ياسر محمد (مجلة الفراتس)
انتظر فراس خليلية ثلاثةَ أصدقاء مصريين عند الأهرامات في أبريل سنة 2026، اتفقوا على الموعد، وتهيأ لنزهة عادية في مدينته الجديدة. رجلٌ أمضى ثلاثة وعشرين عاماً من أعوامه الثمانية والأربعين في السجون الإسرائيلية. لكن الضابط المسؤول عن أمن فندق إقامته رفض خروجه، فلم يجد خليلية أمامه إلا سور الفندق، فتسلقه وقفز فسقط على يده وأصابها.
لم يكن هروب خليلية هذه المرة من سجن، بل من إقامة بلا صفة قانونية. فالرجل الذي أُفرج عنه في أكتوبر سنة 2025 ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل حرٌّ على الورق، لكنه لم يحصل على تصريح إقامة قانونية. والسفارة الفلسطينية بالقاهرة تحتجز جواز سفره دون ختم، فلا يستطيع فتح حساب مصرفي ولا استئجار بيت، ولا إثبات هويته إذا استوقفه شرطيٌّ في الشارع.
بعد أكثر من عام على إبعاد الأسرى إلى مصر، يعيش خليلية ونحو مئة وسبعين أسيراً فلسطينياً في منطقة رمادية لم يعرفها القانون ولم يخطط لها أحد. فقد أخرجتهم صفقة التبادل من زنازينَ حُكم على بعضهم فيها بمئات الأعوام، وقيل لهم إن مصر "محطة عبور" يمكثون فيها أسبوعاً أو أسبوعين قبل توزيعهم على دول عدة. ثم تنصلت بعض الدول الراعية الاتفاقَ من التزاماتها فلم تستقبل منهم إلا العشرات، وأوقفتْ السلطةُ الفلسطينيةُ مرتباتِهم بسبب الضغوط الغربية، وبقوا في فنادق القاهرة أحراراً من السجن عاجزين عن بدء حياة.
خرج أحمد أبو خضر من السجن ظانّاً أنه يُنقَل إلى سجن آخر. في ليلة من ليالي فبراير سنة 2025، اقتحمت قوة عسكرية إسرائيلية زنزانته بسجن نفحة الصحراوي، وقَيدت يديه وعصبت عينيه، واقتادته خارج السجن. لم يخطر ببال المحكوم عليه بالسجن 1148 سنة أن تلك الرحلة قد تكون بداية حريته. ثم سمع شرطياً يقول للضابط المرافق بالعبرية، التي يتقنها أحمد، إن "هذا الأسير محكوم بمؤبدات كبيرة ونقله يحتاج إلى قوة أكبر من هذه". عندها فقط بدأ يشك أن ما يحدث ليس نقلاً، وأخذت مشاعره تتقلب بين الفرح والخوف. كان عمره يومها ستاً وأربعين سنة، أمضى نصفها في السجون.
سلك فراس خليلية طريقاً أقسى إلى الحرية. فقد اقتحمت قوة عسكرية زنزانته في سجن رامون في أكتوبر سنة 2025 بالطريقة نفسها. لكنها لم تحمل إليه بشرى بل عقوبة، إذ قيَّد الجنود يديه وقدميه وعصبوا عينيه، وأخبروه أنه منقول إلى سجن آخر. يقول للفراتس "أجبروني على النوم على معدتي في ساحة ووضعوا السلاح على رأسي." ويضيف "اقتادوني إلى مكان بلا كاميرات وانهالوا عليّ ضرباً وأنا مقيد، وربطوني بحبل وجرّوني في الساحة". وحين نُقل إلى سجن النقب يقول "تكرر معي الضرب والإهانة"، قبل أن يُسلَّم إلى الصليب الأحمر منهياً ثلاثاً وعشرين سنة في الأسر.
