أ. د. علي الدين هلال (المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة)
تُعد الوساطة إحدى الوسائل السلمية لفض المنازعات، ونصت عليها المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة، ويُقصد بها تدخل دولة أو مبعوث دولي في حرب ما؛ لتقريب وجهات النظر من خلال نقل الرسائل بين طرفي النزاع، من أجل الوصول إلى حل ينهي الحرب تمهيداً لتسوية الخلافات بين البلدين. ومن المتفق عليه أن الوسيط يقوم بدوره بموافقة أطراف الحرب، وأن ما يصل إليه من حلول ليس ملزماً لهما قانونياً، وإنما يسعى إلى إقناع طرفي الحرب بأن إيقافها يخدم مصالحهما.
محددات الوساطة:
شهد العالم عشرات الوساطات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خاصة وأن الحروب لا تنتهي بنصر عسكري حاسم لأحد أطرافها، وإنما بمفاوضات وتسويات عادة ما تتدخل فيها أطراف ثالثة. وحظيت منطقة الشرق الأوسط بنصيب وافر من هذه الوساطات، فكان الكونت السويدي فولك برنادوت، أول وسيط دولي أرسلته الأمم المتحدة للوساطة في قضية فلسطين عام 1948، وأعقبه الأمريكي رالف بانش، بعد الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1949. كما قامت المنظمات الإقليمية بالوساطة، مثل دور جامعة الدول العربية في اليمن (1963-1967)، ولبنان (1975-1990)، وسوريا وليبيا بعد عام 2011، وتوسط الاتحاد الإفريقي لإنهاء الحرب الأهلية الإثيوبية عام 2022.
وعلى مستوى الدول الكبرى، توسطت الولايات المتحدة بين مصر وسوريا وإسرائيل بعد حرب 1973، وفي المفاوضات المصرية الإسرائيلية التي أفضت إلى معاهدة السلام عام 1979، وفي حرب البوسنة عام 1995. كما توسطت روسيا بين أرمينيا وأذربيجان عام 2020، والصين بين السعودية وإيران عام 2023.
ونجحت بعض هذه الوساطات في وقف الحرب، بينما فشل بعضها الآخر ولم يحقق هدفه. والسؤال: لماذا؟ ويمكن تفسير ذلك بالرجوع إلى أربع مجموعات من العوامل التالية، مع التأكيد أن كلها تحتل نفس الدرجة من الأهمية:
- المجموعة الأولى ترتبط بالوسيط الذي يقبل طرفا الحرب وساطته، باعتباره طرفاً نزيهاً لا ينحاز إلى أي منهما. أضف إلى ذلك، قدرته على بلورة الحوافز، والتحذير من الكوابح للتأثير في سلوك طرفي الحرب، وفهمه لاعتبارات الأمن والسيادة والكرامة للطرفين. وعندما يكون الوسيط دولة كبرى؛ فإنه يمتلك أدوات الضغط المباشر لتغيير سلوك المتحاربين، ومثال على ذلك، دور الولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي بعد حرب 1973، وفي الوصول إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2025، والاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو 2026. وهناك بالطبع شخصية الوسيط أو الوسطاء ومهاراتهم في تقريب وجهات النظر، والبحث عن حلول وصياغات مقبولة للطرفين.
- المجموعة الثانية ترتبط بطبيعة الحرب وأسبابها وخلفياتها، فمن المهم عدم خلط الوسيط بين القضايا العاجلة المرتبطة بوقف القتال وإنهاء الحرب، والقضايا الآجلة المتعلقة بأسباب الصراع وجذوره، وأن يتم التعامل مع الأمرين بشكل تدرجي ومرحلي؛ يبدأ بانتهاء القتال، مع وجود نظام للرقابة والتحقق، يلي ذلك تطبيق إجراءات بناء الثقة، ثم عملية تفاوضية للوصول إلى تسويات للصراع، وضمانات تنفيذ طويلة الأجل. وأن تشمل كل مرحلة مؤشرات إنذار مبكر للتنبيه إلى الخروقات المحدودة لوقفها وهي في مهدها، ومعايير للمتابعة والتقييم.
وهناك حروب وصراعات أكثر قابلية للوساطة من غيرها، فعندما يتعلق النزاع بقضايا تجارية واقتصادية قابلة للتفاوض والمساومة تصبح الوساطة أكثر يسراً؛ لكنها تكون مختلفة تماماً عندما يتعلق الأمر بالقضايا المرتبطة بالهوية والذاكرة التاريخية؛ لذلك، تبدو الحروب الأهلية أكثر استعصاءً على الحل من الحروب بين الدول.
