مقالات

على أبواب الانتخابات الإسرائيلية: ليس للفلسطينيين حقوق في برامج المعارضة

post-img

د. دينا شحاتة (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

لا يقتصر صعود اليمين التكنولوجي على انتقال قطاع من نخب وادي السيليكون نحو اليمين السياسي، بل يعبر عن ظهور مخيال سياسي يعيد النظر في افتراضات راسخة حول الدولة والديمقراطية والسلطة. فبعد أن ارتبط وادي السيليكون لفترة طويلة في المخيلة العامة بالانفتاح الاجتماعي، وحرية تداول المعلومات، والتحرر من سيطرة المؤسسات المركزية، أصبحت قطاعات مؤثرة داخل النخب التكنولوجية الأمريكية أكثر انتقادا للتنظيم الحكومي، وأكثر تشككا في قدرة الديمقراطية والمؤسسات التمثيلية على مواكبة التحولات المتسارعة، وأكثر استعدادا للتحالف مع قوى اليمين السياسي أو تبني أفكار تدعو إلى تركيز السلطة في أيدي المؤسسين والمهندسين وأصحاب القدرة على بناء النظم التكنولوجية الجديدة.

لم ينشأ هذا التحول من الأفكار وحدها، وإنما ارتبط بتغير موقع الشركات التكنولوجية داخل الاقتصاد والدولة والمجتمع. فقد تحولت المنصات والبنية السحابية والبيانات والقدرة الحسابية من أدوات اقتصادية إلى بنى أساسية يعتمد عليها التواصل والعمل والمعرفة والأمن والخدمات العامة، كما أدى الصعود السريع للذكاء الاصطناعي، وتصاعد المنافسة الدولية على الرقائق والطاقة والقدرات العسكرية والتكنولوجية، إلى منح الشركات والمختبرات الخاصة دورا متزايدا في تحديد الخيارات المتاحة أمام الحكومات. وفي الوقت نفسه، عزز بطء المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة في النخب التقليدية، واتساع الشعور بالعجز البيروقراطي، الاعتقاد بأن رواد الأعمال والمهندسين أكثر قدرة من السياسيين على فهم المستقبل والاستعداد له.

وفي هذا السياق، برز ما يمكن وصفه بـ"اليمين التكنولوجي" (Techno-Right)، وهو مصطلح لا يشير إلى حزب أو حركة موحدة، ولا يشمل بالطبع جميع العاملين في قطاع التكنولوجيا، وإنما يصف حقلا فكريا وسياسيا متنوعا تشترك تياراته في إعادة النظر في العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة. فالقضية لم تعد تقتصر على مطالبة الشركات بخفض الضرائب أو تخفيف القيود التنظيمية، وإنما امتدت إلى أسئلة أكثر جوهرية: من يمتلك المعرفة اللازمة لتحديد اتجاه المجتمع؟ وهل ينبغي السماح للمؤسسات الديمقراطية بإبطاء التطور التكنولوجي أو إخضاعه لأولويات يحددها الجمهور؟ وهل تمنح القدرة على الابتكار والبناء أصحابها حقا خاصا في وضع القواعد التي يخضع لها الآخرون؟

وتقدم تيارات اليمين التكنولوجي إجابات مختلفة عن هذه الأسئلة. فبعضها يراهن على تسريع الابتكار والأسواق باعتبارهما الطريق إلى الوفرة وحل المشكلات التي عجزت السياسة عن معالجتها، وبعضها يدعو إلى بناء مدن أو شبكات أو مجتمعات جديدة تخضع لسلطة المؤسسين وتتيح للأفراد حرية الخروج منها، بينما يرى اتجاه آخر أن المستقبل يتطلب تحالفا وثيقا بين الدولة القومية والشركات التكنولوجية من أجل بناء القوة الصناعية والعسكرية والقدرة على المنافسة الدولية. ولذلك لا يقوم هذا الحقل على برنامج سياسي واحد، وإنما على مجموعة متباينة من التصورات حول الدولة، والديمقراطية، والسيادة، والحرية، ومستقبل النظام الاجتماعي.