قرأ إياد القواسمي حريته في اليوم الأول للحرب. فمنذ علم بهجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر سنة 2023 أيقن أن آثار الحرب ستمتد إلى السجون. يقول للفراتس "منذ اليوم الأول علمنا أن عملية السابع من أكتوبر ستكون لها نتائج إيجابية فيما يخص الأسرى". ويصف ما قبلها بقوله: "لم يكن في الحياة أمل، كنا نوقن أن حياتنا تنتهي في السجن، وأن حال بعضنا ينتهي في الثلاجات الإسرائيلية أو في مقبرة الأرقام فيُدفن ويُنسى". بلغ القواسمي ثلاثاً وخمسين سنة، قضى منها أكثر من سبعٍ وعشرين في السجون إثر اعتقالات متكررة. ولا ريب، فهو ابن حارة الشيخ في الخليل، التي يسميها أهلها "حارة القيادة" لكثرة من أنجبت من أسرى وشهداء.
أفرجت إسرائيل عن الأسرى الثلاثة بشرط أن يُبعدوا لدولٍ أخرى. فكلهم من أصحاب الأحكام الطويلة والمؤبدات، ممن تصنفهم إسرائيل ضمن "المتورطين في قتل إسرائيليين". وهكذا تحوّل الإبعاد إلى مصر من شرط للإفراج إلى عقوبة تالية عقوبةَ السجن، ومحطة أولى إلى المنفى. ومع أن الإبعاد القسري لسكان الأراضي المحتلة محظور بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة ويُعد من انتهاكاتها الجسيمة، إلا أنه كان الثمن الذي دفعه هؤلاء للخروج من السجن.
انتهت رحلة السجون عند معبر كرم أبوسالم، وبدأت رحلة المنفى. نُقل الأسرى الثلاثة إلى سجن النقب ومنه إلى المعبر حيث استقبلهم ممثلون عن المخابرات المصرية ونُقلوا من رفح إلى أحد الفنادق التابعة للقوات المسلحة المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة. يستعيد أبو خضر تلك اللحظات قائلاً: "نقلونا من سجن النقب إلى معبر كرم أبو سالم في السابعة صباحاً. كان هناك ضابط من المخابرات المصرية، وأول ما رأيناه شعرنا بعزة وفخر، وشعرنا بقيمتنا وبقيمة العربي، وأن أمام هذا المحتل يقف من يمثّلنا بكل شموخ وكرامة". ويتابع: "نقلونا من معبر رفح إلى الفندق، وكان الاستقبال حافلاً. احتضننا أهلنا وأبناء شعبنا، وكذلك أشقاؤنا المصريون. كانت فرحة لا توصف، شعرت أنني خرجت من الموت إلى الحياة، ومن العذاب والقهر والإهانة إلى بداية جديدة. كان ذلك يوم ميلادي الجديد".
تحولّت مصر من محطة عبور للأسرى الفلسطينيين إلى مستقر طال مقامهم فيه بلا خطة ولا إطار قانوني. فقد استقبلت مصرُ أكثرَ من مئتين وخمسين مبعداً فلسطينياً من يناير حتى نوفمبر سنة 2025 على أن يغادروها بعد أيام من وصولهم إلى دول تستضيفهم وتكون منفاهم الدائم. وصلت الدفعات الأولى من الأسرى استجابة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن ومعها قطر ومصر في منتصف يناير سنة 2025، ثم تلتها دفعات بموجب اتفاق آخر رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر سنة 2025، وعُرف باتفاق شرم الشيخ.
تغير مسار إبعاد الأسرى إلى مصر قبل تنفيذ الخطة الأولى. فقد خرج من السجون الإسرائيلية في اتفاقيات الهدن ووقف إطلاق النار من نوفمبر 2023 وحتى أكتوبر 2025 قرابة أربعة آلاف أسيرٍ. أبعد منهم إلى مصر نحو مئتين وسبعين أسيراً، بحسب حديث مدير نادي الأسير الفلسطيني في نابلس مظفر ذوقان للفراتس. ويوضح خليلية أن إبعادهم إلى مصر لم يكن الخطة الأولى، إذ أبلغهم مسؤولو الصليب الأحمر أنهم سيمكثون شهراً في قطاع غزة ثم يُنقلون إلى مصر. لكنهم اعترضوا لأن بقاءهم في غزة يعرضهم للاغتيال. فعاد الصليب الأحمر إلى الوسطاء وانتهت المشاورات إلى نقلهم إلى مصر مباشرة.
