مقالات

من الدولة التنموية إلى الرؤية الحضارية: تحولات الفكر السياسي الصيني

post-img

د. دينا شحاتة (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية) 

تنطلق الرؤية الصينية المعاصرة للعالم من الاعتقاد بأن الحداثة لا تملك طريقا واحدا، وأن لكل مجتمع الحق في صياغة نظامه السياسي ومساره التنموي في ضوء تاريخه وظروفه وخبرته الحضارية. ومن هذه الفكرة تتفرع مبادئ أصبحت تحتل موقعا مركزيا في الفكر السياسي الصيني: أولوية السيادة، والدور المحوري للدولة في تحقيق التنمية، ورفض فرض النماذج السياسية من الخارج، والمساواة بين الحضارات، والسعي إلى بناء نظام عالمي لا تنفرد حضارة واحدة بتحديد قواعده ومعاييره. ولا تقدم الصين تجربتها، في خطابها الرسمي، باعتبارها نموذجا ينبغي على الآخرين نسخه، بل باعتبارها دليلا على إمكان تحقيق التحديث من دون التغريب، وعلى قدرة المجتمعات غير الغربية على إنتاج تصوراتها الخاصة للدولة والشرعية والنظام العالمي.[1]

غير أن هذه الرؤية لم تظهر في صورتها الحالية دفعة واحدة، وإنما تشكلت من خلال التحولات التي طرأت على تصور الصين لذاتها ومكانتها في العالم. فقد انتقلت من موقعها التاريخي كمركز حضاري، إلى تجربة الاختراق الأجنبي وفقدان السيادة خلال "قرن الإذلال"، ثم إلى إعادة بناء الدولة بعد ثورة 1949 على أساس الوحدة والاستقلال والتحرر الوطني. ومع الإصلاح والانفتاح أصبحت التنمية واستعادة القوة الشاملة محور المشروع الوطني، واتجهت الصين إلى الاندماج في الاقتصاد والمؤسسات الدولية. أما اليوم، فقد أصبحت "النهضة العظيمة للأمة الصينية" تعني الانتقال من دولة تسعى إلى حماية سيادتها وتحقيق تنميتها داخل النظام القائم، إلى قوة حضارية كبرى تطمح إلى المشاركة في صياغة قواعد هذا النظام ومفاهيمه ومستقبله.[2]

وفي عهد الرئيس شي جين بينغ اكتسب هذا التحول تعبيرا فكريا أكثر شمولا. فقد أعاد شي جين بينغ صياغة مفهوم "التحديث الصيني" ودفع به إلى صدارة الخطاب الرسمي، بوصفه مسارا للتنمية تقوده الدولة ولا يساوي بين الحداثة والتغريب. كما ربط مشروع "النهضة العظيمة للأمة الصينية" بين استكمال التحديث واستعادة مكانة الصين وثقتها باستمراريتها الحضارية. على المستوى العالمي، تبلورت هذه العناصر في رؤية تؤكد السيادة وتعدد مسارات التنمية، وتجعل التنمية ركيزة للعدالة الدولية، وتتخذ من "بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية" إطارا للتعاون القائم على التشاور والمنفعة المتبادلة واحترام التنوع الحضاري. وتمنح زيارة شي جين بينغ إلى مصر، وهي الأولى منذ عشر سنوات وتتزامن مع مرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية، مناسبة لقراءة هذه الرؤية من منظور مصري ومن داخل خبرة الجنوب العالمي؛ أي بوصفها رؤية في السياسة والحداثة والنظام العالمي، لا مجرد برنامج للسياسة الخارجية الصينية.[3]

