مقالات

من العقد الاجتماعي إلى اتفاق واشنطن: كيف فقدت السلطة اللبنانية شرعيتها؟

post-img

رضوان مرتضى (The Cradle)

ليست شرعية الدولة صفةً دائمة تمنحها الانتخابات أو الاعتراف الدولي أو احتكار السلاح. فالسلطة، في الفكر السياسي الحديث، لا تكتسب مشروعيتها من وجودها، بل من الوظيفة التي أُنشئت من أجلها. وقد اختصر الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، أحد أبرز منظّري الدولة الحديثة، هذه الفكرة حين اعتبر أن الناس تنازلوا عن جزء من حريتهم للدولة مقابل الأمن. فإذا عجزت عن حمايتهم، سقط المبرر الذي قامت عليه.

أما الفيلسوف الإنكليزي جون لوك، أحد آباء الليبرالية السياسية، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن السلطة تفقد مشروعيتها عندما تنقلب على الحقوق الطبيعية للمواطنين أو تحكم تعسفاً، وعندها يصبح للشعب حق مقاومتها. ويضيف الفيلسوف السويسري – الفرنسي جان جاك روسو أن الشرعية لا تقوم إلا بتمثيل الإرادة العامة، فإذا تحولت السلطة إلى أداة لفئة سياسية أو أصبحت خاضعة لإرادة خارجية، فإنها تكون قد نقضت العقد الاجتماعي الذي أنشأها.

هذه الأفكار ليست نقاشاً فلسفياً مجرداً، بل معياراً يمكن من خلاله تقييم أداء أي سلطة. فالدولة التي تعجز عن حماية حدودها، ولا تمنع قتل مواطنيها، وتقبل ببقاء الاحتلال على جزء من أراضيها، ثم توجّه كامل قوتها نحو جزء من شعبها، تكون قد بدّلت وظيفتها الأساسية. فهي لم تعد تحمي المجتمع، بل أصبحت تدير الأزمة على حسابه. هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان.

من مواجهة الاحتلال إلى ملاحقة المقاومة

فمنذ مطلع عام 2025، بدا أن السلطة اللبنانية أعادت تعريف مفهوم السيادة. لم يعد الاحتلال الإسرائيلي هو التهديد الأول الذي ينبغي مواجهته، بل أصبح السلاح الذي ترفعه المقاومة. ومع جلسة مجلس الوزراء في الثاني من آذار، انتقل هذا التحول من الخطاب السياسي إلى القرار الرسمي. فقد حصرت الحكومة الشرعية العسكرية بالدولة، وتعاملت مع الجناح العسكري لحزب الله باعتباره قوة غير شرعية ينبغي إنهاء وجودها.

قد يختلف اللبنانيون حول سلاح حزب الله، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن هذا القرار جاء فيما كانت إسرائيل لا تزال تحتل أراضٍ لبنانية، وتواصل عملياتها العسكرية داخل لبنان، وتقتل المدنيين بصورة شبه يومية. وهنا تكمن المفارقة: اختارت الدولة أن تبدأ باستعادة سيادتها من الداخل، لا من الاحتلال.

بعد جلسة الثاني من آذار، لم يبق القرار حبراً على ورق. بدأت حملة مداهمات وتوقيفات وإجراءات أمنية استهدفت أفراداً مرتبطين بالمقاومة، فيما وجد المقاوم الذي يقاتل على الحدود نفسه بين مطرقة إسرائيل وسندان السلطة اللبنانية. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة ترفع شعار احتكار السلاح، بقي السلاح الإسرائيلي يعمل بحرية داخل الأراضي اللبنانية، من دون أن تتمكن الدولة من فرض انسحاب أو وقف العدوان، أو حتى انتزاع ضمانات سيادية واضحة.

في الوقت نفسه، أعادت السلطة ترتيب مؤسساتها بما ينسجم مع هذا الخيار السياسي. توسّع دور رئاسة الجمهورية في إدارة الملفين الأمني والعسكري، وتزايد حضورها المباشر في توجيه الأجهزة. ثم جاء تعيين المدعي العام التمييزي أحمد رامي الحاج على رأس النيابة العامة التمييزية، ليكتمل انتقال القرار من المستوى السياسي إلى المستوى القضائي.

