دراسات

دور شركات التكنولوجيا الكبرى والحوسبة السحابية في زمن الحروب الحديثة

post-img

فاتن برازي (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

أصبحت الحوسبة السحابية خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من البنية الرقمية التي تعتمد عليها الحروب الحديثة بغية جمع المعلومات وتحليلها، وتنسيق العمليات، وتسريع اتخاذ القرار، ولا سيما في الحرب على غزة ولبنان وإيران وبصورة أقل في الحرب الروسية على أوكرانيا.  فلم تعد إدارة العمليات العسكرية محصورة بغرف قيادات تقليدية أو مراكز ميدانية مغلقة، إنما باتت تعتمد على شبكات رقمية واسعة تتيح تخزين البيانات وتشغيل التطبيقات ومعالجة المعلومات عبر خوادم بعيدة متصلة بالإنترنت، عوضاً عن الاكتفاء بالبنى المحلية داخل المؤسسات العسكرية.

وفي هذا السياق، تتحول السحابة من أداة تقنية مساعدة إلى طبقة تشغيلية تربط بين عدة مصادر للمعلومات: كأنظمة الاستطلاع، والطائرات المسيّرة، وصور الأقمار الصناعية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات العسكرية. وعبر هذا الربط، يصبح بالإمكان نقل البيانات ومعالجتها وتوزيعها بسرعة أكبر بين الجهات المعنية بالتخطيط والتنفيذ.

ويعكس هذا التحول تغيراً واسعاً في طبيعة الحرب الحديثة. فالمعركة اليوم لا تُدار في الميدان وحده، بل أيضاً عبر بنية رقمية قادرة على جمع كميات هائلة من البيانات وتحويلها خلال وقت قصير إلى معلومات قابلة للاستخدام العملياتي. وتزداد أهمية هذه القدرة مع توسّع العمليات العسكرية عبر مجالات متنوعة، تشمل الجو، والبر، والبحر، والفضاء، والفضاء السيبراني، وهو ما يتطلب أنظمة قادرة على الربط والتحليل والتنسيق في الوقت نفسه.

هنا، يبرز الدور المتنامي لشركات التكنولوجيا الكبرى، فالجيوش لا تحتاج إلى معدات قتالية أو أنظمة اتصالات مغلقة فحسب، بل أيضاً إلى قدرات رقمية واسعة يصعب على المؤسسات العسكرية تطويرها أو تشغيلها منفردة بالحجم والسرعة المطلوبين. وتمتلك شركات كـ "Amazon" و"Google" و"Microsoft" بنى تحتية وخبرات تسمح باستضافة بيانات ضخمة، ومعالجة الصور الجوية وصور الأقمار الصناعية، وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وربط آلاف المستخدمين والأنظمة ضمن بيئة تقنية واحدة.

وفي صدد ذلك، لا يمكن النظر إلى الحوسبة السحابية دائماً كخدمة تقنية محايدة بالكامل؛ إذ تندرج في كثير من الأحيان ضمن منظومة متكاملة تخدم أغراض القيادة والسيطرة، وتُسرّع انتقال المعلومات من مرحلة الرصد إلى التحليل، ثم إلى الاستخدام العملياتي. وعلى الرغم من أنها لا تنتج القرار العسكري بذاتها، فإنها يمكن أن تساهم في تنظيم تدفق البيانات وتحويلها إلى مدخلات مؤثرة في هذا القرار.

هذا الواقع يجعل شركات التكنولوجيا الكبرى طرفاً مهما في النقاش بشأن الحرب والمساءلة، حتى عندما لا تكون مصنِّعة للسلاح بالمعنى المباشر. فالحروب الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الخوادم، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وأنظمة المراقبة، والقدرة على معالجة معلومات ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة.

لذلك، يصبح السؤال عن دور شركات التكنولوجيا في الحروب سؤالاً مركزياً لا هامشياً. فحتى إذا لم تكن هذه الشركات حاضرة ميدانياً في ساحات القتال، فإن البنى الرقمية التي توفّرها قد تُستخدم في تشغيل أو دعم أنظمة قادرة على الرصد، والتتبع، وتحليل الأهداف، وتسريع القرار العسكري. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مساءلة أوسع بشأن شفافية العقود، وحدود المسؤولية، وطبيعة الاستخدامات العسكرية للتقنيات التجارية. 

