وسام إسماعيل (الميادين)
في محاولة لتقديم مسار الضغط الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية على أنه لا يشبه في تفصيلاته ما سبق لها أن فرضته عليها سابقاً، تسعى الإدارة الأميركية إلى تعريف خطتها الحالية باعتبارها أداة تتجاوز الوظيفة التقليدية للعقوبات الاقتصادية كوسيلة مرافقة للصراع، حيث تحاول تظهيرها كأداة أساسية حاسمة مقررة مسبقاً ستؤدي إلى استكمال تحقيق ما خططت له عند بداية عدوانها.
وبذلك، لا تعود العقوبات والعزلة الاقتصادية وفق هذه الصيغة مجرد إجراءات روتينية اعتادت الولايات المتحدة تطبيقها على الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 كتعبير عن القوة والنفوذ والهيمنة والسطوة، لتصبح جزءاً من مسار تصعيدي متكامل يُفترض أن يؤدي في نهايته، إضافة إلى الهدف المرحلي المتمثل بدفع طهران للخضوع للشروط الأميركية، إلى الإيحاء بعدم فقدانها لموقعها كمظلة أمنية لا يمكن لحلفائها التخلّي عنها.
فمن خلال تسويقها للنتائج المتوخّاة لهذا الهجوم المالي، تحاول الإدارة الأميركية صرف الأنظار عن حقيقة أن إجمالي العقوبات والإجراءات العقابية والقيود التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، والمسجّلة لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC التابع لوزارة الخزانة الأميركية، قد تجاوزت الـ 7000 إجراء عقابي منذ عام 1979، من دون أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تحقيق أي نتيجة ملموسة.
وبالتالي تضع الإدارة الحالية نفسها أمام خطر المراهنة على إحدى الأدوات التي استهلكتها في مواجهة الجمهورية الإسلامية لفترة طويلة، بحيث باتت فاقدة لعنصر المفاجأة أو القدرة على إحداث صدمة هيكلية في اقتصاد اعتاد التأقلم وإدارة شؤونه تحت وطأة الحصار.
حين يقف المتابع أمام التحليل الذي قدّمه وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت حول الإجراءات الجديدة، التي جرى توصيفها على أنها أكبر هجوم مالي على إيران، قد يستنتج غير المطّلع على واقع التجاذب الاميركي الإيراني، بأن سياسة الضغوط القصوى وسياسة العقوبات هي عصارة تفكير الإدارة الحالية، وأنها المرة الأولى التي ستواجه فيها الجمهورية الإسلامية هذا النوع من الحصار.
وعليه قد يفترض هذا الاستنتاج نتيجة حاسمة قد تؤدي في وقت قياسي إلى تضعضع القرار الإيراني. غير أن ربط هذا المسار المستحدث بسلسلة الأحداث التي أدت في نهاية المطاف إلى فشل العدوان العسكري على الجمهورية الإسلامية يكشف حقيقة المناورة الأميركية في هذا المجال.
فالانتقال من خطة الانقضاض على الجمهورية الإسلامية وتوقّع سقوطها في غضون ثلاثة أسابيع، إلى البحث في كيفية مواجهة التكتيك الإيراني، الذي بدا واضحاً أنه يقوم على الاستنزاف العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها، من خلال تكرار تجارب العقوبات التي فشلت سابقاً في تحقيق هدف إخضاع إيران، يكشف عن مأزق بنيوي يواجه الولايات المتحدة الأميركية.
فبعد أن كانت الأحادية الأميركية تعتمد في استراتيجيتها للأمن القومي على الردع المتكامل الذي يدمج بين التفوق العسكري والاستعداد الدائم لخوض الحروب وتحمّل أقصى درجات المخاطرة، إضافة إلى شبكة من التحالفات الاستراتيجية التي من الممكن تجييرها لتحقيق الأهداف الأميركية، أدى الاعلان عن هذا التصعيد المالي والتحول القسري من استراتيجية الردع الشامل إلى وسيلة العقوبات، إلى اظهار مدى تآكل هيبة الردع الأميركية وأرسل إشارات مقلقة لحلفاء واشنطن.
فالواضح اليوم أن التسويق لهذه العقوبات يستهدف بالدرجة الأولى تغطية آثار فشل العدوان على الجمهورية الإسلامية وإدارة الأزمة من خلال بناء سردية إعلامية تسوّق لعدم فشل دونالد ترامب وسقوطه في فخ الاستنزاف المرهق.
