ترسلها قطر لحركة حماس، والتي ذهب جزء كبير منها للتسليح، متهمين إياه بالتسبب بشكل أو بآخر بطوفان الأقصى. وأكد عباس على هذه العلاقة في نفس المقابلة عازياً السبب إلى ما اعتبره نهجاً متساهلاً من نتنياهو آنذاك تجاه حماس. وبعد نشر ما عرف السنة الماضية بـ قطر غايت، ومحاولة كل من نتنياهو وقطر نفي وطمس هذا التحقيق، قد يكون لقطر دوراً اساسياً في التوجهات السياسية لعباس سواء على صعيد التحالف مع الأحزاب العربية أو وجهة تصويت حزبه في الكنيست.
من جهة أخرى، إن آداء القائمة المشتركة لم يكن بأفضل للفسلطينيين. ففي انتخابات أيلول 2019، أوصت غالبية أعضاء القائمة المشتركة بتكليف بيني غانتس تشكيل الحكومة. وكان أحمد الطيبي، زعيم الحركة العربية للتغيير من أبرز المؤيدين لهذه الخطوة بهدف التخلّص من نتنياهو. ثم تكرر الأمر بعد انتخابات آذار 2020، عندما أوصت القائمة المشتركة مرة أخرى بغانتس لتشكيل الحكومة. ومن المفارقات التي ما زالت تُذكر في السياسة الإسرائيلية أن الطيبي أوصى بغانتس مرتين، ثم انتهى الأمر بغانتس إلى تشكيل حكومة وحدة مع نتنياهو عام 2020.
الفرق بين عباس وباقي الأحزاب العربية هو الوضوح الكبير في التوجهات السياسية لحزبه. فهو لا يدعم فقط أية حكومة يمينية بالمطلق، على قاعدة أنها تعطي شرعية أكبر لحزبه كما صرّح مؤخراً في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت، بل هو واضح في شروطه لدعم أية حكومة: موازنة مخصصة للبلدات العربية التي له تمثيل كبير فيها. أما باقي الأحزاب فتقع في خطيئة محاولة التخلّص من الأسوأ حتى ولو كان الثمن القبول ودعم الخيار السيء، وهو في هذه الحالة حكومة يمينية صهيونية متطرفة قومياً وليس دينياً.
في حال خوض الأحزاب العربية للإنتخابات بقائمتين (ثلاثية والعربية الموحدة) – وهو الخيار الأكثر ترجيحاً اليوم – فإن سعر منصور عباس سيتضاعف بشكل كبير. اذ تشير آخر استطلاعات للرأي بأن القائمة الثلاثية قادرة على الحصول على 6 مقاعد مقابل 4 لمنصور عباس. وفي كلتا الحالتين لا يستفيد نتنياهو من تصويت أي منهما لصالحه (بحاجة لـ 11 صوتاً للوصول إلى 61 صوتاً)، أما المعارضة فهي قادرة على الإكتفاء بأصوات عباس الأربعة. إلا أن الهاجس الأكبر لدى عباس هو تكرار سيناريو العام 2019 و 2020 عندما صوتت المشتركة لصالح غانتس للتخلص من نتنياهو.
في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ارتبط اسم نتنياهو بالحروب والإبادة والمجازر. وباتت الأحزاب العربية تريد رؤيته يرحل، ويحاكم ويسجن... لا فرق المهم أن يرحل. ولكن الخوف من أن يكون ثمن رحيله هو أن تصبح الأحزاب العربية رافعة لحكومة أخرى يمينية، تواصل حربها على العرب، وقضم الأراضي والاعتقالات والإبادة، ولكن بشكل متقطع وليس متواصل كما فعل ويفعل نتنياهو منذ ثلاثة سنوات.