هبة الأغا (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
أحاول تذكّر عناوين أخواتي المتزوجات، وأخي الأوسط الذي كان يسكن في مدينة حمد، وأخوَيّ الأكبر والأصغر، فتبدو العناوين باهتة ضعيفة، تقول لي أختي: "كلنا نازحين جنب بعض، لا تقلقي."
في المرة الأولى التي نزحت فيها عائلتي كنت أقسّمهم جغرافياً في عقلي؛ فمثلاً أمي وإخوتي الشباب نازحون في جمعية خان يونس الزراعية، وخالتي مع كنائنها أخواتي البنات في شاليه ابن خالتي، وأختي الأُخرى في أرض البحر مع عائلة زوجها، وأُخرى عند أصدقائهم في مكان بلا فرش، وأختي الأُخرى عند بيت آل اللحام، وهكذا، أحاول أن أجد عائلتي في خريطة مفترضة في عقلي، بينما كنت أحفظهم سابقاً عن ظهر قلب، لكنني حالياً على الرغم من أنني كنت أيضاً نازحة في رفح، فإنني لا أعرف الأماكن التي نزحوا إليها.
ثم بعد تهديد الجمعية واقتراب الجيش من منطقة الياباني في خان يونس، اضطرت العائلة إلى التشتت من جديد، فنزحت أمي إلى أختها في شاليه ابنها، ثم انتقلت إلى مسكن أختي التي استقلت في غرفة مهجورة على شاطئ البحر بعد أن نظفوها وصنعوا فيها حماماً ومطبخاً صغيراً، أحضروا لأمي، التي كسرت قدمها في أول ليلة نزوح، سريراً من خشب المشاطيح، فصارت تمتلك سريراً وقد نزحت بفرشتها على أيّ حال، إذ صار امتلاك سرير رفاهاً في ظل كثرة النزوح.
ذهب أخي الأوسط فسكن عند حماته في خيمتها، وبقي أخي الأصغر ينام عند الجميع، في كل ليلة يبحث له عن مكان وتوقيت مناسب، ونحن بقينا أيضاً في رفح.
طال الوقت، فقرر أهلي تزويج أخي الصغير لخطيبته التي كان من المفترض أن تُزف إليه بعد الحرب بأيام قليلة، فحصل على خيمة ونصبها في أرض أختي الكبرى، فصار له خيمة وعائلة جديدة، وفقد بيته الذي كان مجهزاً لحياة زوجية جديدة، فأضاف للخراب معنى جديداً... ربما!
بعد انسحاب الجيش عاد الأهل إلى مرابعهم، فوق الركام، بين الحطام، وتحت الأسقف المحروقة، لكنها على أي حال كانت بقايا البيوت التي يعرفونها، وأمّا مَن نُسفت بيوتهم تماماً، فظلوا هناك قابعين في أرض المواصي بلا عودة.
أصلح العائدون ما استطاعوا إصلاحه، وبدؤوا زراعة القليل من الورقيات والخضار، على الرغم من الدمار الذي حلّ بمنطقة السطر الشرقي والغربي، فإنهم ظلوا يعاندون كل شيء حتى الموت.
قلت في نفسي أخيراً: سأعرف عناوين عائلتي من جديد، بدأت أتخيلهم في أماكنهم القديمة أو ما يشبهها. كان مريحاً أن أراهم في المكان نفسه، الذي اعتدت أن أراهم فيه، حتى إن أخي الكبير لم يعد إلاّ بعد أن تأكد أن الأمور على ما يرام، وأنه لن يكون هناك نزوح جديد من منطقتنا على الأقل.
انتهت الحرب وبدأت الهدنة الموقتة، وبدأ الناس يستعيدون وعيهم بما جرى، ويصلحون ما يمكن إصلاحه من الروح والجسد والمكان، لكن سرعان ما انقلبت الأيام، وعادت الحرب لتأكل شعورهم بالأمان من جديد.
صار القصف يطال المناطق القريبة، والقذائف توقظهم فجراً وليلاً وهي تسقط فوق رؤوسهم، وجبال الرمال والحصى تتطاير عليهم، حتى طُلب رسمياً من العائدين النزوح إلى المواصي من جديد، حيث الأمان المزعوم، وحين عادوا وفي أول ليلة وصول تم قصف الخيم المجاورة لهم، فطارت عليهم القذائف والرمال والحصى، ومرة أُخرى طار عليهم اللحم الممزق من حمم الصواريخ، فكان الأمان زعماً وكذباً فقط.