من السحابة الحكومية إلى الجدل حول الاستخدام العسكري

تُقدّم "Microsoft"، عبر منصة "Azure"، خدمات حوسبة سحابية تشمل تخزين البيانات، وتشغيل التطبيقات، ومعالجة المعلومات، وربط الأنظمة الرقمية ضمن بيئات آمنة وقابلة للتوسّع. وفي السياقات الحكومية والدفاعية، توفّر الشركة خدمات متخصصة كـ"Azure Government" و"Azure" "Government DoD"، وهي بيئات مصممة لتلبية متطلبات جهات حكومية وأمنية أميركية. وتشير وثائق "Microsoft" إلى أن "Azure Government" تدعم أعباء عمل مرتبطة بمتطلبات وزارة الدفاع الأميركية، بما في ذلك تصنيف "DoD Impact Level 5 / IL5"، المخصص لبيانات غير مصنّفة، لكنها ذات حساسية عالية وتتطلب مستوى شديد من الحماية.

لا تقتصر أهمية "Azure" في هذا المجال على التخزين أو الاستضافة، بل تشمل أيضاً أدوات التحليل، والذكاء الاصطناعي، وتعلّم الآلة (Machine learning)، وربط مصادر البيانات المتنوعة. لذلك، تمثّل السحابة مثالاً واضحاً على التقنيات مزدوجة الاستخدام: فهي قد تخدم قطاعات مدنية: كالتعليم، والصحة، والإدارة العامة، لكنها قد تُستخدم أيضاً في بيئات أمنية ودفاعية لمعالجة بيانات حساسة أو دعم أنظمة تحليل ومراقبة وقيادة وسيطرة.[1] 

في شباط/فبراير 2025، نشرت "The Associated Press" تحقيقاً ذكر أن شركات تكنولوجيا أميركية، بينها "Microsoft" و"OpenAI"، وفّرت نماذج ذكاء اصطناعي وخدمات حوسبة سحابية للجيش الإسرائيلي. وبحسب التحقيق، ازداد اعتماد الجيش الإسرائيلي على هذه القدرات خلال الحرب، بما في ذلك ما يتعلق بسياقات مرتبطة بغزة ولبنان؛ الأمر الذي أثار أسئلة أوسع بشأن دور شركات التكنولوجيا التجارية في البنية التقنية للعمليات العسكرية.[2] 

ومن المهم هنا، التمييز بين توفير البنية أو الخدمة التقنية من جهة، واتخاذ القرار العسكري المباشر من جهة أُخرى. فالتحقيق لا يقول إن "Microsoft" تختار الأهداف بنفسها، إنما يناقش دور خدماتها داخل منظومة أوسع تقوم على جمع البيانات وتحليلها واستخدامها عملياتياً.[3] 

وفي أيار/مايو 2025، قالت "Microsoft"، وفقاً لما نقلته "The Associated Press" وبيان الشركة الرسمي إنها باعت خدمات ذكاء اصطناعي وحوسبة سحابية متقدمة، بينها "Azure"، للجيش الإسرائيلي خلال الحرب في غزة. وأشارت التقارير إلى أن هذه الخدمات ساعدت في تحديد مواقع الرهائن الإسرائيليين. في المقابل، قالت الشركة في بيانها إنها لم تجد، حتى ذلك التاريخ، دليلاً على أن "Azure" أو تقنيات الذكاء الاصطناعي التابعة لها استُخدمت لإلحاق الأذى بأشخاص في غزة أو استهدافهم.[4] 

وتوسّع الجدل بشأن "Azure" بعد تحقيق نشرته "The Guardian" في آب/أغسطس 2025، بالتعاون مع "+972 Magazine" و"Local Call"؛ إذ ذكر أن وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 استخدمت منصة "Azure" من أجل تخزين كميات كبيرة من تسجيلات مكالمات فلسطينيين على خوادم "Microsoft" في أوروبا. وبحسب التحقيق، فقد ارتبط المشروع بمنظومة مراقبة واسعة النطاق، مع ادعاءات بأن البيانات المخزنة استُخدمت أو كان يمكن استخدامها لدعم عمليات عسكرية وتحديد أهداف في غزة.