- المجموعة الثالثة تتعلق بتوقيت الوساطة، ومدى استعداد طرفي الحرب لإنهاء القتال، إضافة إلى وجود أطراف قد تسعى إلى إفشال الوساطة وعرقلة جهودها. وتزداد فرص نجاح الوساطة عندما يدرك طرفا النزاع أنهما وصلا إلى ما يصفه أساتذة العلاقات الدولية بـ"المأزق الاستراتيجي" أو "المعضلة الاستراتيجية". فهما لا يستطيعان حسم المعركة عسكرياً، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكلفتها وأنها اقتربت من لحظة أن تتجاوز قدرتهما على تحملها؛ ومن ثم يبحث كلاهما عن مسار تفاوضي مشرف يحفظ الحد الأدنى من مصالحهما. ومن دون هذا الإدراك قد تقبل الدول جهود الوساطة تكتيكياً لكسب الوقت دون رغبة صادقة في إنهاء الحرب. ويرتبط نجاح الوساطة أيضاً بأهمية تحديد دور الأطراف التي لا تجد مصلحتها في نجاح الاتفاق، وتسعى إلى عدم نجاح تطبيقه.
- المجموعة الرابعة تتصل بآليات التنفيذ والرقابة والتحقق، فلا يكفي نجاح الوسيط في الوصول إلى اتفاق بإنهاء الحرب، ولكن يتطلب الأمر وجود آليات للرقابة على تنفيذ بنود الاتفاق والتأكد من التزام الطرفين بما ورد فيه، وذلك من خلال جهة محايدة تملك الإمكانات التقنية والبشرية القادرة على القيام بذلك. فمن دون هذه الرقابة المحايدة؛ يصبح وقف إطلاق النار هدنة قابلة للانهيار وتبادل التُّهم بين الطرفين بخرق بنود الاتفاق.
حالات تطبيقية:
تمثل هذه المجموعات الأربع من العوامل إطاراً نظرياً لتفسير نجاح بعض الوساطات، وفشل الأخرى. ويتبادر إلى الذهن هنا فشل محاولات الوساطة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، بينما نجحت الوساطة الباكستانية مؤقتاً في الوصول إلى مذكرة تفاهم وُقِّعت في 17 يونيو 2026، وأدت إلى توقف الحرب الأمريكية الإيرانية؛ وإن كانت هي الأخرى قد انهارت بعد أيام قليلة وعاود الطرفان العمليات القتالية.
1- الحرب الروسية الأوكرانية: فشلت جولات الوساطات المتلاحقة لوقف الحرب الروسية الأوكرانية لأسباب مختلفة. فبالنسبة لأول وساطة قامت بها بيلاروسيا وتركيا في مارس وإبريل 2022؛ أي عقب نشوب الحرب مباشرة، برز خطأ الوسطاء في عدم التمييز بين إنهاء الحرب وتسوية جذور الصراع وقضاياه الرئيسية، مثل حياد أوكرانيا، وعدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والضمانات الغربية للحفاظ على أمنها. كما كان هناك عامل آخر؛ وهو أن الحرب كانت ما تزال في بدايتها، وكانت روسيا قد حققت فيها انتصارات إقليمية بارزة.
وفشلت أيضاً جولات إسطنبول عام 2025؛ لأن تركيا لم يكن لديها أوراق للضغط على روسيا لإنهاء الحرب، فقدم الوفد الروسي مطالب تفوق ما سبق عرضه عام 2022؛ بما عكس إدراك موسكو بأنها ما زالت قادرة على تحمل تكلفة الحرب وربما حسمها لصالحها، وأن المشاركة في هذه المفاوضات كانت لكسب الوقت؛ ومن ثم اقتصر إنجاز هذه الجولة على الموافقة على تبادل نحو ألفي أسير بين الطرفين.
وفشلت وساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي التقى بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، في أغسطس 2025، ثم أرسل مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو للتباحث مباشرة مع الرئيس بوتين، في ديسمبر 2025، ثم يناير 2026. وكان السبب هو التقلبات في العلاقات بين واشنطن وموسكو، ورفض أوكرانيا وأهم حلفائها الأوروبيين، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، المقترحات الأمريكية، ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لتصرف أنظار واشنطن والعالم عن الحرب في أوكرانيا.
وإلى جانب كل ما تقدم، كان هناك تعدد الوسطاء دون تنسيق بينهم، فكانت هناك وساطات تركية وأوروبية وأمريكية وخليجية دون وجود إطار يجمعها وينسق بينها؛ مما سمح لروسيا وأوكرانيا بالمناورة وتجزئة ملف الحرب، وعدم الالتزام الكامل.
