مرصد الإعلام العربي
لم يعد السؤال داخل غرف الأخبار هو ما إذا كانت ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف ستستخدمه، ومن سيتحمل مسؤولية أخطائه، وما إذا كان سيعزز عمل الصحفيين أم يتحول إلى وسيلة لخفض التكاليف والاستغناء عنهم.
هذا ما خلصت إليه دراسة مقارنة أعدها الباحثان إريك بي بوسي وميلاد جلاليان إبراهيمي، من جامعة تكساس تك، بعد فحص سياسات الذكاء الاصطناعي، والتجارب المعلنة، والإرشادات التحريرية في ثلاث مؤسسات إعلامية كبرى، هي «رويترز» و«بي بي سي» و«الغارديان».
وتكشف الدراسة أن التقنية نفسها لا تدخل جميع غرف الأخبار بالطريقة ذاتها، بل يتحدد استخدامها وفق نموذج تمويل المؤسسة، ورسالتها، والضغوط التي تواجهها. ففي حين تتعامل «رويترز» معها باعتبارها أداة لزيادة السرعة والإنتاج، تضع «بي بي سي» استخدامها داخل نظام صارم من المراجعة والمساءلة، بينما تتبنى «الغارديان» نهجًا أكثر تحفظًا يربط استخدامها بالمصلحة العامة، وحقوق المبدعين، والاستقلال التحريري.
رويترز: سباق يُقاس بالثواني
بالنسبة إلى وكالة «رويترز»، يمثل الذكاء الاصطناعي جزءًا من استراتيجيتها التجارية في سوق تصبح فيه سرعة نشر المعلومة ذات قيمة مالية مباشرة، خصوصًا في تغطية أسواق المال والعملات ونتائج الشركات وقرارات البنوك المركزية.
فالتأخر حتى 30 ثانية في نشر قرار اقتصادي قد يكلّف المتعاملين في الأسواق مبالغ كبيرة، ولذلك طورت الوكالة أدوات داخلية، من بينها «لينكس إنسايت» (Lynx Insight) لتحليل البيانات المالية لحظة بلحظة، و«فاكت جيني» (Fact Genie) لمعالجة البيانات الصحفية الصادرة عن الشركات.
وساعدت هذه الأدوات «رويترز» على توسيع نطاق تغطية نتائج الشركات، وإصدار بعض التنبيهات المالية العاجلة خلال ما بين ست وثماني ثوانٍ فقط، بعدما كان السباق الصحفي في هذا المجال يُقاس بالدقائق.
لكن هذه السرعة ترفع، في المقابل، مخاطر نشر معلومات غير دقيقة، وهو ما دفع الوكالة إلى إلزام صحفييها بالتحقق من الادعاءات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي قبل النشر.
ويرى الباحثان أن طبيعة الأسواق المالية توفر لـ«رويترز» آلية سريعة لاكتشاف الأخطاء؛ لأن المتعاملين يتفاعلون فورًا مع المعلومات المنشورة، لكن تطبيق المنهج نفسه في الصحافة السياسية أو الاستقصائية قد يكون أكثر خطورة، إذ يمكن ألا تُكتشف الأخطاء إلا بعد أيام أو أشهر، وربما سنوات.
بي بي سي: ذكاء اصطناعي تحت الرقابة
تتعامل «بي بي سي» مع الذكاء الاصطناعي بحذر أكبر، نظرًا إلى اعتماد مصداقيتها، بوصفها هيئة عامة ممولة من الجمهور، على الدقة والحياد والمساءلة التحريرية.
وتستخدم المؤسسة أداة «نظرة سريعة» (At a Glance) لإنتاج خلاصات في نقاط للمقالات المنشورة، إلى جانب «مساعد أسلوب بي بي سي» (BBC Style Assist) لإعادة تحرير الأخبار المحلية بما يتوافق مع أسلوبها التحريري المعتمد.
وتهدف الأداة الثانية إلى اختصار عملية قد تستغرق نحو 30 دقيقة لإعادة صياغة القصة وفق أسلوب «بي بي سي»، كما تستخدم الهيئة أدوات للترجمة من أجل الوصول إلى جماهير في بولندا والمجر ورومانيا.