وتكمن أهمية هذه الأفكار في أن أصحابها لا يمثلون جماعات فكرية هامشية تكتفي بانتقاد النظام القائم، وإنما يملك بعضهم شركات ومنصات ورؤوس أموال وبنية تكنولوجية وعلاقات مباشرة بمراكز صنع القرار. ومن ثم يجمع اليمين التكنولوجي بين المخيال والقدرة، أي بين تصور نظم سياسية واجتماعية جديدة وامتلاك الموارد التي تسمح بتجربة بعض ملامحها أو تحويلها إلى واقع. كما أن تأثير هذه الرؤى لا يظل محصورا داخل الولايات المتحدة، لأن المنصات والنظم والبرمجيات ومعايير الحوكمة التي تنتجها المراكز التكنولوجية تنتقل إلى بقية العالم، حاملة معها افتراضات محددة حول الكفاءة والسلطة والمساءلة.

تسعى هذه الدراسة إلى تقديم خريطة تحليلية لهذا الحقل الصاعد، من خلال تحديد موقعه داخل المشهد الفكري المعاصر، وتحليل رؤاه الأساسية والفاعلين الذين يعبرون عنها، وبيان كيف انتقلت بعض أفكاره من المنتديات والكتابات الهامشية إلى الشركات والمؤسسات ومراكز القوة السياسية. والسؤال الذي يربط بين هذه المستويات هو: عندما تصبح التكنولوجيا شرطا أساسيا لتنظيم المجتمع، فمن يملك حق تحديد اتجاهها وغاياتها، ومن ينبغي أن يخضع للمساءلة عن النتائج التي تترتب عليها؟

أولا: حقل هجين: أين يقع اليمين التكنولوجي على الخريطة الفكرية؟

لفهم موقع اليمين التكنولوجي داخل المشهد الفكري المعاصر، لا يكفي اعتباره امتدادا مباشرا لليمين المحافظ أو للنيوليبرالية، فهو حقل هجين تشكل من التقاء أفكار وتقاليد متباينة، بعضها ينتمي إلى اليمين، وبعضها نشأ خارجه أو ظل مفتوحا على استخدامات سياسية مختلفة. وتعود جذوره الأقرب إلى ما عرف بـ"أيديولوجيا كاليفورنيا" (Californian Ideology)، التي جمعت بين الثقافة المضادة الرافضة للمؤسسات المركزية، والتحررية الاقتصادية (Economic Libertarianism)، والإيمان بأن التكنولوجيا والأسواق وريادة الأعمال قادرة على توسيع حرية الفرد بصورة تعجز عنها الدولة.

ومن هذه البيئة ظهرت التحررية السيبرانية (Cyberlibertarianism)، التي قدمت الإنترنت بوصفه فضاء لامركزيا يستطيع الأفراد من خلاله تجاوز الحدود والسلطات والتراتبات القائمة. وقد حمل هذا التصور وعدا تحرريا حقيقيا، إلا أنه رفع في الوقت نفسه مكانة رائد الأعمال والمهندس بوصفهما القادرين على بناء نظم جديدة خارج المؤسسات العامة. وهنا تبلورت إحدى الأفكار الأساسية التي ستنتقل لاحقا إلى اليمين التكنولوجي: أن من يملك القدرة على البناء والابتكار يمتلك معرفة بالمستقبل لا تتوافر للسياسي أو البيروقراطي، وأن هذه المعرفة قد تمنحه دورا خاصا في تحديد اتجاه المجتمع. فاليمين التكنولوجي لا يرفض الخبرة أو التراتب المعرفي في ذاتهما، وإنما يعيد تعريف الخبرة حول القدرة على البناء والابتكار وتحقيق النتائج، ويستبدل خبير الدولة والجامعة بالمهندس والمستثمر والمؤسس.

ويتقاطع هذا الحقل مع النيوليبرالية في ثقته في الأسواق والمنافسة، وشكه في التنظيم الحكومي، واحتفائه بالمبادرة الفردية. إلا أنه يذهب في بعض اتجاهاته إلى ما هو أبعد من إعادة تنظيم الدولة وفقا لمنطق السوق؛ فهو يتصور أن الشركات والمنصات والشبكات الخاصة تستطيع إنشاء مجالات للحكم الخاص تضع قواعدها بنفسها، وأن المؤسس قد يصبح صاحب سلطة فعلية داخل النظام الذي بناه. وبذلك لا يعود السوق مجرد آلية لتوزيع الموارد داخل نظام سياسي قائم، بل يصبح أداة محتملة لبناء نظم سياسية واجتماعية بديلة.