توقفت رحلة العبور في مصر. فقد أبلغ الأسرى عند وصولهم، وفقاً لأبو خضر أن إقامتهم فيها لن تتجاوز أسبوعاً أو أسبوعين، قبل انتقالهم إلى دول أخرى. لكن غالبية الأسرى ما زالوا في مصر، ومصير إقامتهم غير واضح. وبحسب ما أكده الأسرى الثلاثة، استقبلت تركيا خمسة وستين أسيراً وماليزيا خمسة عشر أسيراً وإسبانيا أسيرين، فيما أحجمت بقية الدول عن استقبال الغالبية المتبقية. ويقول أبو خضر "الدول كلها تنصلت من الاتفاق إلا الحكومة المصرية، فهي وحدها التي ما زالت ملتزمة به".
ولم يقتصر الأمر على تنصل الدول من استقبال الأسرى. فبحسب أبوخليل، عرضت العراق والجزائر والبرازيل استقبال عدد من الأسرى، لكن السلطة الفلسطينية "عطلت هذه العروض بإيعاز من إسرائيل". وتساءل "ما دام هؤلاء مبعدين أصلاً فما الضير في انتقالهم من مصر إلى الجزائر أو العراق؟"
تنفي السلطة الفلسطينية مسؤوليتها عن تعثر انتقال الأسرى لدول أخرى. طرحت الفراتس مضمون كلام أبوخليل على المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية محمد أبو الرب، عبر رسالة نصية، فأحالنا إلى المتحدث باسم هيئة شؤون الأسرى ثائر شريتح، الذي قال للفراتس: "أتفهم الغضب الذي ينتاب الأسرى الأبطال، وهم محقون في كثير من القضايا، لكن فيما يتعلق بملف الإبعاد، والادعاء بأن السلطة الفلسطينية منعت هذه الدول من استقبال الأسرى، فهذا غير صحيح". وأضاف أن القيادة الفلسطينية، منذ تحرير الأسرى ووصولهم إلى مصر تعمل بكل الوسائل والسبل لإقناع الدول العربية والإسلامية، وبعض الدول الأوروبية، باستضافتهم. وأكد شريتح أن بقاء الأسرى في مصر لا يمكن فصله عما تمر به القضية الفلسطينية على مختلف المستويات، وضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية، فضلاً عن الأزمة المالية الناجمة عن استمرار حجز مستحقات السلطة الفلسطينية.
ولم تنته معاناة الأسرى بخروج بعضهم من مصر. فتركيا، بحسب خليلية، تمنح من استقبلتهم راتباً وسكناً مدفوع الإيجار مدةَ سنة مع إقامة تتيح البحث عن عمل. لكن القواسمي يتساءل: وماذا بعد السنة الأولى؟ يجد الأسير نفسه "وحده في مواجهة الحياة". أما تجربة الأسيرين اللذين استقبلتهما إسبانيا فكانت بحسبه أقسى. إذ عاشا بعد انقطاع رواتبهما في ظروف تقارب المجاعة في سكن شحيح الخدمات تتقاسم مرافقه ست عائلات أو سبع . أخبره أحدهما أن حياته وزوجته انحصرت داخل غرفتهما. وبعد أن استنفذ الأسيران مدخراتهما راحا يستنجدان بالمؤسسات طالبين العودة إلى مصر وإلى الفندق الذي خرجا منه.
انكمشت مطالب الأسرى إلى الحد الأدنى. يقول القواسمي "أفضل منطقة لاستيعاب الأسرى هي مصر، وأولويتنا مصر أو الأردن أو سوريا أو لبنان، ضعونا في أي منها وامنحونا إقامة ولا مشكلة لدينا". ويعزو ذلك إلى قرب هذه الدول من فلسطين، بما يتيح لذوي الأسرى الوصول إليهم، فمن فلسطين إلى مصر "خطوتان". ويدعو خليلية وزارة الخارجية المصرية إلى التواصل مباشرة مع الدول التي عرضت الاستقبال لتنسيق الأمر، مستدركاً أنه لو خُيّر بين مصر وغيرها لاختار مصر.
