مقالات

ثمن الموقع: هل تحول البحر الأحمر إلى سوق سياسية؟

post-img

أ. د. حمدي عبد الرحمن حسن (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

ليس بخافٍ أن البحر الأحمر يمثل منذ فترة طويلة حلقة وصل حيوية في شبكة الممرات المائية العالمية الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي ثم إلى المحيط الهادئ، وهو ممر استراتيجي واقتصادي وصفه مسئول دفاعي أمريكي ذات مرة بأنه "الطريق السريع I-95 للكوكب". وقد حظي البحر الأحمر، منذ الإسكندر الأكبر إلى نابليون بونابرت، باهتمام الغزاة والقوى الطامحة إلى النفوذ، إذ جعلته مركزيته في التجارة البحرية ومضائقه موضع اهتمام جيوسياسياً مستمراً عبر القرون. غير أن السنوات الأخيرة ولاسيما منذ انتهاء الحرب الباردة شهدت بروز نمط جديد من التنافس الدولي والإقليمي على جانبي البحر الأحمر، حيث تتلاشى بسرعة الحدود الجيوسياسية بين فضاءين متجاورين هما الخليج العربي والقرن الإفريقي. وتكشف هذه التحولات عن تحولات جوهرية في معنى ومبنى الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر. فطوال أجيال مضت، نُظر إلى الجغرافيا بوصفها شرطاً ثابتاً ومحدداً للسياسة: إذ ترث الدول سواحلها، وتؤدي الموانئ وظيفة تجارية، وتربط خطوط الملاحة بين الأسواق. أما اليوم، فقد بدأت العلاقة وكأنها معكوسة؛ إذ أصبحت الجغرافيا نفسها قابلة للتفاوض والمساومة. فالحكومات تؤجر المواقع الاستراتيجية وكأنها ترفع لافتة: "موانئ للإيجار"، والمستثمرون يمولون الموانئ والممرات، والقوى المتنافسة تتسابق على القواعد البحرية ومراكز النفوذ، والحركات السياسية المناوئة للحكومات الشرعية تستدعي السيطرة على الساحل دليلاً على السيادة أو مدخلاً للاعتراف. وحتى النزاعات المسلحة باتت تعتمد على الوصول إلى البحر بوصفه شرطاً للاستدامة المالية والسياسية. وبذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر للتجارة العالمية، بل غدا سوقاً جيوسياسية تُشترى فيها المواقع الاستراتيجية وتُباع وتُوظف في واقع الحال. ومن ثم، قد يتوقف مستقبل الإقليم بدرجة أقل على من يسيطر على المياه ذاتها، وبدرجة أكبر على من ينجح في تحويل القرب من تلك المياه إلى ميزة سياسية واقتصادية مستدامة.

مفهوم السوق السياسية

 دعونا في البداية نشير إلى أهمية استخدام مصطلحات جديدة تتجاوز الفكر السياسي التقليدي السائد في المنطقة. على سبيل المثال، يشير مفهوم أليكس دي وال عن "السوق السياسية" إلى نظام حكم تُعامل فيه الولاءات السياسية والتعاون والحماية والعنف كسلع يتم تبادلها مقابل المال أو الريع أو الوصول إلى الموارد. وقد أشرنا من قبل إلى مسالة "تسليع السياسة "، حيث كل شيء يباع ويشترى في الفضاء السياسي الإفريقي. ففي كتابه "السياسة الواقعية للقرن الإفريقي: المال والحرب وتجارة السلطة"، يجادل دي وال بأن فهم السياسة في القرن الإفريقي لا يكون في المقام الأول من خلال المؤسسات الرسمية أو القواعد الدستورية أو البرامج الأيديولوجية، بل من خلال المنطق الاقتصادي للعرض والطلب. يتصرف الفاعلون السياسيون بحسبانهم "رجال أعمال سياسيين" يسعون إلى تحصيل "ميزانية سياسية" واستخدامها لشراء الولاءات، وتمويل التوزيع الإكراهي للقيم من خلال مكافأة الحلفاء، وإدارة عملية التنافس على الموارد العامة، والحفاظ على بقائهم في بيئات مضطربة. وبهذا المعنى، تتحول الدولة من بناء مؤسسي يخدم الصالح العام إلى ساحة للمحسوبية المالية، والسعي وراء الريع، والعنف المتفاوض عليه. وهنا، ترتكز السوق السياسية على أربع متغيرات مترابطة: التمويل السياسي، والسيطرة على وسائل العنف، والآليات غير الرسمية لتسوية النزاعات، والاندماج في أنظمة المحسوبية العالمية من خلال المساعدات والنفط والتعاون الأمني ​​والرعاية الخارجية. ولا يمكن انكار أهمية هذا المفهوم وبشكل خاص لتحليل السياسات، لأنه يُفسّر سبب بقاء مؤسسات الدولة في القرن الإفريقي ضعيفة في كثير من الأحيان رغم برامج الإصلاح المتكررة: فقد يستفيد الفاعلون النافذون من ضعف المؤسسات والفوضى والمساومة التنافسية بدلًا من الحوكمة القائمة على القواعد.