أما علاقته باليمين الأمريكي الجديد، فتقوم على التقارب من دون التطابق. فالتياران يلتقيان في رفض النخب الليبرالية، وانتقاد الدولة الإدارية، ومعارضة التيارات الثقافية التقدمية. إلا أن اليمين المحافظ وتيار ما بعد الليبرالية (Post-liberalism) يسعيان غالبا إلى استعادة التقاليد الدينية والأخلاقية والجماعة الوطنية، بينما يحتفي جانب مهم من اليمين التكنولوجي بالتغيير الجذري وتفكيك المؤسسات الموروثة وبناء مجتمعات قد تتجاوز الحدود القومية. ولذلك تمثل العلاقة بينهما تحالفا سياسيا حول خصوم وأهداف مرحلية مشتركة، أكثر مما تمثل رؤية فكرية واحدة للمجتمع.

وتشكل الرجعية الجديدة (Neoreaction) والتسارعية (Accelerationism) الطرف الأكثر راديكالية داخل هذا الحقل، حيث يشكك مفكرون مثل كورتيس يارفين ونيك لاند في المساواة السياسية وفي قدرة الديمقراطية على إدارة المجتمعات المعقدة، ويدعون إلى صور أكثر تركيزا للسلطة أو إلى تحرير التطور التكنولوجي من القيود التي تبطئه. لكن اختزال اليمين التكنولوجي في هذه الأفكار سيكون مضللا، فالتسارعية لها أيضا أصول واتجاهات يسارية، كما أن الإنسانية العابرة (Transhumanism)، التي تراهن على استخدام التكنولوجيا لتجاوز الحدود البيولوجية للإنسان، لا تنتمي بالضرورة إلى اليمين.

وهكذا لا يستمد اليمين التكنولوجي وحدته من أصل فكري واحد أو برنامج سياسي مشترك، وإنما من التقاطع بين الإيمان بالتقدم التكنولوجي والشك في قدرة الديمقراطية على توجيهه. ومن داخل هذا التقاطع تتبلور ثلاث رؤى رئيسية: تسريع الابتكار والأسواق، وبناء مجتمعات تخضع لسيادة المؤسسين، وإقامة تحالف جديد بين الدولة القومية والشركات التكنولوجية.

ثانيا: التسريع والوفرة: حين يتقدم الابتكار على السياسة

تنطلق الرؤية الأولى داخل اليمين التكنولوجي من تشخيص يقوم على أن المجتمعات الغربية لا تعاني نقصا في المعرفة أو الإمكانات التقنية بقدر ما تعاني فقدان القدرة على البناء. فالقيود التنظيمية، والخوف من المخاطرة، وبطء المؤسسات، وقوة المصالح المستفيدة من الوضع القائم، تحول دون إنشاء المساكن والبنية الأساسية ومصادر الطاقة والمصانع والأدوية والنظم التكنولوجية التي يمكن أن ترفع مستوى المعيشة. ومن هذا المنطلق، قدم مارك أندريسن في مقاله "حان وقت البناء" (It’s Time to Build)، ثم في "بيان المتفائل التكنولوجي" (The Techno-Optimist Manifesto)، رؤية تعتبر التكنولوجيا والأسواق وريادة الأعمال الطريق الرئيسي إلى النمو والوفرة، وتنظر إلى "الباني" بوصفه نقيض البيروقراطي والمنظم الذي يعرف كيف يعترض لكنه لا يعرف كيف ينشئ.

إلا أن فكرة التسريع تملك جذرا فلسفيا أكثر راديكالية في كتابات نيك لاند ومنها كتاب التنوير المظلم (The Dark Enlightenment) ، الذي لا ينظر إلى التكنولوجيا والرأسمالية بوصفهما أداتين لتحقيق غايات يحددها الإنسان، وإنما بوصفهما عملية متسارعة تنتج أشكالا جديدة من الذكاء والقوة، وتسعى بطبيعتها إلى التحرر من القيود السياسية والأخلاقية. وفي هذا التصور، لا تمثل الديمقراطية وسيلة لتوجيه التطور التكنولوجي، بل عائقا يبطئ حركة تتجاوز قدرة الإنسان على التحكم فيها. ولا يتبنى المتفائلون التكنولوجيون المعاصرون بالضرورة عداء لاند الصريح للديمقراطية أو رؤيته التي تقلل من مركزية الإنسان، إلا أنهم يشتركون معه في الشك في قدرة السياسة على توجيه التكنولوجيا، وفي الاعتقاد بأن إبطاء التطور قد يكون أخطر من إطلاقه.