بعد ذلك، ذكرت "The Guardian" أن "Microsoft" فتحت تحقيقاً خارجياً عاجلاً في الادعاءات المتعلقة باستخدام تقنيتها في مراقبة جماعية للفلسطينيين. ووفقاً للصحيفة، فقد اعتبرت الشركة أن استخدام تقنيتها لتخزين هذا الحجم من المكالمات المعترضة يمكن أن يشكّل خرقاً لشروط استخدامها؛ إذ إن شروط الاستخدام هي الاتفاقية القانونية التي تحدد الاستخدامات المسموح بها وغير المسموح بها لخدمات "Microsoft" و"Azure"، وتكتسب شروط الاستخدام أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ إن ثبوت خرقها يمكن أن يتيح للشركة تعليق الخدمات أو تقييدها أو إنهاء بعض الاشتراكات وفقاً لشروطها، وهو ما يبيّن أن شروط الاستخدام ليست تفصيلاً تقنياً، إنما أداة تعاقدية يمكن أن تحدد حدود استمرار الخدمة عند ظهور استخدامات محظورة أو عالية الخطورة.[5] 

وقد تزامنت هذه التطورات مع احتجاجات داخلية وحملات قادها موظفون حاليون وسابقون في "Microsoft"، فقد ذكرت "The Associated Press" أن الشرطة أوقفت 18 شخصاً خلال احتجاجات في مقر الشركة في ريدموند، على خلفية الاعتراض على عقود مرتبطة بتقديم خدمات ذكاء اصطناعي وحوسبة سحابية للجيش الإسرائيلي. كما ذكرت "Reuters" أن Microsoft فصلت أربعة موظفين شاركوا في احتجاجات داخل مقار الشركة ضد علاقاتها بإسرائيل، بينما قالت الشركة إن قرارات الفصل جاءت بسبب خروقات لسياساتها الداخلية.

وفي 25 أيلول/سبتمبر 2025، نشرت Microsoft بياناً رسمياً قالت فيه إنها أوقفت مجموعة من الخدمات لوحدة داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية وعطّلتها وذلك بعد مراجعة مرتبطة بهذه التقارير، لكن هذا القرار لم يكن إعلاناً بإنهاء جميع علاقات Microsoft أو كل خدماتها للجهات الإسرائيلية، بل إجراءً محدداً طال مجموعة خدمات ووحدة معينة. وذكرت "Reuters" و"The Guardian" لاحقاً أن الإجراء شمل وقف وصول وحدة 8200 إلى بعض خدمات "Azure" والذكاء الاصطناعي، مع بقاء علاقات أُخرى خارج نطاق القرار.[6] 

وفي أيار/مايو 2026، عاد الملف إلى الواجهة بعد أن ذكرت "The Guardian" أن رئيس فرع "Microsoft" في إسرائيل، Alon Haimovich، سيغادر منصبه عقب تحقيق داخلي دقّق في تعاملات الشركة مع الجيش الإسرائيلي ووحدة 8200 وهي وحدة الجمع المركزية في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتعمل في الفضاء السيبراني بهدف تحقيق تفوق استخباراتي على مختلف مستويات المنظومة الأمنية، من المستوى الميداني حتى المستوى السياسي. وبحسب الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي، تشمل مهامها تطوير وتشغيل أدوات الجمع والتحليل والمعالجة ونشر المعلومات للجهات العملياتية داخل الجيش وخارجه، وهو ما يجعلها من أبرز الوحدات الاستخباراتية والتقنية في الجيش الإسرائيلي. وبحسب التقرير، ركّز التحقيق على ما إذا كان بعض موظفي "Microsoft" في إسرائيل قد قدّموا معلومات غير كاملة أو غير شفافة للإدارة العليا بشأن طبيعة استخدام "Azure" في مشروع مراقبة واسع النطاق. وما يعزز هذا التطور أن الجدل حول "Microsoft" لم يتوقف عند قرار تعطيل بعض الخدمات في أيلول/سبتمبر 2025، إنما امتد إلى مساءلة داخلية حول الحوكمة، والشفافية، وآليات مراقبة الاستخدام العسكري للتقنيات السحابية.[7]  

