مقالات

الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي: التوظيف الأميركي الداخلي والخارجي

post-img

الحواس تقية (مركز الجزيرة للدراسات)

الاتفاق بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية يندرج في حسابات عديدة، أحدها التنافس الجاري داخل الولايات المتحدة بين فصيلين كبيرين يكوِّنان قاعدة الرئيس دونالد ترامب الجمهورية، وهما فصيل إعادة العظمة الأميركية مجددًا الذي يمثله نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، المدافع عن وقف الحملات العسكرية الأميركية في الخارج، والفصيل الثاني هو التيار الجمهوري التقليدي الذي يستمد تقاليده من القادة الجمهوريين المفضِّلين لاستعمال العصا في علاقاتهم الخارجية ودعم إسرائيل، ويمثل هذا التيار وزير الخارجية، مارك روبيو.

تكشف الاتفاقات التي رعاها كل منهما عن توجهاتهما، فلقد رعى فانس اتفاق مذكرة إطار التفاهم مع إيران، ورعا روبيو الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني، والاتفاقان متعارضان ويخدمان أجندة كل منهما. فاتفاق مذكرة التفاهم يعرض وقف الحرب مع إيران مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان والانسحاب من المناطق المحتلة، لكن اتفاق لبنان وإسرائيل قائم على وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان والانسحاب من جنوبه مقابل نزع سلاح حزب الله. لا يتضمن اتفاق أميركا وإيران نزع سلاح حزب الله بل إن إيران لا تريد نزع سلاحه لأنه أحد ضمانات التزام الولايات المتحدة وإسرائيل ببنود الاتفاق معها، وهذا يتعارض بالكامل مع الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي الذي يمنح إسرائيل البقاء في المناطق اللبنانية المحتلة ونزع سلاح حزب الله، في مكان ما أخذه منها اتفاق مذكرة التفاهم مع إيران، وهو وقف الهجمات على لبنان والإنسحاب من المناطق المحتلة من لبنان مقابل تعهد إيران بوقف الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

الانقسام الجمهوري

نقل العديد من التقارير هذا التمايز بين فانس وروبيو في دور الولايات المتحدة بالخارج، وفسرت ذلك بمزيج من معتقداتهما الشخصية واستثماراتهما السياسية في جزء من القاعدة الجمهورية استعدادًا للتنافس بينهما على ترشيح الحزب الجمهوري لأحدهما في الانتخابات الرئاسية القادمة، في 2028. وقد نقل تقرير للأسوشيتد برس، في 1 أبريل/نيسان 2026، أن هذا التمايز بين الطرفين ظهر في اجتماع للحكومة الأميركية خلال الحرب على إيران، فلقد قدم روبيو مرافعة حماسية دفاعًا عن الحرب، لكن فانس كان أكثر تحفظًا.

وظَّف الرئيس ترامب الطرفين في سياسته الخارجية والداخلية، فلقد كلَّف فانس بالتفاوض مع إيران، وصرَّح بأنه سينسب الفضل لنفسه إن نجح الاتفاق وسيحمِّله لفانس إن أخفق. وقد تكفل فانس بالتسويق للاتفاق داخليًّا وخارجيًّا، وهاجم من عارضه، وانتقد قيادات في الحكومة الإسرائيلية لأنهم يهاجمون ترامب الذي عقد الاتفاق مع إيران، وطلب منهم الكَفَّ عن انتقاد الحليف الوحيد الذي يهتم لأمرهم ويدافع عنهم، وذكَّرهم بفضل الولايات المتحدة في حمايتهم، وطالبهم باحترام التعارض في المصالح الأميركية والإسرائيلية في بعض الحالات. في المقابل، ظل روبيو متواريًا في الاتفاق مع إيران ولم يسوِّقه، ولم ينتقد إسرائيل. وقد وظَّف ترامب الاتفاق مع إيران لاسترضاء قاعدة ماغا الناقمة على الحرب مع إيران وتبعاتها الداخلية كارتفاع أسعار المحروقات.