ليست المشكلة هنا في الأشخاص بقدر ما هي في وظيفة المؤسسات. فالقضاء، في أي دولة، هو الضامن لاستقلال القانون، لا أداة لتنفيذ الخيارات السياسية. وعندما تتزامن التعيينات القضائية مع مسار أمني يستهدف طرفاً لبنانياً، فيما تبقى الجرائم الإسرائيلية خارج أي ملاحقة فعالة، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زال القضاء يؤدي دوره الطبيعي، أم أصبح جزءاً من إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها؟

في هذه اللحظة تحديداً، يبدأ العقد الاجتماعي بالتصدع. فالسلطة لم تعد تقاس بما تملكه من أجهزة أمنية، بل بما تختار أن تستخدم هذه الأجهزة من أجله. وعندما تصبح أولويتها ملاحقة جزء من المجتمع، بينما يبقى الاحتلال قائماً، فإن الأزمة لا تعود أزمة سياسة، بل أزمة شرعية.

خمس جولات.. ووقف النار جاء من مكان آخر

هذا التحول الداخلي لم يكن معزولاً عن المسار الخارجي، بل سار بالتوازي معه. فمنذ نيسان وحتى حزيران عام ٢٠٢٦، شاركت السلطة اللبنانية في خمس جولات تفاوضية في واشنطن، قُدّمت للرأي العام على أنها الطريق الوحيد لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. غير أنّ معيار نجاح أي تفاوض هو نتائجه، لا عدد جلساته، والنتيجة كانت واضحة: لم تنجح تلك الاجتماعات في فرض وقف لإطلاق النار، ولا في انتزاع انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

في المقابل، جاء وقف إطلاق النار من مسار آخر تماماً. فقد ربطت إيران استمرار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بوقف العمليات العسكرية في لبنان، ولوّحت بإفشال مسار التفاهم واتخاذ خطوات تصعيدية إذا استمرت الحرب. وفي ظل هذا الضغط، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه مضطراً إلى الضغط على بنيامين نتنياهو للقبول بوقف إطلاق النار، حفاظاً على مصالح الولايات المتحدة ومسار التفاوض مع طهران.

وهنا تكمن المفارقة السياسية. فوقف إطلاق النار الذي عجزت خمس جولات تفاوضية لبنانية عن تحقيقه، جاء نتيجة توازنات إقليمية لا علاقة مباشرة للمفاوض اللبناني بها. وهذا وحده يطرح سؤالاً عن جدوى المسار الذي اختارته السلطة اللبنانية، وعن حقيقة الأولويات التي كانت تحكمه.

الأهم من ذلك أن وقف إطلاق النار، وفق الرؤية الإيرانية المعلنة، لم يكن سوى المرحلة الأولى من مسار أوسع. فقد أعلنت طهران أن الاتفاق يقوم على مرحلتين: الأولى تبدأ بوقف العمليات العسكرية، بما يتيح توقيع مسودة الاتفاق مع الولايات المتحدة، أما الثانية فتقضي بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان قبل التوقيع النهائي على الاتفاق النووي.

وحتى الآن، لم يحصل ترامب على الاتفاق الذي يسعى إليه مع إيران، ما يعني أن ورقة الضغط الأساسية لم تُستخدم بعد. وإذا أصبح إنجاز الاتفاق النووي مشروطاً بالانسحاب الإسرائيلي، فمن المرجح أن تعود واشنطن إلى ممارسة الضغط على حكومة نتنياهو، تماماً كما فعلت عندما أرغمتها على وقف إطلاق النار. وسيكون أي انسحاب من الجنوب ضربة سياسية قاسية لنتنياهو، لأنه سيظهر داخلياً كرئيس حكومة اضطر إلى التراجع تحت الضغط الأميركي والإقليمي.

