مقالات

التسلل الإسرائيلي إلى فنزويلا، من أيّ البوابات سيحدث...!

post-img

محمد هلسة (موقع الميادين)

تناول الإعلام العبري بكثير من المبالغة مشاركة وفدٍ إغاثي إسرائيلي في جهود إغاثة ضحايا الزلزالين القويين اللذين ضربا أجزاءً واسعة من كاراكاس، عاصمة فنزويلا، ومدينة لاغوايرا المجاورة يوم الأربعاء الماضي.

كما أبدى كثير من الإسرائيليين تفاؤلاً بعد أن شكرت وامتدحت الرئيسة الفنزويلية ديلسي رودريغيز، فريق الإنقاذ الإسرائيلي "وإمكاناته الكبيرة ومستوى التدريب والكفاءة العالية اللتين يتمتع بهما"، في إشادة اعتبروها نادرة بعد انقاطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد عملية "الرصاص المصبوب" التي شنّتها "إسرائيل" على قطاع غزة عام 2009.

ويبدو أنّ "إسرائيل" تستشعر وجود نافذة أمل لإعادة العلاقات مع فنزويلا وتسعى إلى استغلالها إلى الحدّ الأقصى، مستفيدة من التغييرات التي حدثت في الجغرافيا السياسية بعد اختطاف مادورو، والدور الأميركي في فنزويلا، كما حاجة الفنزوليين للمساعدات الناتجة عن الزلزال. 

يُنظر في "إسرائيل" إلى إرسال فريق الإغاثة على أنه خطوة قد تمهّد الطريق لانفراجة مستقبلية في العلاقات بين "تل أبيب" وكاراكاس، حيث أشار الحاخام الأكبر لفنزويلا "إسحاق كوهين"، الذي طُرح اسمه كمرشّح لمنصب سفير فنزويلا لدى "إسرائيل" في حال استئناف العلاقات، أنّ "هذه خطوة أولى، عملت على تعزيز العلاقات بين البلدين عقب الزلازل، ونأمل، بل نكاد نجزم، أن تتطوّر الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك".

أصبحت الرئيسة رودريغيز، التي تتعاون مع الولايات المتحدة بعد اختطاف نيكولاس مادورو، أوّل زعيمة لدولة في أميركا الجنوبية منذ هوغو تشافيز تُشيد بـ "إسرائيل"، وذلك على أثر بعثة المساعدات التي أرسلتها عقب كارثة الزلزال، بعد أن كان مادورو يرفض بشدّة أيّ مساعدات تأتي من "إسرائيل".

وعلى الرغم من أنّ عدداً من الدول أرسلت بعثات مساعدات، إلا أنّ رئيسة فنزويلا اختارت أن تُشير تحديداً إلى "الخبرة الفريدة التي تُقدّمها "إسرائيل" وفريقها الذي وصل بعد تواصل تمّ عبر الجالية اليهودية في فنزويلا"، وهو ما سمح بإقامة اتصال مع الحكومة الإسرائيلية بذريعة إحضار فريق الإغاثة الإسرائيلي. 

هذه "المُغازلة" من طرف رئيسة فنزويلا، لا شكّ أنها تُمهّد الطريق شعبياً أمام عودة العلاقة مع "إسرائيل" عبر استمالة واستعطاف الرأي العامّ الفنزويلي "للدور الإنساني" والجهد الذي تبذله "إسرائيل" في التخفيف من أثر الزلزال على الفنزويليين، بهدف زيادة الدعم للعودة إلى تطبيع العلاقة معها، والتمهيد لإزالة العقبات أو الانتقادات التي قد تطالها في حال قرّرت الإعلان عن ذلك رسيماً.

منذ تعيين رودريغيز، نائبة الرئيس المخطوف مادورو، رئيسةً مؤقتةً عقب اختطافه، وهي تتعاون مع واشنطن، بل ويعزّز سلوكها منذ ذلك الحين، فُرص تحسين العلاقات مع "إسرائيل"، وهو ما يمهّد تقديم المساعدات الإسرائيلية عقب كارثة الزلزال الطريق إلى تحقّقه.

بدأ هذا التغيير يظهر جلياً بعد اختطاف الولايات المتحدة للرئيس نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير الماضي، وهي خطوة أنهت، وفق "إسرائيل"، "عقوداً من الحكم الاستبدادي المعادي للصهيونية في عهده وعهد سلفه هوغو تشافيز". كما أشارت مصادر إسرائيلية محلية فنزويلية إلى "أنّ الخطاب المعادي للسامية، الذي كان سائداً بين كبار المسؤولين الحكوميين، قد تغيّر بشكل حادّ منذ تولّي رودريغيز منصبها".

ويبدو أنّ إرسال فريق الإغاثة أحدث بالفعل انفراجةً دبلوماسيةً، تمثّلت في أول مكالمة هاتفية منذ سنوات بين مسؤول فنزويلي رفيع المستوى، وزير الخارجية إيفان غيل، ومسؤول إسرائيلي، رئيس الوفد، سفير "إسرائيل" لدى المكسيك، يوئيد ماغين. كما أنّ الجالية اليهودية في فنزويلا التي "قدّمت دعماً لوجستياً للفريق الإسرائيلي تساعد في التواصل مع السلطات الفنزويلية." 