أولا: من المركز الحضاري إلى الصعود التنموي

لا يمكن فهم الرؤية الصينية الراهنة من دون العودة إلى التحول العميق في صورة الصين عن ذاتها. ففي التصور الإمبراطوري التقليدي لم تكن الصين ترى نفسها مجرد دولة بين دول أخرى، بل مركزا لنظام حضاري وسياسي أوسع. وقد عبّر مفهوم "كل ما تحت السماء" عن عالم يفترض انتظام البشر داخل فضاء أخلاقي مشترك، تتحدد فيه شرعية الحكم بقدرته على حفظ النظام وتحقيق الانسجام. ولم يكن ذلك نظاما قائما على المساواة السيادية بالمفهوم الحديث، بل على علاقات متدرجة بين مركز حضاري وأطراف ترتبط به بدرجات مختلفة. ولا يعني استحضار هذا التراث أن الصين المعاصرة تسعى إلى إحياء النظام الإمبراطوري؛ فالدولة الحديثة تشكلت، في الواقع، من انهيار تلك المركزية ومن الصراع من أجل استعادة السيادة.[4]

ولكن منذ حروب الأفيون واجهت الصين تفوق القوى الغربية، ثم اليابان، وفقدت السيطرة على أجزاء من أراضيها وموانئها وفُرضت عليها معاهدات غير متكافئة، قبل أن تدخل في عقود من الانقسام والصراعات. وأصبح "قرن الإذلال" نقطة مرجعية في الذاكرة السياسية الصينية: لم يعد السؤال كيف تدير الصين عالما يتمركز حولها، بل كيف تستعيد وحدتها واستقلالها وقدرتها على تقرير مصيرها في نظام دولي صاغته قوى أكثر تقدما منها. ومع تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 ارتبط نهوض الصين بإنهاء التفكك والتدخل الأجنبي، وقدمت الصين نفسها خلال تلك المرحلة بوصفها قوة ثورية تساند حركات التحرر والعالم الثالث.

وجاء التحول الحاسم مع دنغ شياو بينغ، حين انتقلت الأولوية من الثورة العالمية إلى التنمية الداخلية، وأصبح السلام والانفتاح شرطي النهوض. فكان الاندماج في الاقتصاد العالمي وسيلة لاكتساب المعرفة والتكنولوجيا والموارد اللازمة للتحديث، من دون تبني النموذج السياسي الغربي. واستمر هذا التوجه في عهد جيانغ زيمين، ثم تبلور في عهد هو جينتاو من خلال مفهوم "التنمية السلمية"، الذي قدم صعود الصين باعتباره غير مهدد للنظام الدولي ومولدا لمنافع مشتركة، ومفهوم "العالم المتناغم"، الذي دعا إلى سلام دائم وازدهار مشترك وتعاون بين النظم والحضارات المختلفة. غير أن نجاح المشروع التنموي نقل الصين تدريجيا من دولة تحتاج إلى بيئة مستقرة لتحقيق نهضتها إلى قوة تسعى إلى الإسهام في تحديد طبيعة النظام العالمي نفسه.[5]

ثانيا: من الدولة التنموية إلى الدولة الحضارية

لم يؤد انتقال الصين من الفقر والعزلة إلى موقع القوة الاقتصادية الكبرى إلى التخلي عن الدولة التنموية، وإنما إلى إدماجها داخل تصور أوسع للذات الصينية. ففي عهد شي جين بينغ لم تعد التنمية تعني اللحاق بالدول الأكثر تقدما فحسب، بل أصبحت جزءا من مشروع "النهضة العظيمة للأمة الصينية" الذي يربط بين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، ووحدة الدولة، والثقة بالثقافة الصينية، والقدرة على اختيار الطريق السياسي بصورة مستقلة. ومن ثم لا ينظر الخطاب الصيني إلى الصعود باعتباره وصول دولة نامية إلى مصاف الدول المتقدمة فقط، بل استعادة حضارة قديمة لمكانتها بعد انقطاع تاريخي طويل.