Project Nimbus بين تحديث الخدمات العامة والاعتراضات الحقوقية

تقدّم "Google"، عبر "Google Cloud"، خدمات حوسبة سحابية تشمل التخزين، وتشغيل التطبيقات، وإدارة قواعد البيانات، والتحليلات، والذكاء الاصطناعي، وتعلّم الآلة. كما تُعد "Amazon Web "Services / AWS واحدة من أكبر منصات الحوسبة السحابية في العالم، وتوفّر خدمات تشمل تشغيل الخوادم الافتراضية، وتخزين البيانات، والشبكات، والأمن السيبراني، وأدوات التحليل وإدارة التطبيقات. وفي الاستخدام المدني، تُستخدم هذه الخدمات لدعم مؤسسات حكومية، ومستشفيات، ومدارس، وشركات، ومنصات إعلامية.[8] 

يدخل اسما "Google" و"Amazon" في هذا النقاش بصورة أساسية عبر "Project Nimbus"؛ وهو مشروع سحابي كبير فازت به الشركتان مع الحكومة الإسرائيلية سنة 2021. وذكرت "Reuters" عند الإعلان عن المشروع أن قيمته تتجاوز مليار دولار، وأنه يهدف إلى توفير خدمات سحابية للقطاع العام والجيش. وتعرِض الشركتان المشروع بصفته جزءاً من تحديث الخدمات الحكومية وتسريع التحول الرقمي، بينما تشير تغطيات وتحقيقات صحافية إلى أن نطاقه يشمل أيضاً مؤسسات أمنية وعسكرية. وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: صعوبة الفصل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية عندما تصبح البنية السحابية التجارية جزءاً من البنية الرقمية للدولة نفسها.[9] 

تقول "Google" إن "Project Nimbus" لا يشمل أعمالاً عسكرية أو استخباراتية شديدة الحساسية، وإنه مخصص لأعباء عمل حكومية في مجالات كالمالية، والصحة، والنقل، والتعليم. غير أن الجدل حول المشروع نشأ بسبب العقد الذي وُقّع مع حكومة تدير مؤسسات أمنية وعسكرية وتخوض نزاعات، وهو ما يفتح سؤالاً أوسع بشأن إمكان استخدام البنية السحابية والذكاء الاصطناعي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في سياقات مراقبة أو حرب.[10] 

وفي آب/أغسطس 2023، أعلنت "Amazon" إطلاق منطقة "AWS Israel/Tel Aviv Region"، وقالت إنها تخطط لاستثمار نحو 7.2 مليارات دولار في إسرائيل حتى سنة 2037. وتوضح "AWS" أن هذه المنطقة تتيح للعملاء تشغيل التطبيقات وتخزين البيانات داخل إسرائيل، مع تحسين الأداء وتقليل زمن الاستجابة. كما تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها لا تتعلق فقط بالكفاءة التقنية، بل أيضاً بمسائل السيادة الرقمية، وتوطين البيانات، وتقليل الاعتماد على مراكز بيانات خارجية.[11] 

ويرتبط ذلك مباشرةً بـ"Project Nimbus". فقد قالت "AWS" إن الحكومة الإسرائيلية اختارتها كمزوّد سحابي أساسي ضمن إطار المشروع، بما يسمح للوزارات والهيئات والمؤسسات العامة بتسريع التحول الرقمي باستخدام تقنيات "AWS" ويُبرز هذا الخطاب الجانب المدني والإداري من المشروع، لكنه لا يلغي الإشكالية الأوسع المرتبطة بإدخال بنية سحابية تجارية إلى بيئة تضم مؤسسات أمنية وعسكرية فاعلة.[12] 

تكشف حالة "Google" و"Amazon" أيضاً اختلافاً في طبيعة الظهور العلني داخل المشروع. فقد ارتبط اسم "Google" بصورة أوضح بالنقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والاحتجاجات الداخلية، بينما تظهر "Amazon" بصورة أكبر كمزوّد للبنية التحتية السحابية المحلية، وقدرة التخزين، وربط المؤسسات المختلفة ضمن بيئة رقمية مشتركة. وفي الحالتين، تصبح أسئلة كمكان تخزين البيانات، ومَن يملك حق الوصول إليها، وما قدرة الشركات على وقف أو تقييد الخدمة، أسئلة مركزية في النقاش بشأن المسؤولية.