ولا يُنشر أي محتوى ساعد الذكاء الاصطناعي في إنتاجه قبل مراجعته والموافقة عليه من جانب صحفي، في تطبيق لمبدأ بقاء المسؤولية النهائية في يد الإنسان.
وتعززت هذه السياسة بعد دراسة نشرتها «بي بي سي»، بالتعاون مع اتحاد البث الأوروبي، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أظهرت أن مساعدات الذكاء الاصطناعي شوّهت محتوى الأخبار، من خلال أخطاء في الإسناد، أو اختلاق تفاصيل، أو تقديم معلومات قديمة، في 45 في المئة من الحالات التي شملها الاختبار.
وبدلًا من إخفاء النتائج، أعلنتها «بي بي سي»، ثم اعتمدت علامة توضيحية تحمل عبارة «كيف استخدمنا الذكاء الاصطناعي»، تظهر أعلى بعض المواد لإبلاغ الجمهور بطبيعة تدخل التقنية في إنتاجها.
الغارديان: الاستخدام الاستثنائي لا المفتوح
اتبعت «الغارديان» في البداية سياسة تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنشاء نصوص أو صور مخصصة للنشر المباشر، إلا في حالات استثنائية ومحددة.
وفي مارس/آذار 2026، عدّلت الصحيفة إرشاداتها لتسمح باستخدام محدود للتقنية في مهام مثل اقتراح النصوص البديلة للصور المخصصة للمكفوفين وضعاف البصر، وتحليل الوثائق البرلمانية، وتفريغ التسجيلات الصوتية.
لكن هذه الاستخدامات تظل مشروطة بالتوافق مع المعايير التحريرية للصحيفة، والخضوع للمراجعة البشرية، والحصول مسبقًا على موافقة صريحة من محرر كبير.
وترى الدراسة أن نموذج ملكية «الغارديان» يساعدها على تبني هذا الحذر؛ فالصحيفة مملوكة منذ عام 1936 لصندوق يهدف إلى حماية استقلالها التحريري، ولا تخضع لمساهمين أو مالك فرد، كما تعتمد بدرجة كبيرة على مساهمات القراء الطوعية.
وبرزت حساسية هذا الملف خلال إضراب نحو 500 من صحفيي «الغارديان» في ديسمبر/كانون الأول 2024، احتجاجًا على بيع صحيفة «الأوبزرفر»، عندما اتهمت نقابة الصحفيين الإدارة باستخدام أدوات مثل «تشات جي بي تي» (ChatGPT) و«كلود» (Claude) لاقتراح العناوين وكتابة أوصاف الصور أثناء الإضراب، ورأت في ذلك محاولة لإضعاف التحرك النقابي.
لكن إدارة «الغارديان» اعترضت على توصيف الواقعة وتفاصيل الادعاءات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو خلاف يعكس صراعًا أوسع حول ما إذا كانت التقنية ستُستخدم لمساندة الصحفيين أم لتعويض غيابهم وتقليص تكاليف العمل.
«ضريبة التحقق»
تقدم الدراسة مفهومًا مهمًا هو «ضريبة التحقق»، أي الوقت والجهد اللذان يضطر الصحفيون إلى إنفاقهما لمراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي وتصحيح أخطائه.
فإذا استغرق التحقق من النص الذي أنتجته الأداة وقتًا أطول من كتابة المادة الأصلية، تصبح التقنية عبئًا بدلًا من أن تكون وسيلة لزيادة الكفاءة.
ويتوقع الباحثان أن الذكاء الاصطناعي لن يقود إلى نموذج موحد للصحافة، بل سيُسرّع الاختلافات القائمة أصلًا. فالمؤسسات التجارية قد تتوسع في الأتمتة، بينما تتمسك هيئات الخدمة العامة بمستويات أعلى من الرقابة البشرية، وقد تركز المؤسسات المستقلة على الصحافة التي يكتبها وينتجها البشر بالكامل.
وفي النهاية، لن تكون غرف الأخبار الأكثر نجاحًا بالضرورة هي الأسرع أو الأكثر امتلاكًا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل تلك القادرة على تحقيق توازن بين السرعة والدقة، واستخدام التقنية من دون الإضرار بحقوق العاملين أو تقويض الثقة التي تمنح الصحافة قيمتها العامة.