وتعد فكرة "التحديث الصيني" التعبير الأوضح عن هذا التحول. فهي تقبل الحاجة إلى التصنيع والتقدم العلمي ورفع الإنتاجية وتحسين حياة السكان، لكنها ترفض مساواة التحديث بالتغريب أو افتراض أن المجتمعات كلها لابد أن تمر بالطريق التاريخي والسياسي نفسه الذي سلكه الغرب. ووفقا للصياغة الرسمية، يجمع التحديث الصيني بين التعامل مع مجتمع بالغ الضخامة، والسعي إلى الرخاء المشترك، والتوازن بين التقدم المادي والارتقاء الثقافي والأخلاقي، والانسجام بين الإنسان والطبيعة، واتباع طريق سلمي للتنمية. وهذه ليست مجرد قائمة أهداف؛ فهي تنطوي على موقف من الحداثة مؤداه أنها عملية إنسانية مشتركة، لكن مؤسساتها ومساراتها يمكن أن تتعدد باختلاف التاريخ والثقافة والظروف الوطنية.[6]

وفي هذا السياق يطور تشانغ وي وي مفهوم "الدولة الحضارية" لتفسير خصوصية الصين: فهي ليست فقط دولة قومية حديثة تأسست في القرن العشرين، ولا حضارة قديمة بقيت خارج العصر الحديث، بل اندماج حضارة ممتدة مع دولة ذات سيادة ومؤسسات وقدرات تنظيمية واسعة. كما يجعل حجم الصين وتنوعها واستمرارها التاريخي منها كيانا يتجاوز في تعقيده نموذج الدولة القومية المتجانسة. ومن هذا المنظور لا تعد الوحدة السياسية ترتيبا إداريا فحسب، بل شرطا لاستمرار كيان شديد التنوع ومنع عودته إلى الانقسام. ورغم أن هذا المفهوم لا يمثل عقيدة رسمية مكتملة، فإنه يلتقي مع الخطاب الرسمي في تأكيد الاستمرارية الحضارية، والاستقلال السياسي، وقيمة الوحدة والاستقرار، والحاجة إلى دولة قادرة على التخطيط طويل المدى وتجريب السياسات وتعبئة الموارد حول أهداف مشتركة.[7]

ويمتد الاختلاف إلى مفهوم الشرعية. ففي النقاشات الفكرية المرتبطة بالنموذج الصيني، لا تعد الانتخابات التنافسية المعيار الوحيد للحكم؛ إذ ترتبط الشرعية بتحقيق نتائج تحسن حياة المواطنين، واختيار مسئولين يمتلكون الكفاءة والخبرة، وقدرة الدولة على الاستجابة للمشكلات وتصحيح سياساتها والحفاظ على النظام والاستقلال. وفي هذا السياق، يقدم المفكر السياسي دانيال بيل صياغة لهذا البعد من خلال "الجدارة السياسية"، حيث يجمع النموذج المعياري بين المشاركة في المستويات المحلية، وتجريب السياسات في المستويات الوسطى، واختيار القيادات العليا على أساس الخبرة والكفاءة. ولا يخلو التطبيق من مشكلات، كما تفصله فجوات عن المثال النظري، لكن أهمية الفكرة تكمن في أنها تعرّف الحكم الجيد من خلال القدرة والمسئولية بعيدة المدى، لا من خلال لحظة التفويض الانتخابي وحدها.[8]

ويحتل الحزب الشيوعي موقعا محوريا في هذا التصور، إذ يقدم نفسه بوصفه القوة التي أعادت بناء الدولة وقادت التنمية وحمت الوحدة وحققت الاستقلال. كما لم تُطرح الماركسية باعتبارها عقيدة مستوردة تطبق حرفيا، بل جرى ربطها بالواقع الصيني وبالميراث الثقافي والتجربة العملية. وهكذا تصف الصين نفسها، في آن واحد، بأنها دولة اشتراكية وتنموية وحضارية. وتفسر هذه الصورة سبب ارتباط رؤيتها للعالم برفض فرض النماذج الخارجية: فالدفاع عن تعدد طرق التنمية ليس مبدأ خارجيا منفصلا، بل امتداد لاعتقاد الصين بأن نجاحها نفسه قام على صوغ مؤسسات تتلاءم مع تاريخها وحجمها وأولوياتها.

