محمد عزيز الغنودي (المركز الديمقراطي العربي)
لم تكن أحداث السابع من أكتوبر 2023 مجرد محطة عابرة في سجل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل كانت “الزلزال الجيوسياسي” الذي فجّر سلسلة من الانقطاعات الإستراتيجية المتتالية في الشرق الأوسط. ففي غضون أقل من عامين، تهاوت عقائد أمنية وافتراضات راسخة؛ تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني بشكل حاد بعد استنزاف بنيته العسكرية الصلبة في مواجهات مباشرة وغير مباشرة، وسقط نظام الأسد في دمشق بشكل دراماتيكي في ديسمبر 2024، مفسحاً المجال لإعادة هيكلة شاملة لموازين القوى .
في قلب هذا المخاض الإقليمي، تموضعت تركيا في موقع فريد كـ “قوة إقليمية متوسطة طموحة”؛ فهي تجمع في يدها أوراقاً نادرة تتأرجح بين قيود الجغرافيا والتزامات السياسة. وانطلاقاً من مفهوم “الاستقلالية الإستراتيجية”، انتقلت أنقرة من نمط “التكيف المرن والاستجابات التفاعلية” لتدخل مرحلة “هندسة الأدوار وصياغة المشهد بفاعلية مبادرة”. ويتجلى هذا التموضع الجيواستراتيجي الجديد عبر تفكيك أربعة ملفات حيوية متشابكة .
أولاً: المشهد السوري الجديد.. حديقة النفوذ ورصيد الصبر
يمثّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 لحظة “تسييل الأرباح” التاريخية لسياسة الصبر الاستراتيجي التي انتهجتها أنقرة على مدى عقد ونصف. فمنذ عام 2011، واجه الرهان التركي على المعارضة السورية انتقادات حادة وتحملت الدولة كلفة باهظة تمثلت في استضافة نحو **3.6 مليون لاجئ سوري مسجل** وضغوط اقتصادية وأمنية هائلة.
لكن المقاربة التركية تحولت بذكاء من الأيديولوجيا نحو البراغماتية الصرفة المرتكزة على الأمن القومي. ولم تتأخر أنقرة في استثمار الفراغ؛ فبعد أيام فقط من سقوط النظام، قاد وزير الخارجية هاكان فيدان ورئيس الاستخبارات إبراهيم كالين حراكاً دبلوماسياً مكثفاً في دمشق، تلاه استقبال رسمي لأحمد الشرع في أنقرة في فيفري 2025، لتكريس تركيا كـ “الشريك المرجعي والضامن الأول” للحكومة الانتقالية .
تتحرك الفاعلية التركية اليوم وفق أرقام ومعادلات ميدانية حاسمة عبر ثلاثة مسارات:
1 : المسار الأمني وكبح الطموح الكردي: توظيف الوجود العسكري المباشر بالتنسيق مع القوى المحلية لتقليص مساحة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) التي كانت تهيمن على نحو 25% من الأراضي السورية (غالبية الثروة النفطية والزراعية)، حيث تسعى أنقرة إلى تفكيك الإدارة الذاتية الكردية نهائياً وحماية حدودها الجنوبية .
2 : المسار الديموغرافي (تصفير الأزمة الداخلية): تسعى الدولة التركية إلى تنفيذ خطة لإعادة توطين ما لا يقل عن مليون إلى مليون ونصف لاجئ سوري** في مناطق النفوذ التركي في الشمال (درع الفرات، غصن الزيتون، ونبع السلام)، وذلك لامتصاص ضغط المعارضة الداخلية والرأي العام التركي قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة .
3 : المسار الاقتصادي (إعادة الإعمار): تشير التقديرات الأولية إلى أن فاتورة إعادة إعمار سوريا تتجاوز400 مليار دولار. وتطمح أنقرة أن تستحوذ شركات المقاولات التركية (التي تمتلك رصيداً عالمياً ضخماً) على حصة الأسد من هذه المشاريع، بدعم وتنسيق مالي من قوى دولية وخليجية، مستغلة القرب الجغرافي و اللوجستي .
ثانياً: الملف الفلسطيني..مبدأ الموازنة و النفوذ :
تدرك أنقرة أن القضية الفلسطينية هي الرافعة المثالية لشرعيتها السياسية في الشارع العربي والإسلامي، وهي في الوقت ذاته أداة ضغط إستراتيجية في صراعها غير المعلن على النفوذ الإقليمي .
على الصعيد الاقتصادي والسياسي، اتخذت تركيا خطوة راديكالية في ماي 2024 بتعليق كامل التبادل التجاري مع إسرائيل، والذي بلغت قيمته نحو 5.4 مليار دولار عام 2023 (وفقاً لهيئة الإحصاء التركية ) . ”
وظّف الرئيس أردوغان الحرب على غزة لتقديم تركيا كـ “محامي الدفاع الأول عن الحقوق الفلسطينية” مستنداً إلى حشود مليونية في الداخل، ومحاولاً كسر احتكار عواصم إقليمية (مثل القاهرة والدوحة) لملف الوساطة عبر طرح مقترح “نظام الضامنين”. ورغم التحفظات الغربية والعربية على هذا الدور، نجحت المقاربة التركية في تحويل الملف الفلسطيني من خانة الأعباء الدبلوماسية إلى “منحة استراتيجية” تعزز أوراق التفاوض التركية مع الغرب وإسرائيل على حد سواء .