واكتسبت هذه الفكرة صيغة أكثر تفاؤلا مع صعود الذكاء الاصطناعي وظهور ما يعرف بالتسارعية الفعالة (Effective Accelerationism, e/acc)، التي تدعو إلى تسريع التطور التكنولوجي بدلا من إبطائه بدعوى الحذر من مخاطره. ويرى أنصارها أن المجتمعات تصبح أكثر قدرة على حل مشكلاتها كلما توسعت قدراتها في مجالات الذكاء والطاقة والحوسبة والإنتاج، وأن مواجهة المخاطر الناتجة عن التكنولوجيا تتطلب مزيدا من الابتكار لا فرض قيود مسبقة عليه. ولا ينتمي جميع أنصار هذا الاتجاه إلى اليمين، إلا أن صيغته داخل اليمين التكنولوجي تربط التسريع بمقاومة التنظيم الحكومي، وتصور القيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي بوصفها محاولة من المؤسسات والنخب القائمة للسيطرة على المستقبل وحماية مواقعها.

وتستند هذه السردية إلى أوجه قصور حقيقية، فقد تتحول الإجراءات التنظيمية إلى وسيلة لحماية الشركات الكبرى من المنافسة، وقد يؤدي الخوف المبالغ فيه من المخاطر إلى تعطيل حلول ضرورية في مجالات الطاقة والصحة والإسكان، كما أن الحكومات قد تفتقر إلى الخبرة أو تخضع لحسابات انتخابية قصيرة الأجل. ولذلك يتمتع شعار "البناء" بجاذبية واضحة، لأنه يعبر عن رفض الجمود ويعيد الاعتبار إلى الإنجاز المادي. إلا أن المبتكر لا يعود في هذه السردية مجرد صاحب حرية ينبغي حمايتها، بل يصبح صاحب معرفة متقدمة بما يحتاج إليه المجتمع، وقد تتحول قدرته على البناء إلى ادعاء بأحقيته في تحديد اتجاه المستقبل، بينما يُقدَّم جذب المستثمرين والمستخدمين بوصفه دليلا كافيا على القبول العام، وتأتي السياسة متأخرة لتتكيف مع واقع أنشأته الشركات بالفعل.

ثالثا: سيادة المؤسس: من حرية الخروج إلى الدولة الشبكية

إذا كانت القدرة على البناء تمنح المؤسس معرفة متقدمة وإسهاما استثنائيا، فإن بعض تيارات اليمين التكنولوجي تنتقل خطوة أبعد، فتمنحه سلطة واسعة على المجال الذي بناه. ويظهر هذا الانتقال في إعادة تعريف الحرية حول ثنائية "الصوت" و"الخروج" (Voice and Exit). فالديمقراطية تقوم على امتلاك الخاضعين للقواعد صوتا في وضعها ومراجعتها، بينما تقاس الحرية في التصور البديل بقدرة الفرد على مغادرة النظام الذي لا يرضيه والانضمام إلى نظام آخر. وبدلا من إصلاح المؤسسة من الداخل، يفترض أن يؤدي تنافس المدن والمنصات والمجتمعات على السكان ورأس المال إلى تحسين الحكم، كما تؤدي المنافسة بين الشركات إلى تحسين السلع والخدمات.

وتظهر هذه الرؤية في مشروعات متدرجة في طموحها ومدى ابتعادها عن الديمقراطية. ففي مقاله "تعليم ليبرتاري" (The Education of a Libertarian)، أعلن بيتر ثيل تشككه في إمكان التوفيق بين الحرية والديمقراطية، ودعا إلى البحث عن سبل للخروج من السياسة بدلا من محاولة إصلاحها. وحدد ثلاثة مجالات يمكن للتكنولوجيا أن تخلق داخلها مساحات جديدة للحرية: الفضاء الرقمي، بما يتيحه من عملات ومجتمعات تتجاوز سيطرة الدولة؛ والفضاء الخارجي بوصفه مجالا مستقبليا للاستيطان؛ والاستيطان البحري (Seasteading)، أي إنشاء مجتمعات عائمة مستقلة تسمح بتجربة نظم اجتماعية وقانونية مختلفة. أما كورتيس يارفين، أحد أبرز مفكري الرجعية الجديدة، فيقترح نموذجا أكثر صراحة يقوم على إدارة الدولة كشركة يقودها مدير تنفيذي يتمتع بسلطة موحدة، بينما يحتفظ الأفراد بحق الرحيل إذا لم يقبلوا طريقة الحكم. وفي هذا التصور، تستمد السلطة مشروعيتها من وضوح المسئولية والقدرة على تحقيق النتائج، لا من التمثيل أو المشاركة المتساوية.