ومع ذلك، من الأهمية بمكان استخدام إطار السوق السياسية بحذر. إذ تكمن قوته في كشف الاقتصاد السياسي الخفي للسلطة، ولا سيما الطرق التي يُشكل بها المال والعنف والريع الخارجي سلوك النخب في دول منطقة القرن الإفريقي عموماً. لكن هذا الإطار قد يكون مُبسطًا للغاية إذا اختزل السياسة المعقدة في المنطقة إلى مجرد معاملات مالية. لا يُمكن دائماً تفسير الهوية والأيديولوجيا والدين والقومية والمظالم التاريخية والعدالة الاجتماعية والمطالب الشعبية بالديمقراطية على أنها مجرد أدوات للمساومة بين النخب. علاوة على ذلك، فإن الدلالة الرمزية لمفهوم السوق قد توحي بوجود قدر من العقلانية والمنافسة وتدفق المعلومات لا يتوفر دائماً في السياقات الاستبدادية والمتأثرة بالنزاعات، حيث تقمع الأنظمة وسائل الإعلام وأحزاب المعارضة والمجتمع المدني. كما يولي هذا الإطار اهتماماً أكبر للنخب الفاعلة على حساب دور القاعدة الشعبية والمقاومة المدنية وتطلعات الشعوب إلى المساواة والحرية. لذا، ولأغراض السياسة العامة، لا يُعد هذا المفهوم ذا قيمة لتفسير واقع بالغ التعقيد والتشابك، بل كأداة تشخيصية: فهو يساعد صانعي السياسات على تحديد كيفية تمويل السلطة وتداولها، مع تذكيرهم بأن السلام المستدام يتطلب أكثر من مجرد إدارة صفقات النخب. إنه يتطلب الحد من ربحية العنف، وتنظيم التمويل السياسي، وتعزيز المؤسسات، وحماية الفضاء المدني، ودعم أشكال الشرعية التي لا يمكن شراؤها ببساطة.

إذا تركنا كل ذلك جانباً لوجدنا أن هذه السوق قد امتدت في منطقة البحر الأحمر اليوم لتتجاوز المال وولاء المليشيات لتشمل الجغرافيا نفسها. فقد أصبحت الموانئ والمضائق والممرات والقواعد ومطالبات الاعتراف أصولاً قابلة للتداول. لم يعد السؤال يقتصر على من يسيطر على الأرض، بل كيف يُمكن تحويل هذه الأرض إلى نفوذ دبلوماسي، أو ضمان مالي، أو تأمين استراتيجي، أو شرعية دولية. إننا أمام ظاهرة "سلعنة الموقع الجغرافي" إن صح التعبير.

المضايق وجدلية التجارة والسياسة

يُعدّ باب المندب أوضح تعبير عن هذا التحوّل. فمنذ أواخر عام 2023، دفعت الهجمات على السفن في البحر الأحمر عدداً من شركات الشحن إلى تجنّب المسار البحري المختصر بين آسيا وأوروبا والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما أطال الرحلات البحرية، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وكشف هشاشة أحد أهم ممرات التجارة العالمية. وبذلك لم يعد باب المندب مجرد نقطة ضيقة على خريطة الملاحة الدولية، بل تحوّل إلى معادلة مخاطر عالمية يتم تسعيرها يومياً من قبل شركات التأمين، ومخططي اللوجستيات، وتجار السلع، ووزارات المالية.