تحولت "محطة العبور" بمرور الوقت إلى إقامة مفتوحة بلا وضع قانوني واضح. ويصف رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبدالله الزغاري في حديثه للفراتس وضع الأسرى في مصر بأنه إبعاد خارج فلسطين استضافته مصر منذ لحظة الإفراج، غير أن إطار هذه الاستضافة ظل غامضاً. ويقول إن وجودهم في مصر تحول مع الوقت إلى "إقامة مفتوحة" بلا مدة محددة ولا إطار يمكّنهم من ممارسة حياتهم. ويشير ذوقان إلى أن من بقوا في مصر هم المنضوون في إطار منظمة التحرير، وأن من غادروا إلى تركيا وغيرها هم من أبناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
يقيس الأسرى أوضاعهم اليوم بما ناله محررو صفقة شاليط. فمنذ أكثر من عام، يقيم الأسرى الثلاثة في مصر بلا سند قانوني، ينتظرون أن تتذكرهم الأطراف التي وقّعت على حريتهم، وفي مقدمتها السلطة الفلسطينية. وفي ذاكرتهم مقياس جاهز لما كان ينبغي أن يحصلوا عليه بعد الإفراج، هو صفقة التبادل التي أُبرمت برعاية مصرية سنة 2011 بين إسرائيل وحركة حماس، أُفرج بموجبها عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بعد خمس سنوات من أسره، مقابل 1027 أسيراً فلسطينياً. يقول خليلية إن محرَري الصفقة عادوا إلى أراضي السلطة الفلسطينية ولم يُبعدوا خارج وطنهم، وتلقوا رواتبهم بانتظام إلى جانب مكرمة (منحة) رئاسية بلغت ستين ألف دولار لأدناهم حظاً. ويضيف أن بعضهم حصل أيضاً على إعفاءات جمركية وأرقام سيارات أجرة عمومية ومساعدات للزواج ومساكن ووظائف بعضها مناصب إدارية عليا، "وهذا سهّل اندماجهم في المجتمع".
انتهت المقارنة بين نتائج الصفقتين إلى شعور واحد لدى الأسرى. يقول خليلية: "لم نأخذ أي شيء، كل ما نتقاضاه مساعدة مالية قيمتها خمسمئة دولار في الشهر". ويضيف "نحن بلا إقامة، وجوازات سفرنا في السفارة الفلسطينية بالقاهرة منذ شهور ولم تُختم حتى الآن". ويؤكد القواسمي أن المبلغ نفسه يصل "من تحت الطاولة"، وأنه لم يُصرف إلا بعد ضغط من الأسرى وتوسط شخصيات داخل السلطة الفلسطينية.
اختزلت المؤسسات الفلسطينية احتياجات الأسرى في المساعدات المالية. ويقول القواسمي إن كثيراً منهم قضوا أكثر من نصف أعمارهم في السجون، ويحتاجون لتأهيل نفسي وصحي واقتصادي، "فالأسير الفلسطيني يحمل من العُقَد ما يكفيه". ويؤكد أن المبعدين لم يتلقوا هذه الرعاية من أي مؤسسة فلسطينية.
يصر أبو خضر على وضع هذه المطالب في إطار الحق لا المنة. فيقول: "أنا مواطن فلسطيني قدمت سنوات عمري من أجل حرية شعبي ووطني، ومستعد لأن أقدم حياتي، ولا أحمّل أحداً جميلاً". ويضيف "خرجت إلى العالم وأرغب في العيش باحترام دون أن أكون عالةً على أحد". ويرجع أبو خضر الفارق بين محرري سنة 2011 ومحرري سنة 2025 إلى الضغوط الدولية على السلطة لوصم الأسرى بالإرهاب. "إذا رغبت الحكومة الفلسطينية في دعمي ودعم الأسرى فستوصم بدعم الإرهاب، والجميع يعلم أنها تعيش على المساعدات الأوروبية والأمريكية والعربية، وأنا كفلسطيني أرفض أي ابتزاز يمارس ضد شعبي أو ضد حكومتي".