من ناحيتها، لم تعد الجمهورية الإسلامية تنظر إلى سياسة العقوبات الأميركية على أنها أداة ضغط استثنائية حيث إنها، أي الجمهورية الإسلامية، باتت تصنّفها على أنها عنصر ثابت في البيئة الاستراتيجية التي تعمل فيها. فبدلاً من أن تؤدي هذه العقوبات إلى إضعاف الدولة الإيرانية، طوّرت الجمهورية الإسلامية آليات للتكيّف معها، سواء عبر تعزيز الإنتاج المحلي، أم عبر تطوير قنوات مالية وتجارية بديلة.
وإذا كانت الجمهورية الإسلامية في المراحل السابقة للعدوان قد نجحت في تحويل واقع العقوبات الأحادية المفروضة عليها إلى وسيلة أميركية تستهدف المساس بالسيادة والحقوق الإيرانية، بما أدى إلى جعلها سبباً معززاً للتماسك الداخلي، فإن مرحلة ما بعد العدوان ونجاح الجمهورية الإسلامية في تظهير هذه العقوبات على أنها نتيجة مباشرة للفشل العسكري الأميركي ولنجاح الجمهورية الإسلامية في فرض قواعد جديدة للصراع، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز وربط الأمن القومي الإيراني بالأمن الإقليمي، من دون أن نهمل جرأة إيران وقرارها بتحول عقيدتها العسكرية من دفاعية إلى هجومية، قد دفعتها إلى العمل على تحويل هذه العقوبات إلى فرصة تعمل من خلالها على إثبات تآكل النفوذ الأميركي في المنطقة والعالم، بما يعني تأكيد سقوط الأحادية الأميركية من خلال إظهار عجزها عن تحويل التفوق العسكري والاقتصادي إلى نتائج سياسية ملموسة.
فإذا كانت الولايات المتحدة قادرة في أي لحظة على ابتكار أنواع جديدة من العقوبات، فإن ذلك يفرض على واشنطن تحديات تتعلق بالحفاظ على منظومة واسعة من الضغوط والرقابة والعقوبات الثانوية المتعلقة بالأطراف الثالثة.
وإذا قاربنا التفاعلات الدولية التي بدأت تتظهر في السنوات الأخيرة، فقد بات ملاحظاً حجم الجهد المبذول من أجل التحول نحو التعددية من قبل القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة، من دون أن ننسى أن التوجهات التي يتبنّاها دونالد ترامب قد أدت في الفترة الاخيرة الى امتعاض الحلفاء وتململهم من الأنانية الاميركية، التي يُعبَّر عنها بشعار أميركا أولاً، والتي تقوم على أساس وضع المصلحة الأميركية فوق أي اعتبار، حتى ولو كانت المسألة مرتبطة بالأمن الجماعي العالمي.
وعليه، تكمن الإشكالية التي تواجهها الولايات المتحدة في إطار حملتها "عملية المنبوذ الاقتصادي" في مستويين، أولهما أن هذا المسار قد يشكل مدخلاً لتحوّل عميق قد يطال هندسة البيئة الدولية التي تستند إليها القوة الأميركية.
فتوظيف العقوبات على هذا النحو الواسع وافتراض التزام الدول به بطريقة قسرية، من دون مراعاة مصالحها السيادية، قد يؤدي إلى تخلّي هذه الدول عن المنظومة الاقتصادية والمالية الأميركية ويعزّز حتماً عملية بناء شبكات تعاون مستقلة.
أما ثانيهما، فيتعلق بالهدف المنشود أميركياً من هذه العقوبات، حيث إنه لا يخرج عن دائرة الضغط على الجمهورية الإسلامية من أجل إعادتها إلى طاولة التفاوض. وبالتالي، فإن هذا المسار لن يؤدي أبداً إلى التعتيم على فشل العدوان العسكري، حيث أسقطت الجمهورية الإسلامية سطوة القوة الأميركية من خلال إفشال أهداف العدوان وفرض معادلات تُظهر ميلاً واضحاً لمصلحتها.
وعليه، فإن ما سيكون ثابتاً هو تمكّن الجمهورية الإسلامية من تقديم دليل ملموس على محدودية القوة الأميركية وعدم ملاءمتها لمشروع الهيمنة والقيادة العالمية.