ويقدم بالاجي سرينيفاسان صيغة مختلفة في مشروع "الدولة الشبكية" (Network State). تبدأ هذه الدولة جماعة رقمية تتشكل حول قيم أو أهداف مشتركة، وتنظم أعضاءها وتجمع الموارد قبل أن تكتسب أراضي موزعة في دول متعددة، ثم تسعى في مرحلة لاحقة إلى الاعتراف السياسي. ولا يقوم المشروع على الاستيلاء على دولة قائمة، بل على تأسيس مجتمع في الفضاء الرقمي أولا، ثم تحويل تماسكه الاقتصادي والاجتماعي إلى وجود إقليمي وسياسي. وهكذا لا يعود الإقليم هو الذي يصنع الجماعة، وإنما تبني الجماعة نفسها عبر الشبكة قبل أن تبحث عن أرض وسيادة.

لا تمثل هذه المشروعات مذهبا واحدا؛ فيارفين يدافع عن سلطة شديدة التركيز، بينما يمنح سرينيفاسان الانضمام الطوعي وبناء الجماعة من أسفل مكانة أكبر، ولا يتبنى ثيل نموذجا سياسيا واحدا مكتمل المعالم. لكنها تتقاطع فيما يمكن تسميته "سيادة المؤسس" (Founder Sovereignty): انتقال مركز النظام السياسي من المواطن إلى الفرد القادر على الحركة، ومن الشعب بوصفه صاحب السلطة التأسيسية إلى المؤسس بوصفه باني الجماعة وقواعدها، ومن المشاركة في تحديد هذه القواعد إلى الاختيار بين نظم جاهزة. ويصبح الحكم، في هذه الرؤية، خدمة يعرضها منتجون متنافسون، بينما يتحول الفرد من مواطن يشارك في صنع النظام إلى مستخدم يختار النظام الأنسب له.

ينبه هذا التصور إلى أن المشاركة ليست الضمان الوحيد للحرية. فقد تتيح المغادرة الحماية من نظم مغلقة أو أغلبيات قسرية، كما قد يوسع تعدد النماذج مجال التجريب ويمنع تعميم فشل نظام واحد. إلا أن القدرة الفعلية على الخروج موزعة بصورة شديدة التفاوت؛ فصاحب الثروة والمهارات والجوازات المتعددة يستطيع الانتقال بسهولة أكبر ممن يرتبط عمله وأسرته وحقوقه بمكان واحد. كما أن الموافقة الأولية على الانضمام لا تمثل تفويضا دائما للمؤسس، خصوصا عندما تتراكم البيانات والأصول والعلاقات داخل الكيان وترتفع كلفة المغادرة. وعندئذ قد يصبح الحق الشكلي في الرحيل بديلا ضعيفا عن القدرة على الاعتراض والمساءلة.

والأهم أن هذه المشروعات لا تنشأ خارج الدولة بصورة كاملة. فالمدينة الخاصة تحتاج إلى قانون يحمي عقودها وملكيتها، وإلى أمن وبنية أساسية، كما تحتاج الدولة الشبكية إلى أنظمة دفع واتصال واعتراف دولي يحول العضوية الرقمية إلى حقوق قابلة للحماية. ومن ثم لا تختفي السيادة، بل يعاد توزيع بعض وظائفها لمصلحة مجالات خاصة تخضع لسلطة مؤسسيها. وهنا تظهر مفارقة أساسية: الدولة التي صورت بوصفها عائقا أمام الابتكار تظل شرطا لحماية المشروعات التي تسعى إلى تجاوزها. وسوف تدفع هذه المفارقة تيارا آخر داخل اليمين التكنولوجي إلى التخلي عن حلم الخروج، والبحث بدلا منه عن تحالف جديد بين الدولة القومية والشركات التكنولوجية.