تكفل القوانين الفلسطينية للأسرى والمحررين حقوقاً تتجاوز المساعدات المالية إلى الرعاية الاجتماعية والصحية والوظيفية. فبموجب قانون الأسرى والمحررين الفلسطينيين رقم 19 لسنة 2004، الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات، يمثل الأسرى والمحررون شريحة تستحق الرعاية الوطنية والاجتماعية، وتلتزم السلطة بحمايتهم ودعمهم ودعم أُسَرِهم. ويعد القانون سنوات الاعتقال جزءاً من الخدمة الوطنية، فتُحسب ضمن سنوات الخدمة لأغراض التوظيف والتقاعد والأقدمية في الوظيفة العامة. ورتّب القانون نفسه حقوقاً مالية تشمل مخصصات عن كل سنة اعتقال ورواتب ومساعدات اجتماعية، إضافة إلى رعاية صحية ونفسية بعد الخروج وفرص عمل وبرامج تأهيل وتدريب، وإعفاءات من الرسوم الحكومية وتسهيلات لاستكمال التعليم.
لكن السلطة الفلسطينية غيرت نظام رعاية الأسرى المحررين قبل أشهر من الإفراج عن المبعدين. ففي فبراير سنة 2025، أصدر رئيس السلطة محمود عباس قراراً بقانون أعاد هيكلة نظام المساعدات الاجتماعية. نقل القرار مسؤولية الدعم المالي للأسرى المحررين وعائلاتهم إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي. وألغى القرارُ الراتبَ التصاعدي الذي يرتفع بسنوات الأسر، إذ كان يحصل الأسير الذي يمضي خمس سنوات فما فوق على راتب شهري طيلة حياته. وترتفع قيمة هذا الراتب حسب عدد سنوات الأسر.
حوّل التغيير قضية الأسرى من استحقاق وطني إلى ملف للمساعدات الاجتماعية. فبعد تعديل القانون صارت المساعدات تُصرف وفق معايير الحاجة الاجتماعية لا بناء على مدة الحكم أو الاعتقال. وجاء التعديل تحت ضغوط دولية، خصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اللتين انتقدتا نظام المخصصات السابق لاعتماده على مدة العقوبة. وهو ما يراه الزغاري معيباً، لأن قضية الأسرى "ليست قضية اجتماعية أو قضية فقر واحتياج، إنما قضية وطنية".
ويعزو مسؤولون فلسطينيون جانباً من الأزمة إلى الانهيار المالي الذي تعيشه السلطة. فيربط ذوقان حرمان المبعدين من حقوقهم المالية بالحصار المالي المتواصل، الذي تسبب في عجز الحكومة عن سداد الرواتب، حتى صار الموظفون يتقاضون ما بين 50 و60 بالمئة من رواتبهم فقط. وإلى جانب ملف الأسرى تعول السلطةُ أُسَرَ أكثر من ثلاثة وسبعين ألفاً قضوا في غزة. كذلك الوضع مع منحة الرئيس الفلسطيني التي كانت تُحسب بواقع خمسمئة دولار عن كل سنة أسر، ما زال بعض محرري سنة 2019 ينتظرونها حتى اليوم بسبب الأزمة المالية الخانقة.
وتظهر الأزمة المالية أيضاً في طريقة صرف مستحقات الأسرى المبعدين. يقول ذوقان إن السلطة تحوّلها "عن طريق الشنطة" لا عبر البنوك ومكاتب البريد، خشية أن تلاحق إسرائيل الأموال لأن "البنوك مراقبة والسلطة الفلسطينية مراقبة من الاحتلال". ويضيف أن الحكومة الإسرائيلية تحتجز حتى يوليو 2026 قرابة خمسة ملايين دولار من أموال المقاصة، وهي عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة ثم تحولها إليها.
تحول انتظار الحلول إلى البحث عن بديل. يتفق الأسرى الثلاثة على أن عليهم تدبير حياتهم. يقول القواسمي "لدينا قناعة بأن رواتب السلطة غير دائمة، والحل أن نفكر في إنشاء مشاريع داخل مصر، فهذه الضمانة الوحيدة لرزقك ورزق عائلتك".