ثالثا: من الاندماج في النظام الدولي إلى المشاركة في إعادة تشكيله

تنطلق الرؤية الصينية المعاصرة للنظام العالمي من التمييز بين المؤسسات الدولية القائمة وبين توزيع النفوذ والمرجعيات الفكرية داخلها. فالصين لا تدعو، في خطابها المعلن، إلى هدم النظام الدولي أو الانسحاب منه، بل تتمسك بالأمم المتحدة والقانون الدولي والتعددية، مع المطالبة بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتوسيع مشاركة الدول غير الغربية. وقد صاغت "مبادرة الحوكمة العالمية"، التي طرحها شي جين بينغ عام 2025، هذا الاتجاه في خمسة مبادئ: المساواة السيادية، واحترام القانون الدولي، والتعددية، والتركيز على مصالح الشعوب، والتركيز على النتائج العملية. وهكذا لم يعد هدف الصين مقصورا على تأمين موقع داخل النظام القائم، بل أصبح يشمل التأثير في قواعده ومفاهيمه.[9]

وتحتل السيادة موقعا مركزيا في هذا التصور، استنادا إلى خبرة تاريخية ربطت فقدانها بالتدخل الأجنبي والانقسام وتعطيل التنمية. ومن هنا يأتي تأكيد سلامة الأراضي، وعدم التدخل، وحق كل مجتمع في اختيار نظامه ومساره التنموي. وتجد هذه اللغة صدى لدى دول الجنوب التي ارتبط تشكلها الحديث بالخروج من الاستعمار وحماية استقلال القرار. لكنها تثير أيضا مسألة كيفية التوفيق بين استقلال الدول والحاجة إلى قواعد ومسئوليات مشتركة في عالم تتجاوز مشكلاته الحدود الوطنية.

وتضع الصين التنمية في قلب تصورها للعدالة الدولية، انطلاقا من أن المساواة القانونية تظل ناقصة إذا افتقرت دول كثيرة إلى البنية الأساسية والتمويل والتكنولوجيا. وفي هذا السياق أطلق شي جين بينغ "مبادرة الحزام والطريق" عام 2013 لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا عبر تنسيق السياسات وشبكات البنية الأساسية والتجارة والتمويل والتبادل المجتمعي، ثم طرح "مبادرة التنمية العالمية" عام 2021 لتسريع تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030 من خلال التعاون في مجالات مثل مكافحة الفقر والأمن الغذائي والصحة وتمويل التنمية والتصنيع والاقتصاد الرقمي. وتقدم الصين المبادرتين بوصفهما أداتين لبناء القدرات، لكن نتائجهما العملية تظل مرتبطة بشروط المشروعات وموازين القوة بينها وبين شركائها.[10]

أما مفهوم "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية"، فيسعى إلى التوفيق بين السيادة والاعتماد المتبادل، بافتراض أن تحديات الاقتصاد والمناخ والصحة والتكنولوجيا لا يمكن إدارتها بصورة منفردة. ويقترح تنظيم هذا الترابط من خلال التشاور والمساهمة المشتركة وتقاسم المنافع. وتضيف "مبادرة الأمن العالمي"، التي أعلنها شي عام 2022 وصدرت ورقتها المفاهيمية في 2023، الدعوة إلى أمن مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، يقوم على احترام السيادة وميثاق الأمم المتحدة، ومراعاة الاهتمامات الأمنية المشروعة للدول، وتسوية النزاعات بالحوار. وتظل هذه المفاهيم إطارا معياريا عاما أكثر منها ترتيبات مؤسسية مكتملة، ولا تلغي في ذاتها التنافس على القوة أو الاختلاف حول معنى الأمن.[11]