في المقابل، لا يبدو أن المسار الذي اختاره رئيس الجمهورية جوزيف عون حقق أي نتيجة ملموسة حتى الآن. فإذا كانت الدولة لم تستطع أن تفرض على إسرائيل حتى السماح بإصلاح قسطل مياه داخل الأراضي اللبنانية، فمن الصعب تصور أن النهج نفسه سيؤدي إلى فرض انسحاب كامل. كما أن أي تفاهم دولي من هذا النوع، مهما بلغ حجمه السياسي، يبقى فاقداً لقيمته الدستورية ما لم يُقرّ وفق الآليات التي ينص عليها الدستور اللبناني، وفي مقدمتها موافقة مجلس النواب على المعاهدات التي تمس سيادة الدولة وحقوقها.

السيادة أم إعادة ترتيب الأولويات؟

لكن الأخطر لم يكن فشل المفاوضات، بل طبيعة الاتفاق الذي خرج من واشنطن. فقد جاء بيان الإطار الثلاثي ليكشف أن الأولوية لم تعد إنهاء الاحتلال، بل إعادة تشكيل الواقع الأمني داخل لبنان. وهذا ما يفسر الترحيب الإسرائيلي الواضح بالاتفاق.

فقد وصف بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه “إنجاز لإسرائيل”، وقال إن الحكومة اللبنانية أفشلت، من خلاله، المسعى الإيراني الرامي إلى فرض انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. والأخطر من ذلك قوله إن لبنان والولايات المتحدة اعترفا بحق إسرائيل في الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية طالما اعتبرت تل أبيب أن ذلك ضروري لأمنها.

بغض النظر عن السجال حول تفسير النصوص، فإن مجرد تقديم الاتفاق بهذه الصورة داخل إسرائيل يحمل دلالة سياسية بالغة. فالاتفاق الذي كان يفترض أن يكون مدخلاً لاستعادة السيادة، تحول في الخطاب الإسرائيلي إلى تثبيت لواقع أمني جديد يسمح باستمرار الاحتلال تحت مسمى “المنطقة الأمنية”. وهذا وحده يكفي لفهم سبب احتفاء القيادة الإسرائيلية به.

وهنا تحديداً تبدأ خطورة اتفاق واشنطن. فالمشكلة لا تكمن في بنوده التقنية فحسب، بل في الفلسفة السياسية التي يقوم عليها. فهو لا ينطلق من اعتبار الاحتلال الإسرائيلي المشكلة الأولى التي ينبغي إنهاؤها، بل من اعتبار سلاح المقاومة القضية الأكثر إلحاحاً. وبهذا المعنى، ينتقل مركز الثقل من مواجهة الاحتلال إلى إعادة تشكيل التوازن الداخلي، حتى لو بقي الاحتلال قائماً.

يتضح ذلك بوضوح في البند الرابع من الاتفاق، الذي تؤكد فيه الحكومة اللبنانية التزامها بـ”إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقَّق منه لجميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة”، قبل أن تطلب دعماً من “الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة لتحقيق هذه النتيجة”.

قد يختلف اللبنانيون حول تفسير هذا النص، لكن ما لا يمكن تجاهله أنه يجعل المطلب الأمني الإسرائيلي جزءاً من برنامج عمل الدولة اللبنانية، ويضع تنفيذه تحت قيادة الولايات المتحدة. والأخطر أنه يفتح الباب أمام إشراك أطراف خارجية في إدارة ملف سيادي داخلي، في وقت لا يتضمن فيه الاتفاق التزاماً مقابلاً بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو تحديد جدول زمني واضح للانسحاب.

ومن هنا جاء الترحيب الإسرائيلي بالاتفاق مفهوماً. فلم يكن نتنياهو مضطراً إلى إخفاء ارتياحه، بل أعلن صراحة أن الاتفاق مع الحكومة اللبنانية أحبط المسعى الإيراني الرامي إلى فرض انسحاب إسرائيل من الجنوب، وذهب أبعد من ذلك عندما شكر الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني على ما وصفه بـ”الشجاعة”. هذه ليست مجرد دعاية سياسية، بل قراءة إسرائيلية لاتفاق تعتبره مكسباً استراتيجياً.