بدأ الأسرى حياتهم الجديدة بتعلم أبسط تفاصيل الحياة. فبعد أكثر من عقدين قضاها بعضهم في السجون، وجب عليهم إعادة تعلم كيفية العيش خارجه. وأول ما ذاقوه من حريتهم كان المشي. يقول أبو خضر "تقطع ثلاثين كيلومتراً وأربعين وخمسين من غير حاجز يوقفك ويهينك، ومن غير من يسألك لماذا تتحرك وإلى أين تذهب. تتحرك صباحاً وفي منتصف الليل والعصر، فهذه حياة بمعنى كلمة حياة". ويقول القواسمي إن التحول بدأ قبل أن يغادر الحافلة، "في اللحظة التي وطئت قدمي منطقة الحرية اختلفت قناعات وأفكار حملتها لعقود، فحياة السجن ليست واقعاً. وباللحظة التي تستنشق فيها هواء الحرية يتغير عندك كل شيء، سلوكك وأحلامك". ثم جاءت المفارقة الأولى بعد ساعات بمجرد وصوله إلى الفندق في مصر، "بالأمس كنت أجمع الوجبات من أول الأسبوع لأشبع مرة واحدة وأنام جائعاً على البلاط، واليوم أدخل صالة فيها بوفيه مفتوح وأنام تحت المكيفات".
خرج الجسد من الزنزانة، حاملاً إيقاعها معه. يستعيد القواسمي مشيتهم القديمة، "كنا نمشي في السجن بانتظام وبهدوء، في شكل دائري كأننا نطوف حول الكعبة". فلما خرج وجد عجلات السيارات أسرع مما في مخيلته المحفوظة قبل اثنين وعشرين سنة، والناس يمشون من غير أن ينظر بعضهم إلى بعض، "في مصر كل شيء مستعجل، ولا أحد عنده استعداد أن يقف لآخر حتى يتعرف إليه".
امتحن اتساعُ المدينة ذاكرةَ الأسرى. فمدينة الخليل التي يدعي القواسمي استطاعته طوفها مغمض العينين بشارعيها الرئيسين صارت خلفه. ووجد نفسه في مدينة "الشارع فيها مثل حي في فلسطين"، حتى إنه كاد يضل طريق بيت استأجره في حي مدينة نصر بالقاهرة – بعدما غادر الفندق على مسؤوليته – في أول مرة قرر النزول والتجول فيها في الشوارع المحيطة بمنزله. إذ تشابهت عليه الشوارع فلم يعرف الطريق. ويرى أبو خضر أن المشي يحتاج ترتيبات خاصة، خريطة في الجيب أو بالهاتف الجوال "كنا نتحرك حافظين الطرق والأحياء، واليوم تحتاج لتقطع خمسة كيلومترات إلى تحديد الموقع الجغرافي".
بدت أعمق الفجوات بين السجن والحياة في الزمن. يقول القواسمي "لم يعد المتعلم اليوم من يعرف القراءة والكتابة، بل من يعرف التعامل مع الأجهزة، ونحن خرجنا من السجن ومعرفتنا بها صفر". في السجن كان الهاتف المهرب واحداً يتولاه أسير مسؤول عنه، يتيحه للبقية سراً للاتصال بأهلهم، فخرج معظمهم لا يحسنون استخدام الجهاز الذي صار مفتاح كل شيء. تختلف تجربة أبو خضر، ويقول: "أفاجئك أن الناس صُدمت مني لأني أعرف التعامل مع الهاتف الحديث، فنحن كنا نهرِّب الهواتف داخل السجون حتى نتواصل مع أهالينا".