ويظهر البعد الحضاري في "مبادرة الحضارة العالمية" التي طرحها شي عام 2023، وتدعو إلى احترام تنوع الحضارات، والاعتراف بقيم إنسانية مشتركة، والجمع بين صون الموروث والتجديد، وتوسيع التبادل بين المجتمعات. وتنقل المبادرة مبدأ "التحديث من دون تغريب" إلى المستوى العالمي: فكما تطالب الصين بحقها في تطوير مسارها الخاص، تؤكد حق المجتمعات الأخرى في صوغ مؤسسات تتلاءم مع تاريخها. وهي بذلك تطرح سؤالا يتجاوز الحالة الصينية: كيف يمكن الجمع بين قيم مشتركة وتعدد طرق تجسيدها، من دون فرض نموذج واحد أو تحويل الخصوصية إلى انغلاق حضاري؟[12]

ويعكس هذا التصور انتقال جمهورية الصين الشعبية من الاندماج الحذر في نظام لم تسهم في صوغ معظم ترتيباته المؤسسية المبكرة، إلى السعي لإعادة تعريف بعض مفاهيمه وقواعده. فهي لا تتخلى عن الدولة القومية أو المؤسسات القائمة، ولا تقدم بديلا مؤسسيا متكاملا، بقدر ما تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل النظام: فتضع التنمية إلى جانب الحقوق السياسية في تعريف التقدم، والسيادة إلى جانب التعاون، والتعدد الحضاري إلى جانب القيم المشتركة. وترتبط هذه الرؤية بتجربة الصين في تحقيق التحديث مع الحفاظ على الاستقلال السياسي والاستمرارية الحضارية. أما ما إذا كان صعودها سيوسع هذا التعدد أو ينتج صورا جديدة من عدم التكافؤ، فتحدده الممارسة لا المبادئ المعلنة وحدها.

خاتمة: الصين والجنوب العالمي

لا تنبع أهمية الرؤية الصينية بالنسبة إلى الجنوب العالمي من كون الصين قوة اقتصادية صاعدة أو ثقلا موازنا للغرب فحسب، بل من إعادة طرحها قضايا صاحبت هذه الدول منذ الاستقلال: العلاقة بين السيادة والتنمية، ودور الدولة في التحديث، وحق المجتمعات في اختيار نظمها، وإمكان دخول الحداثة من دون التخلي عن الخصوصية التاريخية والثقافية. فالتجربة الصينية توسع النقاش حول العلاقة بين النمو الاقتصادي والتطور السياسي، وتقدم لغة تربط التنمية بالكرامة الوطنية، والتعاون بالمساواة، والتعدد الحضاري بحق الشعوب في المشاركة في تعريف معنى التقدم.

وتكتسب هذه الرؤية دلالة خاصة من منظور مصري. فمصر، مثل الصين، دولة حديثة تستند إلى ذاكرة حضارية قديمة، وخاضت تجربة من التدخل الأجنبي والسعي إلى استعادة الاستقلال، كما ظل بناء الدولة وتحقيق التنمية في قلب تصورها لدورها. ولا يعني ذلك تطابق التجربتين أو تبني مصر النموذج الصيني؛ بل يظهر التقاطع في أولوية السيادة، وأهمية الدولة التنموية، والبحث عن تحديث لا يقتضي الذوبان الثقافي أو التبعية السياسية. وقد عكس البيان المصري-الصيني المشترك الصادر عام 2024 هذه اللغة حين جمع بين احترام السيادة وعدم التدخل، وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، ودعم مبادرات "التنمية العالمية" و"الأمن العالمي" و"الحضارة العالمية"، والمطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية لتصبح أكثر عدالة وتمثيلا للدول النامية.