ويبقى السبب الرئيسي لفشل الوساطات هو نظرة كل من الطرفين لطبيعة الصراع وأسبابه، والذي اندلعت جولته الأولى عام 2014. فالقيادة الأوكرانية تريد أن تمارس استقلالها كاملاً، وأن يكون لها حق الانضمام إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، وترغب في مزيد من الاندماج مع غرب أوروبا. أما القيادة الروسية، فتنطلق نظرتها من الصلة التاريخية والثقافية العميقة بين موسكو وكييف، والتي تعتبر أوكرانيا "روسيا الصغيرة"، وأنها جزء من روسيا يقطنه روس يتحدثون الروسية ويرتبطون بالوطن الأم. وتنطلق أيضاً من حقيقة الجوار الجغرافي بين البلدين، وما يتيحه ذلك من تهديدات للأمن القومي الروسي، وأن موسكو طالما حذرت من أن توسع الناتو شرقاً يمثل تهديداً وجودياً لأمنها.
ويدعم ذلك تصور طرفي الحرب لقدرتهما على استمرار القتال. فمن ناحية، تحظى أوكرانيا بدعم مالي وعسكري أوروبي كامل. ومن ناحية أخرى، تتمسك روسيا بالمكاسب الميدانية التي حققتها، وأن الأقاليم التي سيطرت عليها أصبحت حقيقة وجزءاً من الدولة الروسية.
2- الحرب الأمريكية الإيرانية: حققت الوساطة الباكستانية، مع حضور قطري في المرحلة الأخيرة منها؛ نجاحاً مؤقتاً في الحرب الأمريكية الإيرانية، بتوقيع الرئيس ترامب مذكرة تفاهم مع طهران في 17 يونيو 2026، والتي نصت على انتهاء الحرب. ولكن سرعان ما انهارت بإبلاغ الرئيس ترامب الكونغرس الأمريكي في 10 يوليو الماضي باستئناف العمليات الحربية ضد إيران بعد انتهاكها لالتزاماتها في الاتفاق الأولي، وإعلان طهران في 18 يوليو عدم الالتزام ببنود الاتفاق رداً على الموقف الأمريكي.
وتمت الوساطة في سياق ازدياد الضغوط على الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، لعوامل داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي، ارتفعت تكلفة الحرب وشعر الجمهور في كلا البلدين بوطأة تأثيراتها. وعلى المستوى الخارجي، تفاقمت الآثار السلبية على اقتصادات دول العالم بعد توقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وأدى هذا وذاك إلى تهيؤ طرفي الحرب لإمكانية وضع نهاية لها.
وقد استطاع الوسطاء تحديد نطاق التفاوض على مجموعة من القضايا العاجلة، وتجنب الإشارة إلى قضايا أوسع مثل برنامج الصواريخ البالستية وعلاقة إيران بحلفائها ووكلائها وسياساتها الإقليمية؛ لكن الوساطة عانت من جوانب قصور أدت إلى انهيارها، فهي لم تتضمن إجراءات للرقابة على تنفيذ بنود الاتفاق الأولي والتزام الطرفين بتطبيقها، كما لم تحدد ما يشكل خرقاً للاتفاق، ولم تشر بشكل واضح إلى "التزامن" أو "التتابع" في تنفيذ التزامات كل طرف، وفتح هذا الباب لكل من الطرفين باتهام الآخر بنقض بنود الاتفاق.
وتزداد أهمية هذا القصور، بالنظر إلى حالة عدم الثقة المفرطة بين واشنطن وطهران، التي نتجت عما يزيد على أربعة عقود من الصراع؛ مما جعل كلا الطرفين يرتاب في نيات الآخر، ويتحوط في عدم إخلاصه في تنفيذ الاتفاق. فترامب يعلن عدم ثقته في القيادة الإيرانية وعدم احترامها لتعهداتها، وطهران تعتقد أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو تغيير النظام الإيراني.
ختاماً، يمكن القول إن الوساطة عملية سياسية معقدة، يتطلب نجاحها تضافر عدة عوامل تشمل الوسيط الموثوق به، واختيار التوقيت المناسب، وتحديد نطاق التفاوض، وإدراك طرفي الحرب لحدود القوة وحجم تكلفة استمرار الحرب عليهما وعلى الدول الأخرى، والوصول إلى توافق يوفر لكل من الطرفين إمكانية تحقيق جزء من مطالبه وإعلان الانتصار. وكان ما تقدم من أهم العوامل التي قادت إلى نجاح الوساطة مؤقتاً في الحرب الأمريكية الإيرانية، بينما أدى غياب نظام للرقابة والتحقق من التنفيذ، وعدم ثقة طرفي الصراع في بعضهما بعضاً؛ إلى سرعة انهيارها.