مقالات

شركات الـ AI... «محرقة للكتب»

post-img

نزار نمر (صحيفة الأخبار)

«حريق مكتبة الإسكندرية 2»؛ هكذا وصف ناشطون ما تسرّب إلى العلن حول تدمير شركات الذكاء الاصطناعي كتباً عمرها عصور من أجل تدريب أنظمتها. وأشاروا إلى مفارقة صمود هذه الكتب خلال حروب ومجاعات وجائحات جمّة، ونفادها من مراقبة السلطات الدينية والملكية والديكتاتورية، لينتهي بها المطاف مدمّرة في القرن الحادي والعشرين، عن سابق تصوّر وتصميم

يُفترض أنّ الجنس البشري في عام 2026 بات أكثر وعياً ونضوجاً، وها هو يحتفي بتوصّله إلى تكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي. لكن تبيّن العكس، بالعودة إلى ما هو أسوأ من العصور الوسطى، إذ تواجه شركات تكنولوجيا، على رأسها «أنثروبيك» مشغّلة «كلود»، غضباً واسعاً بعد شرائها سرّاً ملايين الكتب الورقية المُستعملة والنادرة، ثم إتلافها بالكامل عبر آلات تمزيق وتقطيع ميكانيكية متطوّرة لفصل صفحاتها ومسحها ضوئيّاً عبر أجهزة صناعية فائقة السرعة لتدريب النماذج اللغوية.

وقد عيّنت «أنثروبيك» مدير الشراكات السابق في «غوغل بوكس» بهدف «الحصول على كلّ الكتب في العالم»، مُستخدمةً خدمة ISBNdb التي تسمح بشراء ملايين الكتب من دون الكشف عن هوية الشاري، علمًا أنّها عمّمت على موظّفيها وجوب أن تبقى العملية «سرّية».

الهروب من «البيانات الملوّثة»

تلهث الشركات المذكورة وراء البيانات البشرية «النقية»، أي تلك التي لم يتدخّل الذكاء الاصطناعي التوليدي في محتواها. لذا، تُعتبر الكتب المطبوعة قبل عام 2022 بمثابة كنز، إذ تحتوي على نصوص صاغها البشر بالكامل. ولتبرير هذه الإبادة المعرفية، استغلّت الشركات ثغرة في القانون الأميركي تُعرف بـ«مبدأ البيع الأول» (First Sale Doctrine)، تمنح الشاري الحقّ الكامل في التصرّف بالنسخة المادّية التي يمتلكها، بما في ذلك تمزيقها أو حرقها. رغم ذلك، واجه هذا التصرّف تنديدًا عالميًّا ودعاوى قضائية، فيما وصفه أكاديميّون ومؤلّفون بأنّه «محرقة كتب رقمية» تهدّد التراث الثقافي الإنساني، ولا سيّما مع تدمير نسخ نادرة تحمل تاريخًا لا يمكن تعويضه.

1.5 مليار دولار ثمن التسوية!

لكنّنا في عالم رأسمالي، وفي عصر حيتان الأموال. فمَن يملك المال، يملك القوّة والنفوذ. وهكذا كانت أكبر تسوية مالية في تاريخ قضايا حقوق النشر، بعدما وافقت محكمة أميركية في 20 تمّوز الماضي عليها بين شركة «أنثروبيك» ومجموعات من المؤلّفين ودور النشر، بلغت مليار دولار ونصف مليار. كما ألزمت المحكمة الشركة بالتخلّص من كل الملفّات والمكتبات الرقمية المقرصنة، وكذلك الأصلية إذا كان مصدرها منصّات غير قانونية (مثل «مكتبات الظل» ومواقع القرصنة). لكنّ الشركة احتفظت بالمقابل بحقّ الاستمرار بالتدريب فقط على نصوص الكتب المشتراة أو الممسوحة ضوئيًّا بصيغ وبطرق قانونية.

فوق ذلك، حملت التسوية سابقة قضائية في المعايير المزدوجة، إذ اعتبر الحكم القضائي الأوّلي الصادر عن المحكمة الفيدرالية أنّ عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاتها تندرج تحت بند «الاستخدام العادل»، والجرم إنّما يقع فقط في الاستحواذ والتحميل وتخزين نسخ غير قانونية ومقرصنة من الكتب في قواعد بيانات مركزية لاستغلالها.

شركات أخرى تهرول لـ«تنفد بريشها»

رغم ضخامة الغرامة، تنفّست شركات تكنولوجيا أخرى الصعداء، ليس فقط بسبب عدم تأثّرها كثيرًا بمبلغ مماثل، بل بسبب تشريع قرار المحكمة عمليّات تدريب الذكاء الاصطناعي. لكن بما أنّ التسوية شكّلت معيارًا مرجعيًّا للقضايا الأخرى المعلّقة ضدّ شركات مثل OpenAI و«ميتا» و«غوغل»، باشرت هذه الشركات تغيير استراتيجيّاتها القانونية والتجارية.