أثار الاتفاق الأميركي مع إيران نقمة الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري، الممثل في ليندسي غراهام وعدد آخر من النواب الجمهوريين، الذين يعدونه خسارة لهيبة أميركا وتخليًا عن الدعم التقليدي للحليف الإسرائيلي، وتملصًا من الالتزام بالقاعدة الإنجيلية الصهيونية المؤمنة بأن إسرائيل جزء من معتقداتها، وارتدادًا عن التقليد الجمهوري في السياسة الخارجية الذي يمثله ثيودور روزفلت، صاحب سياسة العصا الغليظة والتدخلات الخارجية لفرض الإملاءات الأميركية، الذي عبَّر ترامب عن إعجابه به، فوظَّف ترامب روبيو للتوصل إلى الاتفاق بين إسرائيل ولبنان حتى يسترضي هذا التيار الجمهوري التقليدي، ويمنحه مكافأة تعوِّضه عن خسائر الاتفاق مع إيران.

يَظهر ضبط ترامب لأدوار الطرفين في منطقة الخليج أيضًا. يُلاحَظ أن روبيو الذي كان على هامش الاتفاق مع إيران هو الذي زار بعض الدول الخليجية، الإمارات والكويت والبحرين، وعقد اجتماعًا مع وزراء خارجية كل دول الخليج لتأكيد التعاون المشترك والالتزام الأميركي بأمن الخليج، وصدر عن اللقاء بيان يتضمن توافق المجتمعين على اعتبار إيران عامل التوتر والزعزعة بالمنطقة. وقد حرص روبيو على استبعاد مساهمة دول الخليج في إعادة إعمار إيران في الوقت الحالي، وتأكيده أن الولايات المتحدة لن تعقد اتفاقات مع إيران تضر التزاماتها مع دول الخليج، أو تحمِّلها تكاليف تلك الاتفاقات.

كان من المفترض أن يقوم بهذه الزيارة فانس الذي أشرف على اتفاق مذكرة التفاهم بين إيران وأميركا، لأنه المسؤول عن تداعياتها الإقليمية، لكن ترامب لم يكلفه، لأن فانس لا يعد إيران مشكلة بل جزءًا من الحل، وتشير أحاديثه إلى إشراك دول الخليج في مشاريع إعادة إعمار إيران، والاستثمار فيها، ومنع إسرائيل حتى لا تُفسد ذلك. يتضح من مشروع الطرفين أن فانس يرى أن إسرائيل هي العقبة أمام دور أميركا المستقبلي في المنطقة بينما يرى روبيو أن إيران هي العقبة أمام الدور الأميركي المستقبلي في المنطقة.