روبيو، فانس.. من يصوغ سياسة واشنطن تجاه لبنان؟

لا يمكن فهم الاتفاق بين لبنان وإسرائيل من زاوية التفاوض الثنائي فقط، بل ينبغي وضعه ضمن إعادة تشكّل موازين القوى داخل واشنطن نفسها. فالسياسة الأميركية تجاه لبنان لم تعد تُصاغ حصراً داخل المؤسسات الرسمية، بل تتأثر أيضاً بالتنافس بين مراكز النفوذ داخل الإدارة والحزب الجمهوري، وبالضغوط التي تمارسها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وتحديداً اللوبي الصهيوني واللوبي اللبناني المسيحي المتطرف.

في هذا السياق، يرى كثيرون أن تنامي نفوذ التيار الأكثر قرباً من إسرائيل داخل الإدارة الأميركية عزّز فرص الدفع نحو اتفاق يمنح الأولوية للمصالح الإسرائيلية في لبنان. كما أن الصراع داخل المعسكر الجمهوري بين تيارات ذات مقاربات مختلفة للسياسة الخارجية شكّل عاملاً مؤثراً في رسم هذا المسار، إذ انعكس على آلية التعاطي مع الملف اللبناني.

ولم يقتصر هذا التأثير على واشنطن، بل وجد امتداده داخل لبنان أيضاً، عبر شبكة من الشخصيات السياسية والمالية والإعلامية المنتمية إلى اليمين المسيحي أو المتحالفة معه، والتي عملت خلال السنوات الأخيرة على بناء قنوات اتصال وتأثير مع دوائر القرار الأميركية.

لا سيما المصرفي أنطون صحناوي الذي كان له الدور الرئيسي في تعيين سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة وتعيين حاكم المصرف المركزي كريم سعيد، فضلاً عن نفوذه الكبير في القصر الجمهوري اللبناني.

وأدى هذا التقاطع بين الضغوط الخارجية والحلفاء المحليين إلى توفير بيئة سياسية أكثر تقبلاً لخيار التسوية بالشروط الأميركية والإسرائيلية. ومن هنا، لا يبدو الاتفاق مجرد نتيجة لتوازنات ميدانية، بل أيضاً ثمرة لتحالف سياسي عابر للحدود، يربط بين مراكز الضغط في واشنطن وشبكات النفوذ داخل لبنان، التي سعت إلى إعادة صياغة أولويات الدولة اللبنانية بما ينسجم مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية للمنطقة.

وفي واشنطن، لا يمكن فصل هذا المسار عن الصراع الصامت داخل اليمين الأميركي نفسه، وتحديداً بين خطّين يمثلهما ماركو روبيو وجيه دي فانس. فالأول يعبّر عن التيار الجمهوري التقليدي الأكثر التصاقاً بإسرائيل وبشبكات الضغط المؤيدة لها، بينما يمثّل الثاني توجهاً انعزالياً نسبياً، أكثر حذراً تجاه التورط الأميركي في ملفات الشرق الأوسط.

من هذه الزاوية، يصبح دعم اللوبي المؤيد لإسرائيل لروبيو في مواجهة فانس أكثر من تفصيل انتخابي أو حزبي. إنه مؤشر إلى الجهة التي تريد هذه الشبكات تمكينها داخل القرار الأميركي، خصوصاً في الملفات التي تمسّ إسرائيل مباشرة.

وبقدر ما يتقدّم خط روبيو داخل الإدارة، تتعزز المقاربة التي تنظر إلى لبنان من زاوية الأمن الإسرائيلي أولاً، لا من زاوية السيادة اللبنانية أو وقف الاعتداءات. لذلك، يمكن قراءة الاتفاق بين لبنان وإسرائيل كجزء من نتيجة هذا التوازن داخل واشنطن: انتصار نسبي للتيار الأقرب إلى إسرائيل على التيار الأكثر تحفظاً تجاه الانخراط الخارجي. وهذا ما يفسّر لماذا لم يكن الاتفاق مجرد تفاهم حدودي أو أمني، بل محطة سياسية عكست وزن اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركي.