سارعت OpenAI مثلًا إلى توقيع اتفاقيّات ترخيص بمليارات الدولارات مع مؤسّسات صحافية ودور نشر كبرى من بينها «أسوشييتد برس» و«آكسل سبرينغر»، لضمان تغذية نماذجها (مثل GPT-5) ببيانات قانونية. أمّا «غوغل»، فأبرمت صفقات ترخيص مع منصّات محتوى ضخمة مثل Reddit وStack Overflow لتأمين بيانات بشرية حيّة وشرعية. من جهة أخرى، تواجه «ميتا» دعوى قضائية جديدة من خمس دور نشر كبرى تتّهمها باستخدام حزمة البيانات المقرصنة الشهيرة Books3 لتدريب نموذجها Llama، وقد ثبت استخدامها بيانات غير قانونية. كما تواجه OpenAI دعوى مماثلة من صحيفة «ذا نيويورك تايمز».

ردود الفعل: «إنّه الجشع والرأسمالية المتوحّشة»

اعتبرت الجمعيّات والاتّحادات الدولية للمكتبات أنّ حماية الكتب الورقية واجب حضاري، وتقطيعها ميكانيكيًّا يمثّل قمّة الرأسمالية المتوحّشة التي تقدّم الأرباح التقنية على الإرث البشري. كما استنكرت تحويل المعرفة الإنسانية إلى مجرّد «وقود للآلات». ورفض عدد من المؤلّفين مبلغ 3000 دولار مقدّم عن كلّ كتاب كتعويض ضمن التسوية مع «أنثروبيك»، معتبرين أنّه زهيد جدًّا مقارنةً بالقيمة التي تجنيها الشركات من تدريب نماذجها. ونتيجة لذلك، اختاروا الانسحاب ورفض التسوية لملاحقة الشركة قضائيًّا بشكل فردي خارج إطار الدعوى الجماعية.

أمّا شعبيًّا، فقد حازت القضية اهتمامًا واسعًا ولا سيّما على منصّات التواصل حيث جرت المقارنة بحريق مكتبة الإسكندرية، فيما شبّهها كتّاب ونقّاد بـ«محرقة الكتب النازية» في عام 1933، مضيفين فارقاً هو أنّ التدمير اليوم لم يكن لأسباب أيديولوجية، إنّما بدافع الجشع التقني، وهو ما دفع وسائل إعلام إلى إطلاق توصيف «المحرقة الرقمية للكتب». وذكّر بعضهم بفيلم Rollerball الديستوبي من عام 1975، بحيث يكتشف بطله أنّ الشركات قامت برقمنة كلّ الكتب وتعديلها لتناسب سرديّتها، وكانت تدور أحداث القصّة في عام 2018.

من جهتها، فرضت كبرى المكتبات رقابة صارمة على طلبات الشراء الضخمة، وخاصّة تلك القادمة من منصّات وسيطة مثل ISBNdb أو شركات مجهولة تفرض اتّفاقيّات عدم إفصاح (NDA) لتغطية مختبرات الذكاء الاصطناعي. كما أُطلقت مبادرات وشبكات وطنية لحماية الأرشيفات والإرث الثقافي والمخطوطات النادرة، وبدأت هيئات ثقافية تشترط حصول عمليّات الرقمنة وتدريب الآلات في داخل أروقة المكتبات وباستخدام ماسحات ضوئية كوكبية (Planetary Scanners) تحافظ على سلامة المجلّد وأوراقه بالكامل، مع منع قطع كعب الكتاب أو نزع تجليده نهائيًّا.

تشريعيّاً، بدأت مبادرات لسدّ الثغرة القانونية التي استغلّتها شركات التقنية عبر استثناء الكتب النادرة والمطبوعات التاريخية والنسخ خارج الطباعة من «مبدأ البيع الأوّل». وبموجب التعديل المُقترح، يُجرَّم إتلاف النسخ المادية إذا ثبت أنّها تشكّل جزءاً من الإرث الثقافي أو لا تتوافر لها بدائل ورقية كافية في السوق.

إمبراطوريّات حارقة للكتب

كلّ التحرّكات الآنفة الذكر لا تعدو كونها محاولة لتدارك التداعيات بعدما خسرت البشرية نسخاً ملموسة من كتب ربّما كانت الأخيرة في العالم. فحتّى لو احتفظت بها المنصّات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، لن يعودَ لهذه الكتب وجود حسّي، بعدما عاشت كلّ العصور السابقة. أمّا الذكاء الاصطناعي فلا ضمان أن يعيش بالطريقة ذاتها وقد يكون أكثر عرضةً للاضطرابات، في وقت يتطلّب تشغيله بشكل متزايد موارد جمّة من الكوكب. فوق ذلك، تحاول الشركات الكبرى احتكار المعرفة ومنع الناس من حقّهم في الوصول إلى المعلومات بشكل مستقلّ. لكن كما انتهت كلّ إمبراطورية أحرقت الكتب عبر التاريخ، قد يكون مصير الإمبراطوريّات الشركاتية الحارقة للكتب مماثلًا.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.