رهانات متعارضة

لا يزال رهان فانس ورهان روبيو في بدايتهما، وسيرجح نجاحَ أحدهما وإخفاق الآخر حظوظُ كل منهما في الانتخابات الرئاسية المقبلة واتجاه منطقة الشرق الأوسط مستقبلًا. ويعتمد نجاح أحد الرهانين على عوامل لا يتحكم فيها فانس أو روبيو بالكامل. من جهة، تصرُّ إيران على أن جبهة لبنان جزء من اتفاقها مع أميركا وأن إسرائيل ملزمة، حسب الاتفاق، بوقف الهجمات والانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة، وأن تنفيذ بقية بنود مذكرة التفاهم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بذلك. لكن الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي يفصل لبنان عن الاتفاق الإيراني-الأميركي بل ويتعارض معه، ويتضمن نزع سلاح حزب الله شرطًا للانسحاب الإسرائيلي من المناطق اللبنانية المحتلة ووقف الهجمات على لبنان وقوات حزب الله. هذا التعارض سيحدد نجاح رهان فانس أو رهان روبيو. إذا أصرَّت إيران على مطلبها في لبنان المنصوص في مذكرة التفاهم ثلاث مرات، سترفض مواصلة التفاوض وتنفيذ بقية الالتزامات، وتعود مجددًا إلى استعمال السلاح الاقتصادي من خلال إغلاق مضيق هرمز أو السلاح العسكري لإرغام الولايات المتحدة على تنفيذ التزاماتها في مذكرة التفاهم. وإذا وافق ترامب على ذلك، يقضي على الالتزامات الواردة في الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، فترتفع بذلك حظوظ فانس في الترشح عن الجمهوريين للانتخابات الرئاسية القادمة، وتتصاعد الضغوط على حكومة نتنياهو، فتتراجع شعبيته وقد يخسر الانتخابات الوشيكة، في شهر سبتمبر/أيلول، ويزداد التقارب الأميركي-الإيراني والتعاون الخليجي-الإيراني. لكن من جهة أخرى، إذا تمكَّن روبيو والداعمون له من المساندين لإسرائيل في الجمهوريين واللوبي اليهودي من إقناع ترامب بدعم الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي وإرغام إيران على التخلي عن المطالبة بجعل لبنان جزءًا من الصفقة، وتحمُّل التصعيد الإيراني، فإن ذلك يعزز حظوظ روبيو في الانتخابات الرئاسية، في 2028، فيمد في عمر الجناح الجمهوري التقليدي لفترة زمنية أخرى، حتى وإن كانت عوامل تآكله مستمرة وتقلص نفوذه وقاعدته.

على المدى القريب، قد يفضِّل ترامب الموازنة بين الجناحين الرئيسيين في الحزب الجمهوري، جناح فانس وجناح روبيو، حتى يحافظ على أكبر قدر من تماسك قاعدة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، للحفاظ على سيطرته على الكونغرس فيحمي نفسه وأقاربه وأعوانه من الملاحقات القانونية، ويحافظ على الحرية التي يتمتع بها في إدارة شؤون الولايات المتحدة الأميركية داخليًّا وخارجيًّا. قد يساعد هذا الاحتمال الراجح في فهم سلوك ترامب في المنطقة العربية الإسلامية خلال الفترة المتبقية قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو احتمال سعيه إلى تحصيل أكبر قدر من مكاسب الاتفاقين وتأجيل دفع مستحقات الالتزامات لأطول فترة حتى يحافظ على تماسك الحزب الجمهوري. قد يحرص ترامب على استمرار إيران في فتح مضيق هرمز أمام تصدير النفط حتى تظل أسعار الطاقة منخفضة في الولايات المتحدة فيخف التذمر من آثار الحرب. في المقابل، سيحرص على إطالة أمد الهدوء في الجبهة اللبنانية لأنها حاليًّا محل توافق عام، إيران تعدها تنفيذًا جزئيًّا لاتفاق مذكرة التفاهم مع إيران، بينما يسوِّقها نتنياهو والداعمون له في الولايات المتحدة على أنها مكسب كبير لإسرائيل لأنها بداية نزع سلاح حزب الله وقبول ببقاء مناطق لبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن يظل هذا التوازن هشًّا؛ لأن إيران قد تطالب الولايات المتحدة بإرغام إسرائيل على الانسحاب الكامل من المناطق اللبنانية المحتلة وإلا فإنها ستغلق مضيق هرمز، قد تحاول الولايات المتحدة في هذه الحالة إلزام إسرائيل بالانسحاب من بعض المناطق التي تسميها تجريبية، وقد تقبل إيران مرحليًّا بذلك، لكنه سيكون مؤقتًا أيضًا.

التوازن الهش

عمومًا قد يكون من الأرجح أن تمتنع إدارة ترامب عن تنفيذ أحد الاتفاقين تنفيذًا كاملًا لأنه سيتعارض مع الاتفاق الآخر، فيحدث تصدع داخل الحزب الجمهوري، وسيظل يمنع صدام متطلبات الاتفاقين والتنفيذ الانتقائي وتأجيل مرحلة الانفجار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، بتقديم محفزات لإيران وإسرائيل للحفاظ على هذا التوازن الهش أطول فترة ممكنة.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.