لهذا السبب، لا يمكن فهم سياسات البحر الأحمر باعتبارها جملة من النزاعات المحلية المعزولة. فمضيق هرمز يندرج الآن ضمن نفس بنية المخاطر. وقد قدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر هرمز بلغت في المتوسط ​​20 مليون برميل يومياً في عام 2024، أي ما يعادل حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وأن المضيق يحمل أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. وخلال الحرب الإيرانية منذ يونيو 2025، أعادت التحذيرات الإيرانية بشأن إغلاق هرمز إحياء المخاوف القديمة من أن الحرب الإقليمية قد تنتقل من الصواريخ والوكلاء إلى الممرات الملاحية، وهو ما حدث بالفعل في الحرب بين كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى التي اندلعت في فبراير 2026. والعلاقة هنا مباشرة: عندما يتعرض هرمز للتهديد، يصبح البحر الأحمر منفذاً بديلاً، وعندما يتعرض باب المندب للتهديد، يصبح هذا البديل هشاً. لذا، يحوّل الصراع الإقليمي الجغرافيا إلى أداة تفاوضية عبر نقطتي اختناق في آنٍ واحد.

إثيوبيا ومأزق الدولة الحبيسة

من جهة أخرى، يُفسّر هذا المنطق سعي إثيوبيا الدؤوب نحو الوصول إلى البحر. فقدت إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر بعد استقلال إريتريا والحرب الإثيوبية الإريترية اللاحقة، وأصبحت جيبوتي المنفذ الرئيسي للتجارة الإثيوبية؛ إذ قدّرت دراسة أجراها البنك الدولي أن جيبوتي تستحوذ على نحو 93% من واردات وصادرات إثيوبيا، بينما يرتبط نحو 85% من حركة موانئ جيبوتي بإثيوبيا. وغالبًا ما يُطرح موقف إثيوبيا على أنه ضرورة تنموية وليس توسعية، حيث تُقرّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بحق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر والخروج منه وحرية العبور، مع ترك الشروط لاتفاقيات مع دول العبور التي تحتفظ بسيادتها على أراضيها. يكتسب هذا الإطار القانوني أهمية بالغة لأنه يُميّز بين الحاجة المشروعة لعبور موثوق وبين المطالبة الأحادية بسواحل دولة أخرى كما يظهر في الخطاب السياسي الإثيوبي منذ عام 2018.

واتساقاً مع النهج الأحادي الإثيوبي، فقد حوّلت مذكرة يناير 2024 بين إثيوبيا وصوماليلاند هذا التمييز إلى أزمة إقليمية. أعلنت صوماليلاند أن إثيوبيا ستحصل على 20 كيلومتراً من الممرات البحرية لقواتها البحرية لمدة 50 عاماً مقابل اعتراف رسمي بها، كما أشارت التقارير إلى إمكانية وصول إثيوبيا إلى ميناء بربرة. بالنسبة لصوماليلاند، لا يُمثل ميناء بربرة مجرد ميناء، بل هو أداة لتحويل ثلاثة عقود من الحكم الذاتي الفعلي إلى اعتراف قانوني. أما بالنسبة لإثيوبيا، فلا يُمثل ميناء بربرة مجرد مرسى، بل هو تنويع لاقتصادها بعيداً عن ممر بحري واحد، وحل جزئي لهشاشة الدولة الحبيسة التي تعاني من قيود الجغرافيا التي تكبلها. في المقابل، ترى الصومال أن هذه الصفقة انتهاك صارخ للسيادة، إذ تعتبر مقديشو صوماليلاند جزءاً من الجمهورية الاتحادية، وقد نددت بالصفقة ووصفتها بأنها غير قانونية ومزعزعة للاستقرار.

هذا هو السوق السياسية في أشد حالاتها نشاطاً: فالأصل نفسه يُمثل في آنٍ واحد بنية تحتية، وهوية، وحقاً قانونياً، ورمزاً دبلوماسياً.  وعليه، فإن اعتراض الصومال ليس مجرد عرقلة؛ بل يستند إلى سلامة ووحدة أراضيها، وسلطتها الفيدرالية، والخوف من أن تؤدي الصفقات الخارجية مع الكيانات دون الوطنية إلى إضعاف الدولة. أما حاجة إثيوبيا فليست وهمية؛ فالتبعية لكونها دولة حبيسة تخلق مخاطر اقتصادية واستراتيجية حقيقية. ولكن عندما تُبنى كل مطالبة على أساس صفقة تتعلق بالساحل، فإن منطق السوق قد يتجاوز المنطق المؤسسي الذي قد يكبح جماحها.