رابعا: القومية التكنولوجية: من الخروج من الدولة إلى التحالف معها

لا تقود جميع تيارات اليمين التكنولوجي إلى البحث عن فضاءات مستقلة أو دول شبكية. فمع تصاعد المنافسة الدولية على الرقائق والطاقة والحوسبة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية، ظهر اتجاه يرى أن الابتكار لا يستطيع ضمان التفوق الوطني من دون دولة قوية. ومن هنا برزت "القومية التكنولوجية" (Techno-nationalism)، التي تربط التقدم التقني بالقوة الاقتصادية والعسكرية والسيادة الوطنية، وتدعو إلى تحالف جديد بين الدولة والشركات لبناء القدرات الصناعية والتكنولوجية اللازمة للمنافسة الدولية.

ويعبر كتاب ألكسندر كارب ونيكولاس زاميسكا "الجمهورية التكنولوجية" (The Technological Republic) عن هذا الاتجاه بوضوح. فهو ينتقد انصراف وادي السيليكون إلى تطبيقات الاستهلاك والإعلان والترفيه، ويدعو المهندسين والشركات إلى استعادة دورهم في خدمة المشروعات القومية الكبرى، وتجديد الشراكة التي ربطت الدولة الأمريكية بالجامعات والمختبرات والقطاع الصناعي. وتتيح القومية التكنولوجية لليمين التكنولوجي التوفيق بين عدائه للبيروقراطية وحاجته إلى الدولة. فالمرفوض هنا ليس الدولة في ذاتها، وإنما الدولة التي تنظم وتبطئ وتعيد توزيع الموارد وتخضع الشركات للقيود. أما الدولة المطلوبة فهي التي تمول البحث، وتشتري الأنظمة، وتوفر الطاقة والأراضي، وتحمي الملكية الفكرية، وتفتح الأسواق، وتساند الشركات الوطنية في المنافسة الدولية. وهي تختلف بذلك عن التحررية التي تراهن على الخروج من الدولة، وعن النيوليبرالية التي تعطي السوق الدور الرئيسي؛ إذ تدعو إلى دولة استراتيجية تعبئ الموارد وتوجهها نحو أهداف صناعية وعسكرية محددة. كما أنها تختلف عن المحافظة التقليدية في احتفائها بالتغيير والابتكار والمستقبل أكثر من احتفائها بالتقاليد والاستقرار.

ويصحح هذا الاتجاه بعض افتراضات التحررية التكنولوجية، إذ يعترف بأن الأسواق لا تنتج وحدها السلع العامة أو البنية الأساسية أو القدرات الاستراتيجية، وأن صعود القطاع التكنولوجي نفسه اعتمد على البحث العام والإنفاق العسكري والتعليم والقانون. لكنه يترك سؤالا مفتوحا حول من يحدد "المصلحة الوطنية" داخل التحالف بين الدولة والشركات، وكيف تخضع العقود السرية والأنظمة العسكرية والتكنولوجية للمساءلة. فتعزيز قدرة الدولة وتقليل اعتمادها على الخارج لا يعنيان بالضرورة اتساع قدرة المواطنين على توجيهها. ومع ذلك، تكشف القومية التكنولوجية أن اليمين التكنولوجي لم يعد منشغلا فقط بالهروب من السياسة؛ فقد أصبح بعض فاعليه يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة من داخلها، وهو تحول يمهد لانتقال أفكاره من الأطراف إلى مراكز السلطة.

خامسا: من الأطراف إلى مراكز السلطة

لم يعد اليمين التكنولوجي مجرد مجموعة من الكتابات والتجارب التي تدور على هامش السياسة الأمريكية. فقد أصبح بعض رموزه جزءا من التحالف الحاكم، وانتقلت أفكاره إلى دوائر صنع السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية والطاقة والدفاع وإصلاح الجهاز الحكومي. ولا يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تبنت مذهبا فكريا متكاملا يحمل هذا الاسم، بل إن عناصر متفرقة من مخياله السياسي وجدت طريقها إلى السلطة: الثقة بالمؤسس، والعداء للبيروقراطية، وأولوية السرعة والبناء، والنظر إلى التفوق التكنولوجي بوصفه شرطا للقوة القومية.