وفي هذا الإطار، ومع اتساع دائرة التنافس داخل مراكز القرار، برزت معطيات إضافية حول طبيعة الصراع بين أجنحة النفوذ في واشنطن. إذ كشف مصدر أمني رفيع المستوى في الخليج لصحيفة ذا كرايدل أن جي دي فانس كان غاضباً بشدة من ماركو روبيو بعدما علم أن الأخير كان يخطط لزيارة دول الخليج من دون أي تشاور مسبق معه. واشتبه نائب الرئيس فانس في أن روبيو كان يعمل على تقويض الإنجاز الذي حققه بشقّ الأنفس، عبر ترتيبات خلف الكواليس مع جاريد كوشنر، وربما أيضاً مع ستيف ويتكوف.

وتتزايد شكوك فانس في وجود تحالف يضم روبيو وكوشنر وليندسي غراهام، يعمل على تهميشه ودفعه إلى الزاوية، في محاولة للتفوق عليه سياسياً استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي المقابل، لا يزال روبيو غير متأكد مما إذا كان هو نفسه يُستغل من قبل رئيسه، أم أن الرئيس هو في الواقع من يقع تحت تأثير صهره كوشنر وروبيو.

هل كانت أولوية السلطة إنهاء الحرب؟

هذا المشهد يعزز الانطباع بأن السلطة اللبنانية لم تكن تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره عبئاً سياسياً، بل فرصة لإعادة رسم التوازن الداخلي. فمن الصعب تفسير الحماسة التي أبدتها السلطة تجاه تنفيذ البنود المتعلقة بالمقاومة، مقابل العجز الكامل عن انتزاع أي التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب أو حتى بوقف الاعتداءات اليومية.

ولهذا بات من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت الجولات الخمس التي عقدتها السلطة في واشنطن قد سعت فعلاً إلى وقف إطلاق النار، أم أنها كانت تركز على مرحلة ما بعد الحرب أكثر من تركيزها على إنهائها. فالنتائج توحي بأن أولوية السلطة لم تكن إنهاء العدوان، بل استثماره لإعادة ترتيب المشهد الداخلي.

وإذا صح هذا التقدير، فإن اتفاق واشنطن لا يكون مجرد تفاهم أمني، بل محطة مفصلية في إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية. فمنذ الثاني من آذار، انتقلت السلطة تدريجياً من اعتبار إسرائيل العدو الأول إلى اعتبار المقاومة المشكلة الأكثر إلحاحاً. ومع اتفاق واشنطن، اكتمل هذا التحول سياسياً، بحيث أصبح الاحتلال ملفاً تفاوضياً مفتوحاً، بينما تحولت المواجهة مع المقاومة إلى التزام رسمي للدولة.

السيادة بين الداخل والخارج

وهنا تظهر المفارقة الأخطر. لقد رفعت السلطة شعار استعادة السيادة، لكنها مارست سيادتها على الطرف اللبناني فقط. استخدمت الأجهزة الأمنية والقضائية في الداخل، لكنها لم تتمكن من فرضها على الدولة التي تحتل أرضها. طالبت بنزع سلاح اللبنانيين، لكنها لم تحصل في المقابل على انسحاب إسرائيلي، ولا على وقف دائم للعدوان، ولا حتى على ضمانة تمنع إسرائيل من استئناف عملياتها العسكرية متى شاءت.

بل إن الاتفاق، بصيغته الحالية، يذهب أبعد من ذلك. فهو، بحسب منتقديه، لا يكتفي بإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، بل يقيّد أيضاً قدرة الدولة اللبنانية على استخدام الأدوات القانونية والسياسية المتاحة لها في مواجهة إسرائيل. فإذا التزمت الحكومة بوقف “الأعمال السلبية” في المحافل الدولية، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً حول مستقبل الملاحقات القانونية المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية، وحول قدرة لبنان على الاستمرار في استخدام المنابر الدولية لمساءلة إسرائيل.