التغلغل الاسرائيلي

وإذا كان منطق السوق لا يخلو من مفاهيم انتهازية الصفقة، فإن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند يقدم مثالاً كاشفاً على تحوّل البحر الأحمر إلى سوق سياسية يتم من خلالها مقايضة الجغرافيا بالاعتراف والشراكات الأمنية. فقد أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بصوماليلاند في أواخر عام 2025، وهو تطور أثار اعتراضات دولية بما في ذلك الاتحاد الإفريقي، لأنه أضر مباشرة بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية، وهو مبدأ مستقر في التعاملات الدولية الإفريقية في فترة ما بعد الاستعمار. ولكن في منطق السوق السياسية، لم يكن الاعتراف مجرد موقف قانوني أو أخلاقي، بل بدا وكأنه تبادل استراتيجي: تحصل صوماليلاند على مكسب دبلوماسي طال انتظاره، بينما تحصل إسرائيل على موطئ قدم سياسي وأمني قرب باب المندب، في لحظة تتزايد فيها أهمية الممرات البحرية بسبب تهديدات الحوثيين واتساع المواجهة مع إيران وحلفائها. ومن هذه الزاوية، يصبح الساحل الصوماليلاندي جزءاً من هندسة أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني الممتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى اليمن والبحر الأحمر، حيث لا تُقاس قيمة الإقليم فقط بما يملكه من موانئ، بل بما يتيحه من مراقبة، وشراكات دفاعية، وقدرة على تعطيل أو موازنة شبكات الخصوم. غير أن خطورة هذا النموذج تكمن في أنه يحوّل الاعتراف الدولي، وهو من أكثر قضايا السيادة حساسية، إلى ورقة تداول في بورصة منافسة أمنية إقليمية، بما قد يفاقم النزاع بين مقديشو وهرجيسا ويفتح الساحل الصومالي أمام مزيد من الاستقطاب الخارجي.

جيبوتي ومفهوم العملة السياسية

تمثل جيبوتي نموذجاً آخر شديد الوضوح لتحوّل الموقع الجغرافي إلى عملة سياسية واقتصادية في سوق البحر الأحمر. فالدولة الصغيرة، محدودة الموارد الطبيعية وذات المناخ الصحراوي، استطاعت أن تعوّض ضعف قاعدتها الزراعية والصناعية عبر تحويل موقعها عند مضيق باب المندب إلى أصل قابل للتأجير والتمويل والمساومة. فمن جهة، جعلت من موانئها ومناطقها الحرة وسككها الحديدية - كما ذكرنا آنفاً - بوابة شبه حصرية لتجارة إثيوبيا البحرية، إذ تمر عبرها غالبية واردات وصادرات الدولة الإثيوبية الحبيسة، بما يمنح جيبوتي دخلاً مستمراً ونفوذاً تفاوضياً على أحد أكبر اقتصادات شرق أفريقيا. ومن جهة ثانية، سوّقت استقرارها النسبي وموقعها الحساس للقوى الكبرى، فاستضافت قواعد عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية وإيطالية، محوّلة الأمن الإقليمي إلى مصدر ريع سيادي منتظم. كما دخلت الصين بقوة من خلال تمويل ميناء دوراليه، وخط سكة حديد أديس أبابا-جيبوتي، ومناطق التجارة الحرة، ومشروعات المياه والاتصال الرقمي، بما ربط موقع جيبوتي بمبادرة الحزام والطريق وحوّلها إلى عقدة لوجستية واتصالية بين إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. بهذا المعنى، لا تبيع جيبوتي سلعة تقليدية بقدر ما تبيع إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر، وإلى باب المندب، وإلى شبكات الكابلات البحرية، وإلى مسرح أمني بالغ الحساسية. غير أن هذا النجاح يحمل مفارقة السوق السياسية نفسها: فكلما زادت قيمة الموقع، زادت تبعية الدولة للريع الاستراتيجي، وللاستقرار في إثيوبيا والصومال، ولرغبة القوى الخارجية في دفع ثمن الحضور. ولذلك، فإن نموذج جيبوتي يوضح كيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى رأس مال، لكنه يبيّن أيضاً حدود التنمية حين يصبح الموقع أهم من الإنتاج، والريع أهم من التحول الاقتصادي الداخلي.