كان تشكيل إدارة دونالد ترامب الثانية عام 2025 نقطة التحول الأوضح في انتقال بعض أفكار اليمين التكنولوجي إلى مراكز السلطة. فقد تولى ديفيد ساكس، المستثمر والمدير التنفيذي السابق في "باي بال" وأحد أبرز أعضاء الشبكة المعروفة إعلاميا باسم "مافيا باي بال"، منصب المستشار الخاص للبيت الأبيض لشئون الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة. وفي مارس 2026، أعلن البيت الأبيض تعيين أول أعضاء مجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا، على أن يتولى ساكس ومايكل كراتسيوس رئاسته بالمشاركة، وكان مارك أندريسن بين أعضائه إلى جانب عدد من أبرز قادة الشركات والمستثمرين التكنولوجيين. ويمثل صعود نائب الرئيس جيه. دي. فانس مسارا آخر لهذا الانتقال؛ فقد جاء إلى السياسة من عالم رأس المال المغامر، وعمل خلال تلك المرحلة في شركة استثمار أسسها بيتر ثيل، وهو ما جعله حلقة وصل مهمة بين اليمين الشعبوي وقسم من النخبة التكنولوجية.

وتظهر آثار هذا التحالف في السياسات أكثر مما تظهر في البيانات الأيديولوجية. فقد وضعت "خطة العمل الأمريكية للذكاء الاصطناعي" (America’s AI Action Plan) تسريع الابتكار، وتطوير البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، بما فيها مراكز البيانات والطاقة ومنشآت أشباه الموصلات، وتصدير حزم تكنولوجية أمريكية متكاملة إلى الحلفاء والشركاء، في قلب استراتيجية الحفاظ على الريادة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، قدمت مبادرة "إدارة الكفاءة الحكومية" (Department of Government Efficiency, DOGE)، التي اضطلع إيلون ماسك بدور بارز في مرحلتها الأولى، نموذجا لإصلاح الدولة أقرب إلى أساليب إدارة الشركات؛ إذ اعتمدت على فرق صغيرة داخل الوكالات، وعلى توظيف المهندسين وتحديث البرمجيات والنظم الحكومية، وربطت النجاح بخفض التكاليف ورفع الكفاءة والإنتاجية. وهكذا لم تعد الدولة نقيضا لرائد الأعمال، بل أصبحت مجالا جديدا يسعى إلى إعادة تصميمه.

ومع ذلك، لا يخلو التحالف بين اليمين الشعبوي واليمين التكنولوجي من تناقضات. فاليمين القومي يؤكد الحدود والهوية الوطنية وحماية السوق الداخلية، بينما نشأ جانب من النخبة التكنولوجية داخل أسواق وشبكات عالمية تتجاوز الحدود. كما يحتفي المحافظون بالتقاليد والاستقرار، في حين يميل المتفائلون التكنولوجيون إلى التغيير المتسارع وتجاوز القيود الاجتماعية والبيولوجية القائمة. لذلك يقوم التحالف بينهما على خصوم مشتركين ــ البيروقراطية، والنخب الليبرالية، والتنظيم، والثقافة التقدمية ــ أكثر مما يقوم على تصور واحد للمجتمع الذي ينبغي أن يحل محل النظام القائم.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في أن اليمين التكنولوجي انتصر نهائيا أو أصبح حركة موحدة، وإنما في نجاح بعض تياراته في تحويل النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي إلى حضور سياسي مباشر، وفي انتقالها من الدفاع عن حرية الابتكار إلى طرح ادعاء أوسع بشأن من يملك الكفاءة والشرعية لقيادة المجتمع. وهنا يتجاوز النقاش مستقبل التكنولوجيا ليصبح نقاشا حول مستقبل الحكم نفسه.

خاتمة: تحولات جديدة في مفهوم السلطة

تكمن أهمية اليمين التكنولوجي في أنه لا يطرح مواقف جديدة من الابتكار أو التنظيم فقط، وإنما يعيد النظر في عدد من الافتراضات التي استند إليها الفكر السياسي الحديث، حيث ارتبطت السيادة بالدولة والإقليم، وارتبطت الشرعية بالمواطن والمشاركة السياسية، كما جرى التعامل مع السوق والشركة باعتبارهما مجالين منفصلين عن السلطة العامة. إلا أن صعود المنصات والشبكات والمجتمعات الرقمية أدى إلى تداخل هذه الحدود، حيث أصبحت بعض الشركات تضع القواعد وتنفذها، وأصبح بعض المؤسسين يمارسون وظائف تشبه الحكم، كما أصبح الخروج من النظام والانتقال إلى نظام آخر يُقدَّم في بعض هذه السرديات بوصفه بديلا عن المشاركة في تغييره.