بذلك، لا يصبح النقاش مقتصراً على السيادة العسكرية، بل يمتد إلى السيادة القانونية والسياسية أيضاً. فالدولة التي تتخلى عن حقها في ملاحقة من يحتل أرضها أو يرتكب جرائم بحق مواطنيها، لا تكون قد تنازلت عن ورقة تفاوضية فحسب، بل عن إحدى أهم أدوات العدالة التي تملكها. 

من العقد الاجتماعي إلى أزمة الشرعية

لهذا، لا تكمن خطورة اتفاق واشنطن في كونه مجرد تفاهم أمني أو وثيقة سياسية عابرة، بل في أنه يعكس تحولاً عميقاً في مفهوم الدولة اللبنانية ووظيفتها. فالدولة التي يفترض أن تكون وُجدت لحماية الأرض والدفاع عن المجتمع، باتت تعتبر أن أولويتها هي إعادة احتكار القوة في الداخل، حتى لو بقي الاحتلال قائماً، وحتى لو استمر قتل اللبنانيين وانتهاك سيادة البلاد بصورة يومية.

هنا، لا يعود السؤال متعلقاً بحزب الله وحده، ولا بجوزيف عون وحده، ولا حتى بالاتفاق نفسه. السؤال الحقيقي هو: ما الذي بقي من العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة اللبنانية؟

فالعقد الاجتماعي لا يفرض على المواطن طاعة السلطة لذاتها، بل يفرض على السلطة أولاً أن تقوم بالوظيفة التي أُنشئت من أجلها. فإذا أصبحت عاجزة عن حماية الحدود، وغير قادرة على منع احتلال أراضيها، ومتسامحة مع استمرار قتل مواطنيها، ثم استخدمت كامل أدواتها الأمنية والقضائية ضد جزء من مجتمعها، فإنها تكون قد أخلّت بجوهر العقد الذي يمنحها شرعية الحكم.

هذا ما يجعل اتفاق واشنطن، في نظر منتقديه، أخطر من اتفاق 17 أيار. فالأخير كان اتفاقاً سياسياً واضحاً مع إسرائيل، سقط سريعاً تحت ضغط الداخل اللبناني ورفضه الشعبي. أما الاتفاق الجديد، فيسعى إلى إعادة إنتاج النتائج نفسها، ولكن تحت عناوين مختلفة: استعادة السيادة، احتكار السلاح، الإصلاح الأمني، والدعم الدولي. إنه لا يطلب من لبنان الاعتراف بإسرائيل، لكنه يعيد ترتيب أولويات الدولة بما يجعل إنهاء المقاومة أكثر إلحاحاً من إنهاء الاحتلال.

ومن هنا، يصبح من المفهوم لماذا استقبلت إسرائيل الاتفاق بارتياح. فهي لم تحصل فقط على آلية أمنية جديدة، بل على تبدل في وظيفة السلطة اللبنانية نفسها. فبدلاً من أن يكون الاحتلال هو القضية المركزية، أصبحت الأولوية الرسمية هي معالجة السلاح اللبناني. وبدلاً من أن تنشغل الدولة بفرض الانسحاب الإسرائيلي، انشغلت بإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والقضائية لتنفيذ برنامج داخلي يتوافق مع مقتضيات الاتفاق.

وفي هذا السياق، لا تبدو تصريحات بنيامين نتنياهو مجرد استهلاك إعلامي. فعندما يقول إن الاتفاق مع الحكومة اللبنانية أفشل المسعى الإيراني لإجبار إسرائيل على الانسحاب، وإن لبنان والولايات المتحدة اعترفا بحق إسرائيل في الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل لبنان، فهو يقدم قراءة سياسية لما يعتبره أحد أهم الإنجازات الإسرائيلية منذ انتهاء الحرب.

قد تكون هذه القراءة موضع خلاف، لكن مجرد قدرة رئيس حكومة الاحتلال على تقديم الاتفاق بهذه الصورة، من دون أن يصدر نفي لبناني واضح وحاسم لمضمونه، يعكس حجم الأزمة التي ولّدها الاتفاق داخلياً.

ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي. فحتى من الناحية الدستورية، لا يملك رئيس الجمهورية أو السلطة التنفيذية وحدهما صلاحية إبرام اتفاقات تمس سيادة الدولة بصورة نهائية من دون المرور بالآليات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس النواب، الذي يعود إليه البت في المعاهدات التي ترتب التزامات على الدولة أو تمس حقوقها وسيادتها.

وربما لهذا السبب أيضاً، لا تزال الطريق إلى أي تسوية نهائية غير معبّدة. فالمفاوضات الأميركية – الإيرانية لم تصل إلى خواتيمها، والانسحاب الإسرائيلي، إذا حصل، سيبقى مرتبطاً بتوازنات إقليمية معقدة لا بالمسار اللبناني وحده. وهذا يعني أن الاتفاق الذي احتفت به السلطة قد لا يكون المحطة الأخيرة، بل مجرد مرحلة في مسار لم تُحسم نتائجه بعد.

لكن، بصرف النظر عما ستؤول إليه المفاوضات الإقليمية، يبقى الأثر الأخطر داخلياً. فمنذ جلسة الثاني من آذار، مروراً بإعادة توجيه الأجهزة الأمنية، وتفعيل المسار القضائي، ووصولاً إلى اتفاق واشنطن، سارت السلطة اللبنانية في اتجاه واحد: إعادة تعريف العدو، وإعادة تعريف السيادة، وإعادة تعريف وظيفة الدولة.

وهنا تعود الفلسفة السياسية لتلتقي بالواقع اللبناني.

لم يقل هوبز إن الدولة تفقد شرعيتها عندما تخسر حرباً. ولم يقل لوك إنها تسقط لأنها تعجز في معركة. ولم يقل روسو إن وجود المؤسسات وحده يكفي لاستمرار السلطة. ما أجمعوا عليه، كلٌّ بطريقته، هو أن الدولة تفقد مشروعيتها عندما تتخلى عن الغاية التي أنشئت من أجلها.

والغاية الأولى لأي دولة ليست إدارة الاحتلال، بل إنهاؤه. وليست ملاحقة من يقاومه، بل حماية مجتمعها وسيادتها.

عندما يصبح الاحتلال أمراً قابلاً للتكيّف، ويصبح قتل المواطنين واقعاً يمكن التعايش معه، وتتحول أدوات الدولة إلى وسيلة للضغط على جزء من شعبها أكثر مما هي وسيلة للدفاع عنه، فإن الأزمة لا تعود أزمة حكومة أو رئيس أو اتفاق سياسي، بل أزمة شرعية الدولة نفسها.

وعند هذه النقطة، يصبح السؤال الذي بدأ به هذا المقال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل ما زالت السلطة اللبنانية تمارس الوظيفة التي منحها الشعب شرعيتها من أجلها، أم أنها أصبحت سلطة تشرع الاحتلال لحماية نفسها، ولو كان الثمن إعادة تعريف السيادة بما يتوافق مع موازين القوة، لا مع حقوق الدولة ووظائفها الأساسية؟ لا سيما بعدما وضع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون يده في يد المجرم بنيامين نتنياهو، المسؤول عن واحدة من أبشع المجازر والإبادات الجماعية في العصر الحديث. وقرر الاتفاق مع سفّاح يقتل اللبنانيين والفلسطينيين يومياً، فيما تتجه دول العالم إلى مقاطعة إسرائيل وعزلها بسبب الجرائم التي ارتكبتها بحق أكثر من مئة ألف مدني في فلسطين ولبنان. واختار الرئيس اللبناني الانحياز إلى الاحتلال ليكشف عن وجهه الحقيقي، فبرّر بقاءه على أرض لبنان ومنحه غطاءً سياسياً، متجاهلاً أن إسرائيل لا تزال تحتل أراضٍ لبنانية، وتواصل قتل اللبنانيين والاعتداء على سيادة البلاد.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.