ثالثاً: التوازن الدولي.. ” التحوّط ” كعقيدة إستراتيجية :
تُقدّم تركيا نموذجاً فريداً في إدارة العلاقات الدولية في عصر التعددية القطبية، وهو ما يصطلح عليه في الأدبيات السياسية التركية بـ “التحوّط الاستراتيجي المستقل ”
يتجلى هذا التوازن المذهل في المؤشرات التالية :
العلاقة مع الناتو والغرب: تظل تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي من حيث عدد القوات، وقد أثبتت التزامها المؤسسي بالمصادقة على انضمام السويد للحلف في جانفي 2024، والمشاركة في منظومات الردع الِأطلسية .
الشراكة الاستراتيجية مع روسيا: في المقابل، حافظت أنقرة على علاقات طاقية واقتصادية حيوية مع موسكو؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 45 مليار دولار عام 2024. علاوة على ذلك، تستمر شركة “روساتوم” الروسية في تشغيل محطة “أكويو” النووية في تركيا (وهي أول محطة نووية تركية بكلفة تناهز 20 مليار دولار وتغطي 10% من احتياجات الطاقة في البلاد عند اكتمالها)، ولم تغلق أنقرة مجالاتها الجوية أو تلتزم بالعقوبات الغربية ضد روسيا .
هذا “الحياد الإيجابي النشط” مكن تركيا من لعب دور “الوسيط الحتمي” في صفقات تبادل الأسرى الكبرى واتفاقيات الحبوب عبر البحر الأسود. وعلى صعيد العلاقات التركية-الأمريكية، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى براغماتية مرنة من إدارة ترامب لإعادة مراجعة ملف استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “أف 35 ” بسبب منظومة ” اس 400 ” للروسية و البحث عن صيغة لتجميد المنظومة أو تشغيلها المشروط دون الإضرار بأمن الناتو .
رابعاً: التمدد نحو العراق.. جيوإقتصاد السيادة والمياه :
تمثل زيارة أردوغان إلى بغداد في أفريل 2024، وهي الأولى منذ 13 عاماً، نقطة تحول بنيوية في نقل العلاقة من الهيمنة الأمنية الصرفة إلى “المصالح المتشابكة والمنافع المتبادلة ‘ . ”
تتمحور هذه التفاهمات المعمقة حول رقمين استراتيجيين :
1 : معادلة الأمن والتطبيع السياسي: عانى العراق لسنوات من العمليات العسكرية التركية (“المخلب”) ضد حزب العمال الكردستاني في شماله. لكن في مارس 2024، أقدمت بغداد على خطوة تاريخية بتصنيف الحزب كمنظمة ‘ محظورة ” ، وجاءت دعوات رئيس الحزب التاريخي عبد الله أوجلان في مارس 2025 لإلقاء السلاح وحل الحزب لتفتح آفاقاً لتصفية هذا الملف الأمني المزمن بضمانات مشتركة .
2 : معادلة النفط مقابل المياه:. وقّع البلدان اتفاقية إطارية لعشر سنوات، تضمنت آلية براغماتية مبتكرة تمثلت في إطلاق تركيا تدفقات مائية من سد “إليسو” بمعدل **420 متراً مكعباً في الثانية في صيف 2025 لإنقاذ العراق من أزمة جفاف غير مسبوقة، مقابل التزام العراق بتمويل مشاريع ري واستصلاح حديثة تنفذها شركات تركية عبر عائدات النفط العراقي .
3 : مشروع “طريق التنمية” (القناة الجافة) : انطلقت دراسات التأثير البيئي و اللوجستي للمشروع رسمياً في أكتوبر 2025. وهو ممر استراتيجي يمتد بطول ” 1200 كيلومتر ” من السكك الحديدية والطرق السريعة ليربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية بكلفة تقديرية تبلغ 17 مليار دولار . هذا المشروع يحول تركيا إلى “العقدة اللوجستية الإلزامية” لربط تجارة الخليج وآسيا بأوروبا، وينافس بشكل مباشر خطوط النقل الإقليمية الأخرى، مما يعزز النفوذ الاقتصادي التركي بموافقة وتنسيق مع بغداد .
خامسا: خاتمة واستشراف.. تأسيس الدور في عالم متعدد الأقطاب :
تثبت المعطيات التحليلية والإحصائية المرصودة أن تركيا لم تعد مجرد “مستجيب ذكي” للأزمات، بل تحولت إلى “صانع وموجه” لبعض أهم ديناميكيات المنطقة؛ فالساحة السورية غدت مساحة نفوذ مستدام للترتيبات التركية، والملف العراقي انتقل إلى شراكة جيو-اقتصادية طويلة الأمد، والتوازن مع القوى الكبرى منح صانع القرار في أنقرة هامش مناورة غير مسبوق.
لكن هذا الصعود يواجه كوابح بنيوية حاسمة؛ أبرزها العامل الاقتصادي الداخلي في تركيا (معدلات التضخم وحسابات الليرة) ، وحقيقة أن تركيا تظل “قوة إقليمية متوسطة” محاطة بقوى دولية وازنة كأمريكا وروسيا، وقوى إقليمية منافسة مثل إيران التي قد ترى في ممر التنمية وفي صعود تركيا في سوريا تهديداً لمصالحها .
والخلاصة هي أن تركيا نجحت في “تأسيس ” حضورها الإقليمي، والانتقال من مرحلة اقتناص الفرص العابرة إلى مرحلة فرض القواعد، مستفيدة من سياسة الاستقلالية الإستراتيجية لتأمين موقع متقدم في نظام إقليمي ودولي قيد التشكل وإعادة التوزيع .