وقد أثار "Project Nimbus" اعتراضات واسعة داخل "Google" وخارجها. ففي نيسان/أبريل 2024، ذكرت "Reuters" أن "Google" فصلت 28 موظفاً بعد احتجاجات ضد العقد، بينما قالت الشركة إن الموظفين خرقوا سياساتها وعطّلوا العمل داخل المكاتب. في المقابل، قال المحتجون إن الفصل جاء بسبب اعتراضهم على عقد يرونه مرتبطاً باستخدامات عسكرية وأمنية. كما ذكرت "The Associated Press" أن عدد الموظفين المفصولين على خلفية احتجاجات مرتبطة بـ"Project Nimbus" تجاوز 50 موظفاً، بحسب المجموعة التي تمثّل العاملين المحتجين.[13] 

وكما في حالة "Google"، أثار المشروع انتقادات من حملة "No Tech for Apartheid"، التي تستهدف "Google" و"Amazon" معاً وتطالب بإنهاء العقد بسبب مخاوف من استخدام البنية السحابية والذكاء الاصطناعي في مراقبة الفلسطينيين أو دعم سياسات أمنية وعسكرية. وفي سنة 2025، بدأت الاحتجاجات المرتبطة بـ"Project Nimbus" تظهر بصورة أوضح داخل "Amazon" نفسها، بعد أن ذكرت تقارير إعلامية أن موظفين وناشطين نظموا احتجاجات خلال فعاليات ومؤتمرات "AWS" اعتراضاً على دور الشركة في المشروع.[14] 

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، نشرت "The Guardian" تحقيقاً مشتركاً مع "+972Magazine" و"Local Call" عن شروط "Project Nimbus"، وذكرت أن العقد تضمّن آليات غير معتادة، منها ما وصفته الصحيفة بآلية سرية لإبلاغ إسرائيل بطلبات قانونية خارجية للوصول إلى البيانات، بالإضافة إلى قيود محتملة على قدرة "Google" و"Amazon" على وقف أو تقييد الخدمات من طرف واحد. وتبرز هذه النقطة أهمية شروط العقود نفسها في فهم مسؤولية مزوّدي البنية التحتية الرقمية، وحدود قدرتهم الفعلية على التدخل عند ظهور مخاوف قانونية أو حقوقية.[15] 

وفي نيسان/أبريل 2026، عاد الجدل بشأن "Project Nimbus" إلى ميدان النقاش الحقوقي مع تأكيد منظمات رقمية، كـ"Electronic Frontier Foundation"، أن الإشكالية لا تتعلق فقط بما تعلنه الشركات عن طبيعة المشروع، بل أيضاً بمدى قدرتها الفعلية على مراقبة الاستخدامات النهائية، وفرض شروطها، ومنع توظيف خدماتها في انتهاكات محتملة. ويعزز ذلك أن "Project Nimbus" لا يمثل عقداً تقنياً عادياً، إنما نموذجاً لعلاقة معقّدة بين البنية السحابية التجارية، ومؤسسات الدولة، والاستخدامات الأمنية والعسكرية المحتملة.[16]  

الخاتمة

توضح حالات "Microsoft" و "Google" و"Amazon" أن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تظهر بالضرورة كأطراف عسكرية مباشرة، لكنها قد توفّر بنى رقمية وقدرات تقنية تدخل في بيئات أمنية أو عسكرية أو استخباراتية. ولذلك، لم يعد النقاش محصوراً في مسألة تصنيع السلاح، بل امتد كذلك إلى دور الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وشروط الوصول إلى الخدمات أو إيقافها.

في النموذج التقليدي، كانت العلاقة بين الشركات والحرب أكثر وضوحاً: شركة تصنع سلاحاً، أو طائرة حربية، أو نظام اتصالات عسكرياً. أمّا اليوم، فقد تبيع الشركة خدمات سحابية أو أدوات تحليل وذكاء اصطناعي تدخل ضمن منظومات أوسع تشمل أجهزة أمنية، ووحدات استخبارات، وشبكات مراقبة، وعمليات عسكرية.