أكبر مفاجآت الحرية كانت تغير المجتمع. وفقاً للقواسمي، دخل الأسرى مصر بتصور أن الحياة فيها رخيصة، وفوجئوا بأن "ثمن السكن في مصر أكثر من ثمنه في إسرائيل والضفة الغربية." لكن الصدمة لم تكن في الأسعار فحسب. يقول أبو خضر إن العادات التي تركها قبل عقدين تبددت، "لم يعد الجار يقول لجاره صباح الخير إلا نادراً، وتشعر أن الأخ بعد فترة سيتوقف عن السؤال عن أخيه". ويضيف أن صديقه المصري يشكو الشعور نفسه، إذ كان يعرف أهل بلدته كلهم ويتبادلون أطباق الملوخية والأرز في رمضان، "أما اليوم يسكن في عمارة لا يعرف فيها أحداً". ويصف القواسمي ما يراه انقلاباً في القيم بقوله إن الناس صار "معبودهم القرش وتفكيرهم القرش".
حمل هؤلاء الأسرى مع ذلك ألفة في قلوبهم إلى مصر سبقت كل صدماتهم فيها، واستمرت بعدها. يتذكر القواسمي مباراة مصر والسنغال في نصف نهائي بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم التي نظمتها مصر سنة 2006، حين تحول قسمهم في السجن إلى مدرج. "أقسم بالله إن صيحات التكبير بعد هدف عمرو زكي كانت كأننا داخلون لتحرير المسجد الأقصى، فدخلوا علينا بالهراوات والغاز". يضحك وهو يستعيد المشهد ثم يلخص العلاقة كلها، قائلاً إن الفلسطينيين يشجعون الأهلي أو الزمالك ويعرفون الممثل المصري باسمه وأدواره، "نحن قريبون من مصر بكل شيء في حياتنا".
مع تعذر بناء حياة جديدة، بدأ المبعدون مشروع بناء أسرهم. ففي عالم متسارع لا يشبه ما تركوه، لم يكن للأسرى وطنٌ يعودون إليه أو وظيفةٌ أو إقامةٌ قانونية، لكنهم وجدوا ما يستطيعون به بدء الحياة، زوجة وأسرة. ولم يتأخر أهل الخليل عن ابنهم. يقول القواسمي إن المجتمعات الفلسطينية، وأهل الخليل خاصة، تشبه أهل الصعيد في تبكير الزواج وترتيبه. ويضيف "بمجرد نيل حريتي صار كل من أحدثه من عائلتي أو من الخليل يقول لي بحثت لك عن عروس، ويكلفون أشخاصاً هنا في مصر بالبحث". لكن الاختيار في النهاية لم يكن للعائلة، بل له وحده. ويشرح دافعه قائلاً: "هدفي من الزواج قتل جزء من الغربة، حتى لا يعيش المرء حياته فردياً. أردت حاضنة اجتماعية قريبة مني، فاخترت زوجة معها أبناء وعائلتها في مصر، فشعرت أن الواحد رجع إلى الحياة". ويلخص التحول بسؤالين استعاد معناهما، "صار جواب إلى أين أنت ذاهب، رايح عند أهلي. وجواب من أين قادم، جاي من دار أهلي".
ورأى القواسمي في الزواج دَيْناً يرد بعضه لغزة. فيقول "نساء غزة وزوجات الشهداء تحديداً دفعن ثمناً كبيراً بعد السابع من أكتوبر، ولغزة فضل كبير في الإفراج عنا. سمّه أخلاقاً أو إحساساً وطنياً أو ما شئت، لكنه دافع أساسي عندي". ولهذا اختار الارتباط بأرملة من غزة قتل زوجها أثناء الحرب، كي لا تضيع أمثالها "في العواصم العربية والمدن الكبرى".