وتوفر زيارة شي جين بينغ فرصة لإضفاء بعد دولي أوسع على العلاقة المصرية-الصينية. فإلى جانب توسيع التجارة والاستثمار وبناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، يستطيع البلدان تعزيز التنسيق داخل تجمع "بريكس" وبنك التنمية الجديد والأمم المتحدة وأطر التعاون الصيني مع الدول العربية وأفريقيا. ويمكن أن يتركز هذا التنسيق على زيادة تمثيل الدول النامية في مؤسسات الحوكمة العالمية، وإصلاح ممارسات تمويل التنمية، وتوسيع فرص الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة، وترسيخ حق الدول في تحديد أولوياتها ومساراتها التنموية. ويتيح موقع مصر وصلاتها العربية والأفريقية والمتوسطية لها أن تؤدي دورا يتجاوز استقبال المشروعات الصينية إلى الإسهام في بلورة مواقف أوسع تعبر عن مصالح دول الجنوب.[13]

وعلى هذا الأساس، لا تقتصر أهمية العلاقات المصرية-الصينية على حجم التجارة والاستثمارات، بل تمتد إلى قدرتها على تحويل التقارب بشأن السيادة وأولوية التنمية وتعدد مسارات التحديث إلى مواقف مشتركة وممارسات مؤسسية أكثر إنصافا للدول الصاعدة والنامية. ولا يتطلب ذلك تطابق الرؤى أو تبني نموذج صيني جاهز، وإنما يقتضي توسيع مشاركة دول الجنوب في تعريف التقدم وصياغة قواعد التمويل والتعاون والتنظيم الدولي. وتكمن الدلالة الأعمق لصعود الصين في أنه لا يعيد توزيع القوة العالمية فحسب، بل يفتح مجالا أوسع أمام الحضارات والمجتمعات غير الغربية للمشاركة في إنتاج الأفكار والمؤسسات التي يقوم عليها النظام الدولي.

الهوامش والمراجع:

[1] Xi Jinping, Report to the 20th National Congress of the Communist Party of China (October 16, 2022), [english.www.gov.cn]; Xi Jinping, “Join Hands on the Path Towards Modernization,” March 15, 2023, [mfa.gov.cn].

[2] Suisheng Zhao, The Dragon Roars Back: Transformational Leaders and Dynamics of Chinese Foreign Policy (Stanford, CA: Stanford University Press, 2023).

[3] State Council Information Office of the People’s Republic of China, A Global Community of Shared Future: China’s Proposals and Actions (September 2023), [english.www.gov.cn]; Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Foreign Ministry Spokesperson Lin Jian’s Regular Press Conference,” August 26, 2026, [mfa.gov.cn].

[4] Zhao Tingyang, All under Heaven: The Tianxia System for a Possible World Order (Oakland, CA: University of California Press, 2021).

[5] State Council Information Office of the People’s Republic of China, China’s Peaceful Development (September 2011), [english.www.gov.cn]; Hu Jintao, “Build Towards a Harmonious World of Lasting Peace and Common Prosperity,” September 15, 2005, [sy.china-embassy.gov.cn].

[6] Xi Jinping, Report to the 20th National Congress of the Communist Party of China.

[7] Zhang Weiwei, The China Wave: Rise of a Civilizational State (Hackensack, NJ: World Century Publishing Corporation, 2012).

[8] Daniel A. Bell, The China Model: Political Meritocracy and the Limits of Democracy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2015).

[9] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, Concept Paper on the Global Governance Initiative (September 1, 2025), [mfa.gov.cn].

[10] State Council Information Office of the People’s Republic of China, The Belt and Road Initiative: A Key Pillar of the Global Community of Shared Future (October 2023), [english.www.gov.cn]; Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, “Position Paper on China’s Cooperation with the United Nations,” October 22, 2021, [mfa.gov.cn].

[11] State Council Information Office of the People’s Republic of China, A Global Community of Shared Future: China’s Proposals and Actions, [english.www.gov.cn]; Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, The Global Security Initiative Concept Paper (February 21, 2023), [mfa.gov.cn].

[12] Xi Jinping, “Join Hands on the Path Towards Modernization,” March 15, 2023, [mfa.gov.cn].

[13] Presidency of the Arab Republic of Egypt, “Joint Statement between the Arab Republic of Egypt and the People’s Republic of China,” May 29, 2024, [presidency.eg].

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.