وعلى المستوى النظري، تفرض هذه التحولات إعادة التفكير في مفاهيم السيادة والشرعية والمواطنة، خاصة عندما تتوزع القدرة على وضع القواعد بين الدولة والشركة والمنصة، وعندما تتحول علاقة الفرد بالمجال الذي يعيش داخله من علاقة مواطن بنظام سياسي إلى علاقة مستخدم بمقدم خدمة. أما على مستوى الواقع، فإن دراسة السلطة لم تعد تستطيع أن تقتصر على المؤسسات الرسمية والقوانين، بل ينبغي أن تشمل أيضا ملكية البيانات والقدرة الحسابية والطاقة والشبكات، والقدرة على تصميم البنى التكنولوجية التي تحدد الخيارات المتاحة أمام الدول والمجتمعات.

وبالرغم من أن اليمين التكنولوجي لا يمثل مذهبا متماسكا، كما أن العديد من تصوراته ما زالت في طور التجربة، إلا أن صعوده يكشف تحولا أوسع في المخيال السياسي المعاصر، حيث تنتقل بعض وظائف الحكم إلى كيانات خاصة وعابرة للحدود، وتتراجع الحدود الفاصلة بين القوة الاقتصادية والسلطة السياسية. ومن ثم، فإن الصراع حول المستقبل التكنولوجي لن يدور فقط حول سرعة التطور أو حدود التنظيم، وإنما حول الجهة التي ستملك القدرة على وضع القواعد التي تنظم حياة المجتمعات في العصر الرقمي، والأساس الذي ستستمد منه هذه القدرة شرعيتها.

مراجع مختارة:

1- Andreessen, Marc. “It’s Time to Build.” Andreessen Horowitz, April 18, 2020. https://a16z.com/its-time-to-build/.

2- Andreessen, Marc. “The Techno-Optimist Manifesto.” Andreessen Horowitz, October 16, 2023. https://a16z.com/the-techno-optimist-manifesto/.

3- Barbrook, Richard, and Andy Cameron. “The Californian Ideology.” Science as Culture 6, no. 1 (1996): 44–72.

4- Golumbia, David. Cyberlibertarianism: The Right-Wing Politics of Digital Technology. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2024.

5- Karp, Alexander C., and Nicholas W. Zamiska. The Technological Republic: Hard Power, Soft Belief, and the Future of the West. New York: Crown Currency, 2025.

6- Land, Nick. “The Dark Enlightenment.” Urban Future 2.1, 2012. Republished at The Dark Enlightenment. https://www.thedarkenlightenment.com/the-dark-enlightenment-by-nick-land/.

7- Slobodian, Quinn. Crack-Up Capitalism: Market Radicals and the Dream of a World Without Democracy. New York: Metropolitan Books, 2023.

8- Smith, Harrison, and Roger Burrows. “Software, Sovereignty and the Post-Neoliberal Politics of Exit.” Theory, Culture & Society 38, no. 6 (2021): 143–166.

9- Srinivasan, Balaji S. The Network State: How to Start a New Country. Version 1.0, July 4, 2022. https://thenetworkstate.com/.

10- Thiel, Peter. “The Education of a Libertarian.” Cato Unbound, April 13, 2009. https://www.cato-unbound.org/2009/04/13/peter-thiel/education-libertarian/.

11- The White House. “Establishing and Implementing the President’s ‘Department of Government Efficiency.’” Executive Order 14158, January 20, 2025. https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/01/establishing-and-implementing-the-presidents-department-of-government-efficiency/.

12- The White House. Winning the Race: America’s AI Action Plan. July 23, 2025. https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/07/Americas-AI-Action-Plan.pdf.

13- The White House. “President Trump Announces Appointments to President’s Council of Advisors on Science and Technology.” March 25, 2026. https://www.whitehouse.gov/releases/2026/03/president-trump-announces-appointments-to-presidents-council-of-advisors-on-science-and-technology/.

14- Yarvin, Curtis (Mencius Moldbug). Patchwork: A Political System for the 21st Century. 2008. https://digital-collections.princeton.edu/i/patchwork-political-system-21st-cen/item/69345953-f974-470b-a19f-73fc128d5b48.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.