كما يصبّ في هذا الجهد، إشادة الإعلام العبري بجهود الجالية اليهودية في فنزويلا، التي لا يتجاوز عدد أفرادها الآن 5000، والتي "يتبرّع أفرادها بما تبقّى لديهم من مال لمساعدة ضحايا الزلزال". كما أنّ الجالية، وفق الدعاية الإسرائيلية، "فتحت أبواب الكُنس والمراكز المجتمعية اليهودية للناجين، حيث يسعى اليهود جاهدين لتوفير المأوى والغذاء"، وهم، أي الجالية اليهودية و"إسرائيل"، يأملون أن تفتح المساعدات الإسرائيلية عهداً جديداً في العلاقات بين البلدين. 

ولا شكّ بأنّ "الإشادة" من قبل رئيسة فنزويلا بالجهود الإغاثية الإسرائيلية، تُعيد إلى الأذهان قيام فنزويلا، بعد أسابيع من اختطاف الولايات المتحدة الرئيس مادورو، باستئناف صادرات النفط الخام إلى "إسرائيل"، للمرة الأولى منذ عام 2020، والتي رمز حدوثها بحدّ ذاته، إلى تغيير الاستراتيجية الفنزويلية في الأيام التي تلت اختطاف مادورو، عقب دخول الولايات المتحدة إلى دائرة صنع القرار في كاراكاس.

ويبدو أنّ "إسرائيل" فهمت أنّ الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية تُجري تحسينات على علاقاتها مع "إسرائيل"، عبر استئناف صادرات النفط الخام إليها، وهو ما قد يشير إلى تغيير في مسار العلاقات الإسرائيلية الفنزويلية.

ورغم أنّ هذه العلاقة ظلّت متوترة منذ عام 2009، عندما قرّرت كاراكاس قطع علاقاتها الدبلوماسية مع "تل أبيب"، استمرّت في السنوات اللاحقة، العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى حدّ ما، إلى أن توقّفت تماماً في عام 2020. وقد اعتُبر استئناف تصدير النفط إلى "إسرائيل" مؤشراً آخر على تغيير في السياسة الدبلوماسية والاقتصادية لفنزويلا.

وفي كلّ الأحول، يُعوّل الإسرائيليون على أنّ إرسال فريق الإغاثة الإسرائيلي سيشكّل فاتحة الحضور الإسرائيلي الدائم في فنزويلا، إذ يبدو أنّ عملية إعادة إعمار ما دمّره الزلزال ستكون طويلة وشاقة ومعقّدة في مجتمع فقير لطالما اعتمد بشكل كبير على خدمات الرعاية الاجتماعية.

والآن، بعد أن فقد الناس مصادر رزقهم ومنازلهم، فإنّ الدعم الذي تُقدّمه المؤسسات اليهودية حول العالم، سيكون له أثره، حيث جمعت حملة تبرّعات خاصة أطلقتها الجالية اليهودية الفنزولية ما يقارب مليوني دولار بحلول ظهر يوم الثلاثاء الماضي.

يتركّز معظم يهود فنزويلا اليوم في العاصمة كاراكاس، وتُدير الجالية اليهودية المحلية شبكة واسعة من خدمات الرعاية الاجتماعية، ويعمل أفرادها، منذ وقوع الزلازل، مع متطوعين من منظمات يهودية محلية ودولية على تأمين الأدوية الأساسية لكبار السن، وتوفير أسرّة واحتياجات الإيواء في جميع أنحاء المركز المجتمعي اليهودي.

كما تمّ حشد فرق إغاثة دولية لهذه المهمة من بينها، 17 فريقاً من المتطوّعين للبحث والإنقاذ، أرسلتها منظّمة "ماجن" خصيصاً من "إسرائيل"، إلى جانب منظّمتي "جاهزون للإنقاذ" و"سمارت إيد". كما تشارك كلّ من منظّمة "كيدنا" (وهي منظمة يهودية مقرها المكسيك)، إضافة إلى المنظّمات اليهودية الدولية "إشرايد" و"ناتان للإغاثة العالمية من الكوارث"، وكذلك منظمة "جيه دي سي"، في جهود الإنقاذ.

تمنح التطوّرات الأخيرة الأمل لـ "إسرائيل"، التي تراها مؤشّراً إيجابياً على تغييرات أوسع وأعمق في علاقة فنزويلا مع الجالية اليهودية المحلية، وكذلك مع الولايات المتحدة و"إسرائيل". ويبدو أنّ الحكومة الجديدة، برئاسة رودريغيز، التي ذهبت إلى حدّ توجيه تهنئة رسمية للجالية اليهودية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمناسبة عيد الفصح، في لفتة علنية لم تكن واردة في الماضي، تُغيّر بالفعل لهجتها العامة بهدوء وتدريجياً، حتى وإن لم تتغيّر السياسة الرسمية تجاه "إسرائيل" بعد.

تعني هذه التغييرات أنّ الطرفين يأملان الآن، بهدوء وحذر، أن تتمكّن فنزويلا يوماً ما من استئناف علاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل"، آملين أن تساعدهم هذه الكارثة في الانخراط في دبلوماسية رفيعة المستوى تعيد المياه المقطوعة بين البلدين إلى مجاريها..!

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.