على أن الزواج لم ينه تعليق الحياة خارج السجن والوطن. سبق أبو خضر رفاقه جميعاً إلى الزواج، فعقد قرانه داخل الأسر قبل تحرره بعامين، وأعلن زواجه ليلة وصوله إلى الفندق في القاهرة. يقول: "هي رفيقة عمري وحب حياتي، وجاءت معي ورزقت هنا بأول مولود لي، يافا". غير أنه ما زال يرى حياته متوقفة، قائلاً: "أرغب في الحصول على إقامة حتى أستطيع التحرك وممارسة حياتي الطبيعية. ويشرح أنه غادر الفندق إلى شقة بعد زواجه، لكنه يظل مهدداً في أي لحظة، قائلاً: "إذا أوقفني شرطي بالشارع وطلب هويتي سأحبس". ويضيف أبو خضر: "المخابرات تعرف أني أسير ولكن الشرطي لا يعرف ومن حقه طلب الهوية ولو أخذني على الحبس لن يلومه أحد". وأوضح كذلك: "شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب مشكوراً قرر معاملة الفلسطينيين مثل المصريين في دخول المدارس الأزهرية، فيسجلون الطالب الفلسطيني من غير إقامة مثل المواطن المصري ولكن كل أنواع المدارس الأخرى تريد إقامة ولا تسجل الطلاب دونها، "لذا أقول فقط نريد إقامة."
أما خليلية فما زال عالقاً قبل الخطوة الأولى. يقول "ما دام الوضع هكذا فمستحيل أن أؤسس شيئاً. لا أستطيع الزواج ولا شراء شقة، فليس معي جواز سفر ولا هوية ولا إقامة نظامية، وكل ما أرغب في عمله يقف أمامه تعطيل".
لم يقتل السجن أحلام الأسرى المبعدين. يحلم القواسمي ببيت حوله حديقة، وينتظر بيع جزء من أرضه في الخليل ليشتري أرضاً في مصر ويبني عليها بيتاً "إذا سمح لي المصريون بالشراء". ويضيف: "طوال عمري سكنت في عمارة، وأول ما بنيت بيتاً حوله أرض دخلت السجن، ولن أسقط هذا الحلم أبداً". ويحلم بعد البيت بمشروع يدر دخلاً، فهو لم يعد مسؤولاً عن نفسه وحدها، بل عن "زوجة وثلاث بنات أحتاج إلى تأمين مستقبلهن".
يتيح القانون المصري للفلسطينيين تملّك العقارات بموجب القانون رقم 230 لسنة 1996، شأنهم في ذلك شأن سائر الأجانب. ويحدد ذلك بعقارين في أنحاء الجمهورية لغرض السكن، ويستثنى من ذلك المناطق الحدودية والاستراتيجية وشبه جزيرة سيناء.
ويحلم فراس خليلية بمخطوطات تنتظر النور. يقول "لدي كتب كثيرة أريد نشرها، روايات وأشعار وقصائد وأغانٍ كتبتها في الأسر وبعده". وتسبق الكتبَ أمنيتان: لقاء أهله الذي لم يتحقق بعد، وحياة "دون أن أُسأل إلى أين ذاهب ومن أين عدت، ودون أن آخذ إذناً لفعل أي شيء".
أما أحمد أبو خضر فيبدأ حلمه من حرية شعبه أولاً، ثم يمتد إلى طفلته يافا. يرجو أن تعيش "حياة أفضل من التي عشتها، وألا تذوق العذاب الذي ذقته، وأن تحقق ما لم أقدر على تحقيقه". وينتهي إلى الحلم الذي بدأت منه حكايته كلها: "أن نعود أنا وعائلتي إلى وطننا، نرجع على بيتنا ونرجع على فلسطين".
بين هذه الأحلام وأصحابها يقف اليوم ما وقف بين خليلية وأصدقائه عند الأهرامات، سور لا يظهر في الصور. فقد انسحبت الأطراف التي وقّعت على حرية هؤلاء الرجال واحداً بعد الآخر. دول راعية لم تستقبلهم، وسلطة لا تصرف مستحقاتهم إلا "من تحت الطاولة"، واتفاق لم يعد أحد يذكر نصه. وبقي العشرات المبعدون الذين خرجوا من أحكام بمئات السنين، يبنون زيجات وأحلاماً ومشاريع على أرض معلقة.
قضى أبو خضر ثلاثة وعشرين سنةً من حكم بلغ 1148 سنة، ولم يكن ينتظر يوماً أن يُفرج عنه. ثم صار حراً، وظلت حريته مع ذلك متوفقة على ورقة تثبت لشرطي يوقفه في الشارع من هو. تلك مفارقة المبعدين إلى مصر، سقط الحكم الذي فصلهم عن الحياة، وبقيت الورقة.