تكمن الإشكالية في أن هذه التقنيات لا تنفّذ الفعل العسكري بذاتها، لكنها يمكن أن تدخل في مراحل أساسية تسبق القرار أو تواكبه: كجمع البيانات، وتحليلها، وربطها بمعلومات قابلة للاستخدام العملياتي. لذلك، لا يكفي التعامل مع هذه الخدمات بصفتها "محايدة تقنياً"، لأن أثرها لا يتحدد بطبيعتها التقنية وحدها، بل أيضاً بالسياق الذي تُستخدم فيه، وبمدى قدرة الشركات على مراقبة الاستخدام أو تقييده أو وقفه.

كما تكشف هذه الحالات أن الجدل لم يعد خارجياً فقط، بل امتد أيضاً داخل شركات التكنولوجيا نفسها، مع احتجاجات واعتراضات من موظفين رأوا أن العمل على البنية السحابية والذكاء الاصطناعي قد يرتبط مباشرةً باستخدامات أمنية أو عسكرية.

وتُظهر قضايا كـ "Project Nimbus" أن الإشكالية لا تتعلق بتوفير خدمات تقنية فحسب، بل أيضاً بطبيعة العلاقة بين الشركات والدولة. فعندما تصبح البنية السحابية جزءاً من تشغيل مؤسسات حكومية وأمنية واسعة، تبرز قضايا أعمق تتعلق بالسيادة الرقمية، وملكية البيانات، وحدود مسؤولية الشركات، وقدرتها الفعلية على وقف أو تقييد استخدام تقنياتها.

في النهاية، فإن هذه الأمثلة تكشف أن الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد أدوات تقنية مساعدة، بل أصبحا جزءاً من البنية التي تُدار عبرها المعلومات والعمليات في الحروب الحديثة. وهذا ما يجعل النقاش بشأن الشفافية، وشروط العقود، وحدود الحياد التقني، جزءاً أساسياً من النقاش الأوسع عن التكنولوجيا والحرب.

وتبقى هذه الخلاصة مفتوحة على مساحة أوسع من التفكير في معنى "الحياد" عندما لا يكون دور الشركة ظاهراً في ساحة المعركة، لكنه حاضر في الطبقات التي تنظّم البيانات، وتُسرّع التحليل، وتدعم اتخاذ القرار. فبين الخدمة التجارية والاستخدام العسكري، يصبح الفصل بين الأمرين صعباً، ولا تعود المسؤولية مرتبطة فقط بمن يستخدم التقنية، بل أيضاً بمن يطوّرها، ويديرها، ويضع شروط الوصول إليها. ومن هنا، يصبح النقاش بشأن شركات التكنولوجيا الكبرى نقاشاً عن شكل الحرب نفسها: مَن يملك بنيتها الرقمية، ومَن يضبط حدود استخدامها، ومَن يتحمل آثارها حين تتحول من خدمة سحابية إلى جزء من بنية حرب وإبادة.

 

[1] “What is Azure”, Microsoft Website; 

 “Department of Defense (DoD) in Azure Government”, Microsoft Learn;

“Isolation guidelines for Impact Level 5 workloads” Microsoft Learn.

[2] Michael Biesecker & others, “As Israel uses U.S.-made AI models in war, concerns arise about tech's role in who lives and who dies”, The Associated Press, 28/2/2025.

[3] يستند هذا إلى تحقيق نشرته وكالة The Associated Press في شباط/فبراير 2025، أعدّه الصحافيون Michael Biesecker وSam Mednick وGarance Burke، بناءً على وثائق وبيانات داخلية ومقابلات مع أربعة عشر موظفاً حالياً وسابقاً في شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، إلى جانب ستة أعضاء حاليين وسابقين في الجيش الإسرائيلي، بينهم ثلاثة ضباط استخبارات احتياط. وكشَف التحقيق أن استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات تجارية، ولا سيما تقنيات "Microsoft"، ارتفع إلى قرابة مئتي ضعف بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. والمقصود بـ"المنظومة" هنا هو التكامل العملي بين خدمات الحوسبة السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي التجارية من جهة، وأنظمة الرصد والتحليل والاستهداف العسكري من جهة أُخرى، بحيث تتحول البيانات الخام إلى مدخلات مباشرة في القرار الميداني. وهذا التكامل بالذات هو ما يطرح تساؤلات جدية بشأن مسؤولية الشركات الموفِرة لهذه الخدمات، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في اتخاذ قرار الاستهداف.