عاد إخوتي لكي يبحثوا عن مكان جديد ليسكنوا فيه، فاختلفت العناوين. أسأل عن أخي الكبير فيقولون لي إنه قد نصب خيمته في أرض عمي سعيد الغوانمة، وحين أسأل عن أخواتي البنات يقولون لي إن معظمهن حول شاليه ابن خالتنا عائشة، نصبوا خيمهنّ هناك، ومنهم مَن عاد إلى غرفته المهجورة فوجدها وأحياها، وآخرون ذهبوا إلى أختي الكبرى في أرض زوجها فنصبوا خيمهم ورحالهم هناك، وبدأت رحلة جديدة من الاستقرار الوهمي.
لا أعرف المواصي جيداً، العناوين الجديدة ترهقني، الحدود المرسومة لا أعرفها. كنت أرى دائماً أرضاً واسعة كبيرة أمامها بحر، وبها نخيل، ومشهد من الجغرافيا المسطحة التي نرى عبرها الأفق، وفي مواسم الخير نذهب لالتقاط الجوافة والليمون، وفي موسم الصيف نذهب إلى البحر زائرين مصطافين بلا كل هذا العبء الجسدي الثقيل.
الأسوأ في كل ما مرّوا به هو التقبل؛ في ظل كل هذه التفاصيل التي لا تشبههم: الحياة البدائية، وشح الموارد، والخوف، والبرد والصقيع، والضياع، وفقدان الحواس، وعلى الرغم من كل ذلك يكملون الطريق بكل ما بين أيديهم من موارد شبه معدومة، وطاقة متهالكة للبقاء، لكنهم مستمرون في الحياة كعشبة الخبيزة التي نبتت بجانب بيتنا المهدوم بعد المنخفض الأخير.
يزور أخي بيته المقصوف، المتكور فوق بعضه بفعل جرافة الـD9، في حيّنا الذي صار مهجوراً، يمكث هناك أياماً ولياليها، يحاول تصديق كل ما يحدث، فيتظلل بحافة الجدران المائلة، ويفتح مذياعه القديم، وهو يستمع إلى أغاني الشوق، ويشم في الأجواء رائحة الحياة التي كان يعرفها، يبحث في ذاكرته عن طرقات الحي وطريق البيت ودروب الحياة التي كبر فيها، وينظر إلى الشمس صباحاً وهو يعرفها جيداً، وكأنه يعاتبها بصمت المحب: كيف تشرق على تلك الأماكن بلا أهلها؟ وكيف تبدو وهي تشرق على هذا الخراب كل يوم؟
يتبعه سائر الصبية والمحبين، يزورون الأماكن التي أحبوها وكبروا فيها، وهم يعرفون جيداً أنها لم تعد تشبه نفسها، فالخراب على مدّ البصر، ولا شجرة تظلّل رؤوسهم من الحر، ولا سقف يحميهم من المطر، وحين أسأل عنهم وأنا التائهة في عناوينهم، يخبرني المترصدون أن الشباب يذهبون "شرق"، وقد كان القلب شرقاً، فصار الشوق شرقاً، وصار العتاب شرقاً، فنطلق زفرة تخنقنا جميعاً، ونحن نفتقد ذلك العنوان الذي قصدناه جميعاً على مدار السنين الفائتة.
يقيم أهلي المنتشرون في نقاط النزوح في المواصي حفلات زواج لأبنائهم وبناتهم، وينجبون الأطفال، ويذهبون إلى النقاط التعليمية، ويطلبون "دليفري"، ويزرعون النعناع والريحان، ويبنون خيماً جديدة، ويستعدون للشتاء والصيف، ويكبرون في المكان نفسه، وهم لا يصدقون أن هذا التطبيع مع الألم، والبرد، والحر، والخوف، والتلاشي صار أسوأ وأشد أنواع التطبيع. وأبقى أنا أسجل عناوينهم على دفتري الصغير: تسكن فلانة بجانب فلان، وابنة فلان تزوجت من فلان، ويذهب أخي لبيتنا القديم، لكي يرسم أبواباً كثيرة فيدخلها، ويرسم عائلة كانت هنا فيلقي عليهم السلام، ويرسم أحلاماً قُتلت في منتصف الطريق.
وأنا أبحر في وحدتي من دونهم، وأغرق في شتاتي واغترابي، وأدرك اضطراب الجغرافيا داخلي، واختلال مفاهيم الديموغرافيا في عقلي، وتنمّل أطرافي وهي تبحث عن أمان العائلة الذي كان يغرقني في الماضي. صار الشتات دربنا للحياة، أمّا بيوتنا فقد صارت ذكرى، نعيد تركيبها متى اشتقنا إليها، ونعيد بناءها كيفما يحلو لنا، ونزرع حديقة في القلب، لكن الماء شحيح، والطاقة متهالكة، والحياة أخذت منا أكثر مما أعطتنا، بينما تنسحب من أمامنا وتعطينا خياراتها الموقتة، وكأنها تقول لنا: ليس لديّ إلاّ هذا… أو لا شيء!