هل ثمة وجه آخر للسوق السياسية؟

يقدم السودان نسخة أكثر قتامة لمفهوم السوق السياسية. فمنذ الحرب العبثية التي بدأت في أبريل 2023، تعمل الدوائر الحكومية والوكالات الدبلوماسية والمنظمات الدولية من ميناء بورتسودان رغم عدم نقل العاصمة رسمياً إليه، وقد استغلت الأطراف المتحاربة مزاعم الحكم المتنافسة لفرض شرعيتها في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية. وبالتالي، أصبح ميناء بورتسودان أكثر من مجرد بوابة السودان البحرية؛ فهو ملاذ إداري في زمن الحرب، ونقطة توزيع للمساعدات، ومنصة للتعامل الدبلوماسي. وفي ظل اقتصاد حرب مجزأ، لا تقتصر السيطرة على الميناء على توليد الإيرادات فحسب، إذ يُساعد ذلك في تحديد الجهة المخوّلة بالتحدث باسم الدولة.

كما تمثل الصومال الوجه الآخر للعملة السياسية في البحر الأحمر. فإذا كانت جيبوتي قد نجحت في تحويل الموقع إلى ريع استراتيجي منظم، فإن الصومال تكشف كيف يمكن للجغرافيا نفسها أن تصبح موضوعاً للتنازع الداخلي والخارجي حين تغيب السلطة المركزية القادرة على تنظيمها. فامتداد الساحل الصومالي على خليج عدن والمحيط الهندي يمنح البلاد موقعاً استثنائياً قرب باب المندب، لكنه في الوقت نفسه جعل الموانئ والسواحل أدوات في صراع بين مقديشو، وصوماليلاند، وبونتلاند، والقوى الإقليمية والدولية الساعية إلى النفوذ. وهكذا لا يظهر الساحل الصومالي بوصفه أصلاً وطنياً موحداً، بل كساحة مجزأة تُستخدم فيها الموانئ والاعترافات والشراكات الأمنية كأوراق تفاوضية في سوق سياسية مفتوحة على البحر الأحمر.

حاصل القول، إن الخطر الأكبر يكمن في التفكير باعتبار هذا النظام القائم على المعاملات أمراً طبيعياً بحسبانه ببساطة "كتالوج أو طريقة عمل المنطقة". وعلى أية حال، تكمن قوة هذا الإطار المفاهيمي في كشفه عن المساومة الكامنة وراء المؤسسات الرسمية، لكن لا ينبغي اتخاذه ذريعة لقبول عالم تُباع فيه السيادة والاعتراف والأمن البحري لمن يدفع أكثر. فالموقع الاستراتيجي عملة سياسية، لكن هذه العملة قابلة للاستغلال. إذا تحوّل كل ميناء إلى ورقة مساومة، وكل ممر مائي إلى نقطة ضغط، وكل عقد إيجار قاعدة عسكرية إلى أداة في يد النظام، فإن البحر الأحمر سيخضع لحكم إعادة تقييم المخاطر بشكل مستمر أكثر من حكم القانون. وخلاصة المسألة تتمثل في عدم إنكار السوق بحد ذاتها، بل ضبط آلياتها. إذ تحتاج الدول غير الساحلية إلى وصول موثوق وبأسعار معقولة إلى البحر. وتحتاج المجتمعات الساحلية إلى تنمية لا تحوّلها إلى أوراق مساومة. كما تحتاج السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع إلى مسارات سياسية لا تعتمد على صفقات جانبية مزعزعة للاستقرار. وفي الوقت نفسه تحتاج الحكومات الفيدرالية إلى سيادة تتمتع بالمصداقية الكافية لاستيعاب الأقاليم المكونة لجسد الاتحاد بدلاً من قمعها. وعلى الشاكلة نفسها تحتاج القوى الخارجية إلى شحن آمن، ولكن ليس من خلال عسكرة كل ميناء. لقد أصبح الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر بالفعل عملة سياسية. والمعضلة الأمنية الآن هي ضمان ألا يصبح هو العملة الوحيدة ذات القيمة. 

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.