[4] Michael Biesecker & others, “Microsoft says it provided AI to Israeli military for war but denies use to ‎harm people in Gaza”, The Associated Press, 17/5/2025.

[5] Harry Davies & Yuval Abraham, “‘A million calls an hour': Israel relying on Microsoft cloud for expansive surveillance of Palestinians”, The Guardian, 6/8/2025;

Harry Davies & Yuval Abraham “Microsoft blocks Israel's use of its technology in mass surveillance of Palestinians”, The Guardian, 25/9/2025;

Brad Smith, “Update on ongoing Microsoft review”, Microsoft Corporate Blogs, 25/9/2025.

للاطلاع على الشروط الكاملة:

“Microsoft Online Subscription Agreement” Microsoft, Last Updated March 2019.

[6] Michael Biesecker, “Microsoft workers protest sale of AI and cloud services to Israeli military”,

 The Associated Press, 26/2/2025;

Kanishka Singh, “Microsoft fires four workers for on-site protests over company's ties to Israel”, Reuters, 29/8/2025;

Thomson Reuters, “Microsoft disables services to Israel defense unit after review”, Big Country92.5, 25/9/2025;

“Microsoft fires employee who interrupted CEO's speech to protest AI tech for Israeli military” (In Spanish), The Associated Press, 22/5/2025;

Matt O'Brien & Michael Biesecker, “Microsoft employee protests lead to 18 arrests as company reviews its work with Israel's military”, The Associated Press, 21/8/2025;

Matt O'Brien, “Microsoft workers say…” op.cit.

[7] Harry Davies & Yuval Abraham, “Head of Microsoft's Israel branch to step down after inquiry into dealings with Israeli military”, The Guardian, 12/5/2026;

Assaf Gilead, “Microsoft Israel chief leaves amid ethical controversy” Globes, 11/5/2026;

"تعرّف على الوحدة 8200"(بالعبرية)، موقع الجيش الإسرائيلي، 31/1/2022.

[8] Google Cloud Products; 

AWS services by category, Amazon Website;

“What is cloud computing?”, AWS: Amazon Web Services;

Mike Daniels, “Google Cloud selected to provide cloud services to digitally transform the State of Israel”, Google Cloud – Blog, 26/5/2021;

[9] “Israel picks Amazon's AWS, Google for flagship cloud project”, Reuters, 21/4/2021. 

[10] Mike Daniels, op.cit. 

“Google terminates 28 employees for protest of Israeli cloud contract”, Reuters, 18/4/2024.

[11] “Amazon to invest $7.2 billion in Israel, launches AWS cloud region”, Reuters, 1/8/2023;

Channy Yun, “Now Open – AWS Israel (Tel Aviv) Region”, AWS Blogs, 1/8/2023.

[12] “AWS Launches Infrastructure Region in Israel”, Amazon News, 1/8/2023.

[13] “Google terminates 28 employees...”, op.cit.; 

Michael Liedtke, “Google fires 28 workers in aftermath of protests over big tech deal with Israeli government”, The Associated Press, 19/4/2024;

Daniel Wiessner, “Ex-Google workers say firings for protesting Israel contract were illegal”, Reuters, 21/8/2025.

[14] NO TECH for Apartheid.

“Activists Disrupt Amazon Conference Over $1.2 Billion Contract With Israel”, WIRED, 26/6/2024;

تقرير GeekWire بشأن تعليق مهندس فلسطيني في“Amazon” ، أحمد شحرور، وذلك بعد دعوته زملاءه إلى معارضة دور الشركة في Project Nimbus، الأمر الذي يعكس امتداد الجدل حول العقد داخل بيئة العمل في Amazon:

Todd Bishop, “Amazon suspends engineer who urged colleagues to oppose Israel contract, citing conduct policy”, GeekWire, 12/9/2025.

[15] Harry Davies & Yuval Abraham “Revealed: Israel demanded Google and Amazon use secret ‘wink' to sidestep legal orders”, The Guardian, 29/10/2025.

[16] Betty Gedlu, “Google and Amazon: Acknowledged Risks, and Ignored Responsibilities”, Electronic Frontier Foundation, 2/4/2026.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.